الرئيسية | عين البصائر | عن وفاة الشيخ مصطفى بوغابة (رحمة الله عليه) / ملاحظات لابد منها

عن وفاة الشيخ مصطفى بوغابة (رحمة الله عليه) / ملاحظات لابد منها

 

حسن خليفة

 

فقدت الساحتان التربوية والدعوية شخصية علمية مهمة بوفاة الشيخ الجليل مصطفى بوغابة ـ رحمة الله عليه ـ؛ حيث ووري جثمانه، بعد عصر يوم الأربعاء الماضي (5 سبتمبر2018) بمقبرة قسنطينة المركزية ـ قرب مسجد الصمد ـ بحضور بعض من إخوانه وعارفيه ومحبيه وأهله وجيرانه، وذلك بعد الصلاة عليه في مسجد الاستقلال الواقع في وسط مدينة قسنطينة.

ويمكن القول: إن الشيخ مصطفى بوغابة هو أحد الكرام في الكوكبة الأخيرة من كواكب رجال ودعاة وأعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؛ ممن كان لهم فضل السبق في الجهاد العلمي والتربوي والثقافي، على مدار عقود طويلة، وقد سبقه إلى رحاب الله تعالى أعداد وكواكب من الأئمة والأعلام أصحاب الفضل والعمل الجاد الصادق .

استوقفتني مجموعة ملاحظات، على هامش الحدث، أحب أن أسجلها تعبيرا وتنبيها:

-1 الحضور المحتشم ـ بصفة عامة ـ فلم تكن أعداد المشيعين تزيد عن المائة، وربما أقل، ولا يستقيم الأمر بالنسبة لشخصية كبيرة مرموقة كشخصية الشيخ بوغابة رحمة الله عليه .

نعم.. إن شخصية وازنة، بالزخم العلمي والجهادي والتربوي لمثل الشيخ مصطفى بوغابة ـ لا يمكن توقع حضور عادي ـ أو أقل من العادي ـ في مناسبة وفاته، إلا إذا كان هناك “خلل” ما، وهو ما يستوجب التسجيل والتساؤل؟.  فأين  المربون؟ أين الأئمة والدعاة والمشايخ؟ أين المجاهدون والرفقاء؟ أين أهل العلم والتربية والمعرفة والثقافة والتاريخ…؟ وللشيخ الأستاذ نصيب من كل ذلك، فهو مرب، ومجاهد، ورجل علم وثقافة.

سؤال كبير ينبغي أن يُطرح. ولقد نبه الشيخ عبد العزيز شلي في كلمته الوجيزة في التأبين والتذكير، مستنكرا: كيف لإمام المسجد الذي صُلي فيه على الشيخ مصطفى أن ينادي: صلاة الجنازة يرحمكم الله الميت: رجل!!. ألم يكن في وسع الإمام أن يذكر بشخص الشيخ، فلم يكن نكرة من النكرات أبدا، إنما كان رجلا كريما كبيرا شامخا، رفع الله قدره ورحمه وغفر له .

-2 انعدام الحضور الرسمي تقريبا، باستثناء بعض المنتخبين من المجلسين الولائي والشعبي، لا وجود للتمثيل الرسمي ـ إطلاقاـ وهو أمر مستغرب ومستقبح، بالنظر إلى تاريخ الرجل وما قدمه للوطن من خدمات وصنائع معروف واجتهاد وجهاد في كثير من الميادين. فما السبب في تنكب الحضور الرسمي إلى هذا الحد؟. تُرى لو كان فنانا أو لاعب كرة أو مسؤولا من “المسائيل” هل سيتأخر القوم، من رسميين وغيرهم؟. هذا ما يستوجب التوقف عنده لمعرفة الاختلالات في قيمنا وسلوكنا الاجتماعي والإنساني والديني.

-3 هناك ملاحظة لابد من تسجيلها ـ مع أنها قاسية ومؤلمة ـ وأعني بها انعدام الأخلاق والآداب لدى البعض؛ حيث تعالت الأصوات، طول فترة إلقاء الكلمات من المؤبنين، مما منع الحضور من الاستماع إلى بعض ما لا يُعرف عