الرئيسية | حوار | الناقد السوري زهير سالم في حوار لصحيفة “البصائر”/ حاوره / الكاتب الصحفي جمال بوزيان

الناقد السوري زهير سالم في حوار لصحيفة “البصائر”/ حاوره / الكاتب الصحفي جمال بوزيان

   ضيْف اليومَ؛ سوريّ المولد؛ عربيّ اللّسان؛ مُسلِم الدِّيانة؛ أُوروبيّ الغُربة؛ مُفكِّرٌ مُستقِلٌّ؛ يُشرِّحُ واقع الأُمّة باستفاضة وأدب جمٍّ؛ له رؤية ثاقبة؛ طلّة طيّبة لأبي الطّيّب عبْر قنوات تلفزيونيّة فضائيّة بصفته ناقِدًا أدبيًّا؛ وأحيانًا مُحلِّلا سياسيًّا؛ له مُعجمُه الخاصّ في اقتناء كلماته؛ سَمْتُهُ في اسمه؛ مُسالِمٌ في أحاديثه؛ مُسالِمٌ في مَواقِفه بشأن بلده الأُمّ الّذي لَم يَزره طيلة ثمانٍ وثلاثين عامًا لانتفاء الحرّيّات الفرديّة والجماعيّة؛ يَزرع بذور الأمل لعلّها تُزهِر ثِمارها ولو بعْد حين.

   لا يَزال يَتفاعل مع ثورة الشّعب السّوريّ منذ انطلاق شرارتها الأُولَى في درعا يوم الجمعة 18 مارس 2011 م؛ يُدافِع عن حقوق كُلّ الاثنيات إنْ في سوريّة أو خارجها؛ لا يَقع في فِخاخ السّياسيّين وأدعياء السّياسة؛ يأخذ منَ الأدب لُطفه؛ ومنَ التّاريخ دروسه… يَسهر على إدارة مَركز الشّرق للدّراسات الاستراتيجيّة والحضاريّة بلندن منذ إنشائه.

   سألتُه عن مرجعيّته الفكريّة؛ والعلاقة بيْن الوحي والعقل؛ والصّفوة “النُّخبة” العربيّة؛ والـخِطاب الدّينيّ والسّياسيّ في العالَميْن العربيّ والإسلاميّ؛ وتأثير “الأيديولوجيا” على بِناء الدّول؛ وعن مُقاوَمة الاستلاب الفكريّ؛ والغزو الثّقافيّ؛ والغلوّ الدِّينيّ؛ والتّعصّب السّياسيّ؛ وسألتُه عن وَحدة الأُمّة؛ ونجاح القيادة؛ وعنِ اللّسان العربيّ؛ والدِّراسات الحضاريّة؛ ومُعاداة الإسلام في أوروبا وأمريكا؛ وقُدرة الفكر الإسلاميّ على صناعة سِلم اجتماعيّ وتَعايش ثقافيّ وبِناء حضاريّ بيْن الشّعوب والأُمم.

هلْ يُمْكن الحديث عن بداية مَساركَ التّعليميّ؟

ج- كانت بدايتي في الكُتّاب على يد “الشيخ” ختمتُ القرآن الكريم تلاوة وأنا في السادسة من عُمري، وقبْل دخولي الـمَدرسة. ثم حُبِّبَ إليّ المطالعة فكنتُ أقرأ كل ما يصل يدي، ومنذ كنتُ في المراحل الدراسية لَم أسمع من أساتذتي باسم كِتابٍ إلا وبحثتُ عنه. كان عندنا في حلب، المكتبة الوطنية والمركز الثقافي، كنتُ مُداوِما فيهما أقرأ كل كِتابٍ أسمع باسمه، لم أكن أُصنِّف الكِتاب على هُوِيّة كاتِبه، بل كنتُ أقرأ كل ما يصل يدي. في المرحل الابتدائية قرأتُ السِّيَرَ الشعبية، عنترة وسيف بن ذي يزن وذات الهمة وحمزة البهلوان وفيروز شاه، ومجموعات قصص الأطفال لنجيب الكيلاني وغيره، مع قراءة سيرة ابن هشام وتفسير ابن كثير… في المرحلة الإعدادية تعرفتُ على أحمد أمين والرافعي والعقاد وطه حسين… في أي مرحلة دراسية لَم يُشكِّل الكِتاب المقرر إليّ إلا القليل.

   في المرحلة الثانوية انفتحتُ على الثقافات العالمية، في بيئتنا بشكل عام كانت هناك معضلة في الميزانية بين القارئ والكِتاب، وكنتُ أشتري ما يسمى “روائع الأدب العالمي” من مكتبات مخصصة للكتب المستعملة، كان يشوقني أن أقرأ كُتُب الـمُخالِفين الفكرية كما أقرأ كُتُب الـمُوافِقين.

   وأذكر في ذلك الزمن الجميل كانت هناك طبعات معتبرة وترجمات علمية لروائع التراث العالمي نفقد مثلها اليوم في الأسواق.

   بعد تخرجي من الجامعة انصرفتُ إلى التأليف، وكان لي عدة مؤلفات في المطبعة قبل مغادرتي سوريّة عام 1979 م، ولعل أهمها “فهارس فكرية” لكِتاب “في ظِلال القرآن” الذي قرأتُه أربع مرات، وصنعتُ له فهارس كاملة ضاعت في المطبعة أثناء تهجيرنا الأول.

 قبْل استقلالكَ الفكريّ؛ ما هي مَرجعيّتكَ؟

ج- في حقيقة الأمر مرجعية الإنسان هي عقله الفردي. والعقل الفردي يكون له بُعدُه الأُسري التربوي وبُعدُه الاجتماعي. العقل هو مَناط التكليف الشرعي، وبه عَرف الله، وبه عَرف الحق مِن الباطل.

كيْف تَرَى الاختلاف بيْن الّذين يَعتمدون على “النّصّ القرآنيّ” وَحده؛ والّذين يَعتمدون على العقل فقط؛ والّذين يُفكِّرون خارج “النّصّ القرآنيّ”؟

ج- النص القرآني خِطابٌ عقلي مُوجَّه للذين يعقلون وللذين يتفكرون. أنا لا أرى تناقضا أو تقابلا بين العقل والنص. النص يهدي العقل ويعصمه ويقدم أجوبة للزوايا المعتمة التي لا يحيط بها العقل. أكرر وجهة نظري العقل هو الـمُخاطَب بالنص القرآني، والعقل مُستقبِل للنص، ليس مُستقبِلا أمامه، بل عليه أن يعمل وفق قواعد وضوابط وضعها العقل نفسه لفهم النص وتنزيله كما نقول على الواقع.

هلِ الصّفوة “النُّخبة” تَختلف مِن أُمّة إلى أُخرى مِثل ما تَختلف منظومة القِيَم لدى الأُمم؟ ومتى تَنجح الصّفوة في القيادة؟

ج- لا شك أن نُخبة كل قوم تُمثِّل ذروة وعيهم. والنُّخب تتقدم لدى الشعوب بطريقة عفوية أو مُعوَّمة فيتقدم في كل مكان الأكفأ. بفعل العوامل الخارجية، وهذا ليس بمفهوم الجغرافيا فقط، تتدخل الإرادات الـمُزيَّفة في عالَمنا حتى في تشكيل النُّخب “الكروية” فما بالنا بالنُّخب السياسة والثقافية والعلمية؟.

   سؤالكَ، متى تَنجح الصّفوة في القيادة؟ هذا سؤال خطير ومُهِمٌّ، ويجب أن نُقرّ أن النُّخب ليست دائما في الصلابة التي تُنتظَر منها. كان الفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر” أيام النضال ضد النازية في فرنسا يقول عن نفسه وعن أمثاله من المثقفين:”أصحاب العضلات الرخوة”، النُّخب الثقافية والعلمية والفكرية تبحث عن بدائلها بالهجرة أو بأي وسيلة أخرى، وتتجنب الصدام المباشر. ومن هنا فإن النُّخب الحقيقية لا تتقدم ولا تقود في أجواء المزاحمات المحمومة.

بصفتكَ مُدافِعًا عنِ اللّسان العربيّ؛ لماذا يَعجز بعض “حُكّام العرب” عنِ الكلام بلسانهم حتّى أمام شعوبهم؟

 ج- كثير من الـحُكّام العرب لم يتلقوا التأهيل المناسب باللسان العربي وبغيره، حتى في بيوتات الـحُكم الوراثي لم يَعُدِ الأبناء كأبناء ملوك أو أولياء عهود مع الأسف. كان الخلفاء يختارون المربين لأبنائهم ويطلقون أيديهم في عملية التربية.

بيْن انتصارات الأُمم وانكساراتها تَأتي النّهضة؛ ماذا يُعيق الأُمّة نحو الاجتماع على مبادئ نهضة حقيقيّة؟ وما هي أولويّات الأُمّة في هذا العصر؟

ج- الذي يُعيق نصْر الأُمّة غياب القيادة. الشعوب العربية في مصر وليبيا واليمن وسورية ضحت أكثر مما هو مطلوب منها، ولكن غابت القيادة الحقيقة، بمعنى أننا نعيش أزمة رجال، لم نحتفظ بالقيادات الأهلية ولا قدرنا على التوافق مع القيادات الـمَدنية، قال الأفوه الأودي: “لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم”، وقال المتنبي: وإنما الناس بالملوك.

   أولوية الأُمَّة الـمُسلِمة تقديم تصور جديد عن الـمُسلِم المعاصر بعيدا عن الشكل “الشاب بالثوب الأبيض النصف واللحية السوداء وفي يده السواك”، أتابع قنوات التلفزيون الفضائية التي تترزق بالإسلام في محاربة السحر ورد المطلقة وجلب النصيب، أَشعُر أحيانا بصفتي مُسلِمًا بالخزي، مِثل هذه البضاعة تُباع في أسواقنا وتجد رواجا بين أبناء أمتنا. في الثلث الأخير من القرن العشرين صَدرتْ أعداد قليلة من مجلة “الـمُسلِم المعاصر”، ثم أعداد قليلة من مجلة “الأُمّة” وتم إيقاف هذه وتلك لأنها وَضعتْ يدها على الوجع الحقيقي.

ألا تَرَى أنّ “مَعرِفة الإسلام” لَم يأخذْ حقّه مِثل ما لَم يأخذْ مفهوم “إسلاميّة الـمَعرِفة” حقّه أيضًا؟

ج- أما مَعرِفة الإسلام فقد تم اجتزاء إسلام السلف وتقديم أجزاء هامشية منه على أنها الإسلام، وكانت هذه أكبر أغاليط القرنين الأخيرين. أما إسلامية الـمَعرِفة ففي صدري منها شيء، ومع أنني عضو “رابطة الأدب الإسلامي” منذ عقود إلا أنني أجدني أرتاب في العنوان، كل أدب جميل معبر عن حقائق وجودية هو أدب إسلامي بمعنى، قد يكون الأدب إسلاميا والأديب غير مُسلِم… كل مَعرِفة حقيقية صوابية هي إسلامية بمعنى، الـمَعرِفة لا هُوِيّة لها، يجسد هذا الحديث النبوي الشريف “الـحِكمة ضالة المؤمن…”، وكان العالِم الإنكليزي تشارلز داروين يَعجبُ مستنكرا كيف يربط الناس بين نظريته والإلحاد؟!.

 تُجيد “الصّهيونيّة” تشتيت الأُمّة الإسلاميّة؛ في حين الأُمّة الإسلاميّة تَفشل في الوَحدة رغم ما تًملكه من مُقوِّمات؛ ما تفسير ذلك؟

 ج- لا أُوافِق على تحميل الصهيونية مسؤولية ما نصنعه بأنفسنا لأنفسنا، سياسيا وثقافيا واقتصاديا، هناك سياقات بشرية لحالة الإخلاد للأرض كما يسميها القرآن الكريم هي المسؤولة عما ينزل بنا، الآخرون يستثمرون في واقعنا ولكنهم لا يصنعونه.

 هلِ “الـمَدنيّة الـمادّيّة الغربيّة” تَخاف الإسلام بصفته دِينًا أَمْ تَخاف الحركات الإسلاميّة النّشطة في العمل السّياسيّ أَمْ تَخاف الـمجموعات الّتي تُمارِس العنف وتَنسب نفسها للإسلام ظُلمًا أَمْ وَقَعَ لُبْسٌ؟

ج– أرادتِ “الـمَدنية الغربية” بعد النصر على “السوفيات” عدُوا يملأ فراغها الاستراتيجي فاختارت الإسلام العدو التاريخي الإيديولوجي الضعيف بأبنائه، والمسلمون الأغنياء بثرواتهم شكلا أو حقلا للتدريب والمناورة. كما في كل المناورات العسكرية تبقى الأهداف مُعَدَّةً ومصنوعةً.

هلِ الفكر الإسلاميّ قادر على صناعة “سِلم اجتماعيّ وتَعايش ثقافيّ وبِناء حضاريّ” بيْن الشّعوب والأُمم ولو بعْد حين؟

ج– عطاءات الإسلام  في هذه الميادين سباقة ولا حدود لها… للفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي كِتاب جميل عنوانه “ما يَعِدُ به الإسلام”، وَعْدُ الإسلام مفتوح ورضي وسابغ، والسؤال: هلِ المسلمون مستعدون لتقديم الإسلام بالطريقة التي يؤمن على مثلها البشر؟ بالمناسبة هذه العبارة من متون المفسرين والفقهاء في قوله تعالى:”… لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ…”، يقولون: أن يصل البلاغ إلى غير الـمُسلِم بطريقة يؤمن على مثلها البشر. ولا يعتدون بالبلاغ بالتسامع السلبي على ما يسود العالَم اليومي.

 كيْف تَرَى مُستقبَل الجماعات الوسطيّة الـمُعتدِلة الّتي تَعتمد الإسلام مَرجعًا في مشروعاتها؟

ج- هذه الجماعات مستقبلها رهن يديها، الأعداء يحفون بها من كل جانب، نَعم، ولكن التآكل الداخلي هو المهدد الأكبر لوجودها، عملية التكيف مع المتغيرات من الشروط الوجودية للحفاظ على البقاء.

ألا تَرَى أنّ أنصار “الـمَدنيّة الـمادّيّة الغربيّة” مكتوفو العقول أمام “الإسلام الحضاريّ”؛ وعاجزون عن فَهم مُستقبَله وحركته الـمُستمِرّة الّتي لا تُوقِفها “أشباه مشروعات”؛ ما رأيكَ؟

 ج – بعض هؤلاء الناس خياراتهم ورؤيتهم مرهونة للداعم الخارجي، انظر إلى الأحزاب الشيوعية العربية بعد سقوط الحزب الشيوعي الروسي، وسيكون مصير هؤلاء أسوأ بعد انكشاف “الـمَدنية الغربية” أمام خذلان مشروع “الديمقراطية” في بلدان الربيع العربي، الأُمّة المسلمة تاريخيا قريبة عهد بدورة الحضارة، يمكن تسميتها “المناوب النازل”، ولذا على كل من يريد أن يقدم مشروعا لهذه الأُمّة أن يختاره من صميمها، وهذا لا يمنع أبدا من الاستفادة من تجارب الآخرين، الاستنساخ الحضاري في حقيقته شكل من أشكال الانمساخ الذي لا يقبله الوعي الباطن للشعوب.

ما تَقييمكَ للدّراسات الحضاريّة في العالَم الإسلاميّ؟

ج- مع الأسف هذه الدراسات في عالمنا  محدودة جدا جدا، وهي أكثر محدودية في فِكر المفكرين السوريين والمصريين معا، فقد أرهق الاستبداد الفكر في هذيْن القُطريْن. ربما نجد لها آفاقا أوسع عند المثقفين المغاربة بالمعنى الجغرافي الواسع. كان مالك بن نبي سباقا وملهما. وغير مالك بن نبي هناك في المغارب العربية آخرون، لا يشترط أن تقبل من كل مفكر كل شيء. وهذه النمطية تتعبنا ، ولا يشترط في المفكر أن يقدم لك التصوري الكلي في البدايات تكون الإضاءات والإيماءات.

   أنا أُحمِّل الاستبداد في سوريّة ومصر مسؤولية تهجير المفكرين والإسلاميين منهم بشكل خاص إلى دول يسيطر عليها العقل السلفي المحدود والجزئي، وهناك كان على هؤلاء المفكرين أن يتأقلموا تحت السقف المحدد لهم.

تَتنوّع الحروب بيْن الأُمم؛ استخباراتيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وتجاريًّا ومعلوماتيًّا؛ وقدْ لاحظنا اجتماع كُلّ ذلك في سوريّة تصفيّة للحسابات؛ ما رأيكَ؟

 ج- صدَقتم، إن الذي لاحظناه في سوريّة تقاطع مَصالِح الجميع وعلى جميع المستويات مع مَصلحة بشار الأسد وضد الشعب السوري. على المستوى الدولي لم يحدث في التاريخ الدبلوماسي الحديث مثل هذا التوافق إلا مع العدو الصهيوني وضد الشعب الفلسطيني. هناك ارتباط فرع بأصل بين الشعبين والقضيتين.

كثيرًا ما يَخذلُ مُثقَّفون وسياسيّون وعسكريّون وأَمنيّون وأصحاب أموال “ربيع الشّعوب” في العالَم؛ ما الأسباب؟ وفي ظِلّ الاستعباد والاستبداد والإفساد؛ ما هو الحلّ لقيام “سُلطة سياسيّة شرعيّة”؟

ج- طبعًا، المعادلات الشخصية أو الفردية متعددة بعدد الأشخاص، وكل إنسان يملك أسبابه ومعاذيره. والمضحون من بني البشر في كل المجتمعات قليل. والتضحية المثمرة ربما هي التي يفقدها الـمَشهد العربي، تحتاج الأُمّة إلى الارتقاء بوعي نخبها أولا أمام استحقاقات التضحية لدى جماهيرها، فقد أثبتتْ هذه الجماهير وفاء فاق كل تصور. استثمار التضحيات وتوظيفها بالطريقة الـمُنتِجة هو الذي غاب عن الـمَشهد.

 ألا تُلاحِظ أنّ العلماء الـمُسلِمين استبحروا في الكتابة عنِ العبادات؛ ويَكادون يُهملون الكتابة عنِ العلم والعمل والعدل والحرّيّة والـحُكم والشّورى؟

ج- حتى عنوان “العلماء المسلمين” أصبح بحاجة إلى فتح أُفُقٍ. ما هو تأهيل إمام المسجد العِلمي؟ وما هو تأهيل خطيب الجمعة؟ كثيرون يذهبون إلى صلاة الجمعة امتثالا لا طلبا لرأي أو مشورة. حتى النصوص الشرعية لا يتقنها خطباء الجمعة ويروونها بطريقة تثير الإشفاق. ألا يلفت نظرنا أن مالك بن نبي كان مهندسا وأن أربكان كذلك؟!. هذا لا يقلل من قيمة العِلم الشرعي ولكن يجعلنا نلتفت أكثر إلى التعبير القرآني “الراسخون في العِلم”، المقصود هو الراسخون في العِلم الشرعي وغير العِلم الشرعي، هُمُ القادرون على إحداث النقلة في بِناء شخصية الـمُسلِم ورسم آفاق مشروعه الفردي والجماعي.

كيْف يُقاوَم الاستلاب الفكريّ؛ والغزو الثّقافيّ؛ والغلوّ الدِّينيّ؛ والتّعصّب السّياسيّ؟

ج- الاستلاب الفكري وضع عقلي، الغزو الثقافي حالة من الاستسلام المعرفي، الغلو الديني حالة نفسية عقلية متداخلة وكذا التعصب السياسي، بالصحة نواجه المرض. الأجسام القوية تستعصي على الأمراض. نحن المطالبون بالتأسيس الصحيح. 

يَرَى البعض أنَّ الجابريّ أراد بـ”العقل العربيّ” وأد “العقل الإسلاميّ”؟

ج- بعض الناس يرى في أُطروحات عابد الجابري عن العقل العربي مؤامرة، لم أرَ الأمر كذلك، كان الرَّجُل يُعبِّر عن رؤية كوّنها في بيئة وظروف خاصة. لا أُريد أن أَدخل في تكوين الرَّجُل الديني، ولكن تعامله النصي كان يوضح أن لديه ثغرات معرفية وفكرية يحاول أن يسدها. ربما فكرة الـمَجامِع الحوارية لم تنضج بعد لتبادل الـمَعرفة والفكر. قد نعجب إذا قلنا أن الإمام أبا حنيفة من القرن الثاني الهجري كان يؤسس مَذهبه عبْر مَجمَع عِلمي، يتبادل خبراؤه الآراء، ولا يحسمون دائما خلافاتهم العِلمية على رأي واحد.

 لماذا يُدافِع “الغرب” عن إيديولوجيّته وثقافته وهُوِيّته؛ في حين يُطالَب العالَم العربيّ والإسلاميّ بالتّخلّي عن أفكاره وثقافته وهُوِيّته ولسانه؟

ج- هذه هي سياسة الغالب مع المغلوب، وهي حالة طبيعية تاريخية مكرورة. وهي في وجه آخر التحدي الذي يشكل  قانون التدافع الحضاري. وحسب عمق الإحساس بالهزيمة في الأفراد والجماعات تتم الاستجابة للتحدي إما بمقاومته والارتقاء إلى مقابلته وإما بالتلاشي أمامه. الحركات الإسلامية الوسطية صاحبة المشروع اختارت الاستجابة الإيجابية للتحدي باستيعابه والبِناء عليه. فريق من أبناء الأُمّة اختار الانصياع والتلاشي، التيار السلفي السلبي آثر العزلة والانشغال بالصغائر اللحية والثوب والسواك والتواسل وزيارة القبور، وأخيرا فريق رابع عدمي قرر الانتحار عبْر مواجهة مدمرة على طريقة المنبت الذي لا يقطع أرضا ولا يبقي ظهرا… وفوق ذلك يخرج على المنهج الذي يزعم أنه يريد نصرته. ليس علينا أن نلوم الغربيين وإنما أن نلوم أنفسنا لأننا لم نحسن الاستجابة للتحدي بطريقة فعالة.

هلِ العنف وليد للفكر أَمْ هو الابن الشّرعيّ للظّلم بكُلّ أنواعه؟

ج- مصطلح العنف مفتوح، وللعنف صور وأشكال كثيرة. ومنه ما هو مشروع تُقرِّه القوانين السماوية والدولية، ولا سيما حين يأتي دفاعا عن النفس أو الأرض أو العرض. أما العنف المستفز الذي يقع خارج دائرة القوانين المعتبرة فهذا عنف مَرَضِيٌّ يُعبِّر عن واقع مَرَضِيٌّ. وحين يفلسف علماء الاجتماع الجرائم الجنائية الفردية مِن قتْل واغتصاب وسرقة ويعتبرونها أمراضا اجتماعية جديرة بالعلاج أكثر منها بالعقوبة، فمن باب أولى أن نتعامل كذلك مع فريق من الناس يستشعرون الظلم والضيم والانتهاك محقين كانوا في ذلك أو غير محقين. تدرس حالاتهم موضوعيا وتقترح الحلول لها، ولا تعتبر حالات أمنية تعالج خارج إطار القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.

  ما ردّكَ على مَن يقول: في القرآن الكريم دعوة إلى العنف؟

 ج- الانتقائية في التعامل مع المنهج القرآني في تشريع السِّلم والحرب قد تسعف مِثل هؤلاء في بعض  النصوص، ولا سيما حين تُقتَطع تلك النصوص من سياقاتها الزمنية والتشريعية. ولكن استخلاص نظرية إسلامية متكاملة في السِّلم والدعوة إليه والحرب وضبط قانونها سيقدم نظرية إسلامية متفوقة في مقاصدها على كل ما تدرسه الأمم في كلياتها مما يسمى العقيدة القتالية. وربما تقديم هذه النظرية في ثوب عِلمي حقيقي وهو ما فات العلماء المسلمين. ومما زاد الطين بلة جرأة بعض من أسميناهم الغلاة على النصوص وإشهارها مفردة من سياقاتها فوق رؤوس الناس أجمعين.

 ما رأيكَ في الـخِطاب الدّينيّ والسّياسيّ في العالَميْن العربيّ والإسلاميّ؟ وهلْ تُؤثِّر “الأيديولوجيا” على بِناء الدّول؟

ج- الـخِطابان الديني والسياسي في العالَم العربي كلاهما معتل، ولكل منهما عِلّة مختلفة عن الآخر.

الـخِطاب الديني في جملته ماضوي اجتزائي وانتقائي، وجملة الذين يصوغون هذا الـخِطاب، الأئمة والخطباء والوعاظ، لا يملكون تصورا كليا ولا مشروعا متكاملا. والنُّخبة الـمُسلِمة التي تملك بعض هذا مُحارَبةٌ ومُضطهَدةٌ ومُشرَّدةٌ. في الـخِطاب الديني يتم التركيز على صغائر الأمور، فروع الفروع من السنن والآداب والتي اصطلح على تسميتها “سنن الهدي” كيف تدخل؟ كيف تخرج؟ كيف تلبس؟ كيف تأكل ولا تطرح؟ كيف تكون إنسانا ناجحا منجزا مؤثرا؟ كيف تبني علاقاتك في مجتمعك على سداد ورشاد لتشكل شبكة العلاقات العامة التي تحول كل فرد في المجتمع إلى عضو في خلية كخلية النحل متعاونة متكافلة. قصم ظهْر الأُمّة فِقه عقيدة الولاء والبراء “لا تُسلِّمْ على من يَحلِق لِحيته ولا على من يُطيل ثوبه”!.

   أما الـخِطاب السياسي فهو خِطاب “ديماغوجي” كلام يلوكه ساسة وإعلاميون بلا معنى. ولو اعتبرنا ما يقوله الإعلاميون العرب في قادة هذه الأُمّة من حِكمة ورُشد وبُعد نظر لوجب، لو صدَقوا، أن تكون رايتنا اليوم فوق الشمس.

الثّقة الـمُطْلَقة في الـحُكّام والقيادات المختلفة والتّبعيّة وانتفاء الحوار في الأحزاب والنّقابات ومُنظّمات الـمُجتمَع الـمَدنيّ وبيْن الصّفوة “النّخبة” لا تُولِد آراء حرّة؛ ووجهات نظر؛ ما رأيكَ؟

ج- لا يمكنني أن أتحدث عن ثقة مُطْلَقة في عالم سلطوي تتحكم فيه السُّلطة يكثر الدهان والنفاق وما يسميه البعض المجاملة وهي نوع من أنواع النفاق السياسي والاجتماعي. الناس تئن تحت وطأة السُّلطة المجردة الكالحة وتحاول أن تتكيف، بعض الناس يستمرئ هذا وبعضهم يَعتبر نفسه كالمضطر لأكل الميتة والخنزير.

ألا تَرَى أنّ مُعاداة الإسلام في أوروبا وأمريكا هي سموم تَقتل التّعارف والتّعايش والتّعاون بيْن النّاس؟

 ج- هذه بديهية، لا سيما ما بني على مَواقِف تاريخية. تَعترف الكاتبة البريطانية كارين أرمسترونغ في كِتابها “الحرب المقدسة” أن كل بريطاني درس في منهجه المدرسي أن “ريتشارد” قلب الأسد كان بطلا وأنه ذهب لقتال الكفار المتخلفين القساة.

   ومع ذلك أقول: إنْ وُجِد المشروع الإسلامي الصائب الصادق لكان من وجود ملايين المسلمين اليوم في قلب أوروبا جِسرا للتصحيح والتوضيح وإعادة بِناء علاقة سليمة. كيْف نجح التجار المسلمون في كسب المجتمع الإندونيسي والماليزي؟، كان كل واحد من أولئك التجار يحمل مشروعه. مع الأسف الوجود الإسلامي في الغرب، بسوء تصرف الكثيرين، يزيد الـمَشهد سوءًا وقتامةً. فماذا يمكن أن نقول حين تصدمنا الإحصاءات أن أكثر نزلاء السجون الأوروبية مِنَ الجنائيين هُمْ مِنَ المسلمين؟!.

 يَرَى البعض أنَّ “الصّهيونيّة العالَميّة” استولتْ على “هيئة الأُمم الـمُتّحدة”؛ وتَكالبتْ على فلسطين فاقتطعتْها لـ “إسرائيل”؛ وانقضّتْ على “جامعة الدّول العربيّة”؛ وزحفتْ نحو “مُنظَّمة التّعاون الإسلاميّ”؛ وشلّتْ “اتّحاد الـمَغرب العربيّ”؛ وها هي تَشقّ صفّ “مَجلِس التّعاون الخليجيّ”؛ ما رأيكَ؟

ج- مرة أخرى، الصهيونية العالمية شيطان رجيم ولكنها ليستِ الشيطان الرجيم. إنْ إصرارنا على تحميلها وحدها مسؤولية ما يجري علينا أو ما نفعله بأنفسنا هو نوع من الهروب من تحمل المسؤولية التاريخية. هذا الانقسام الذريع في مجلس التعاون الخليجي، وهذا الحصار الذي فُرِض على قَطر هل هو وحي شيطان صهيوني؟، النُّخَبُ الـمُعَوَّمَةُ في بعض البلدان العربية التي تؤيد هذا الحصار لم تنزل من المريخ. نحن هنا لا نلوم من كان له رأي مخالف أو مناقض للسياسة القَطرية أو للقيادة القَطرية؛ وإنما نتحدث عن مسلمين وعرب يؤيدون فرض حصار ذي أبعاد سلبية إنسانية وسياسية وقومية على مسلمين وعرب، ثم نقول نعوذ بالله من الشيطان الرجيم!.   

لماذا أبواب الأمل مفتوحة للّاجئين والـمُستضعَفين في “بلاد الغرب”؛ ومُغلَقة في “بلاد الشّرق” إلّا ما نَدر؟

ج- الغرب الذي يتحمل الكثير من أسباب التشريد ودوافع اللجوء لا يفتح أبوابه للاجئين، ولكنه لما كان محكوما بالقانون وليس بالمزاج وبالمواثيق الحقوقية الدولية فإنه يتعامل مع اللاجئين بقانون بينما في دولنا المهترئة لا باب يُفتَح ولا قانون يَحمِي؛ بل إن العربي يُقِيم في البلد العربي عاملا ناصبا مؤديا ثلاثين عاما ثم لا يزال يُوسَم “الـمُقِيم” الذي يمكن أن يَشطِب إقامته تلاسن بين زوجته وزوجة جاره أو بين ابنه وابن الجيران!.

ما رأيكَ في ظاهرة “قائمة الكتب الممنوعة” في العالَم سواء أكانت عربيّة أَمْ أجنبيّة؟

ج- كنتُ أحفظ أن أطول قائمة كُتُب محظورة تاريخيا هي “قائمة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان”، وأنه لم يُرفَع الحظر عن هذه القائمة إلا في أوائل الستينيات من القرن الماضي. كان الحرم الكنسي هو العقوبة المقدرة بحق كل من ينتهك هذا الحظر. ثم بدأنا نتابع قوائم لحظر الكتب والمؤلفات في العالَم العربي بعضها على خلفية دينية مغلقة، وبعضها على خلفية ثورية استبدادية. ما حظره نظام البعث في سوريّة عبْر تاريخه ربما ينافس القائمة التاريخية للكنيسة الكاثوليكية. من المحظور في سوريّة مثلا كثير من الكتب التراثية بعضها للأئمة الأعلام. وأُضيف على ذلك بينما احتفظ تراثنا بكُتُب ابن الرواندي الزنديق في الطعن على الإسلام وفي مكتبتي واحد من هذه الكتب.

ما هو آخر كِتابٍ قرأتَه؟

ج- أُعِيدُ قراءة كِتاب “الذريعة إلى مكارم الشريعة” للراغب الأصفهاني. والراغب الأصفهاني عالِم مظلوم في تاريخ الأُمّة. وأقرأ “كِتاب الـحِكمة” للفيلسوف الهندي أوشو.  

سعيدٌ بكَ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا؛ اختمِ الحوار.

ج- لَعلِّي أكثر سعادة بمنحي هذه الفرصة، آملا أن تجد هذه الكلمات طريقها للنفع العام. ولا أجد ما أَختم به خيرا من سورة العصر، بسم الله الرحمن الرحيم، “وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلّا الَّذِينَ آَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ”.

   يقول الإمام الشافعي لو تأمل الناس في سورة العصر لوسعتهم. وهذا هو جوهر مشروع الفرد الـمُسلِم والـمُجتمَع الـمُسلِم والأُمّة الـمُسلِمة، إيمان بالله وعمل صالح ينفع عباد الله، حتى لا يُختَزل العمل الصالح في صيغة العبادات المجردة، وحتى أؤكد على جوهر هذا المشروع أشفع السورة القصيرة الجامعة بحديث أشد اختصارا لسيدنا رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- حين أجاب من سأله أن يختصر عليه شرائع الإسلام، قال: “قُلْ آَمَنْتُ بِالْلّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ”. إيمان واستقامة في السلوك الخاص والعام، في الأخلاق الفردية والجماعية، وتنجو الأُمّة بل وتنجح وتتقدم بإذن الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتور عز الدين بن زغيبة في حوار مع البصائر/ أ. د. حسن خليفة

الدكتور عز الدين بن زغيبة من الطيور الجزائرية المهاجرة؛ حيث يقيم في دولة الإمارات العربية …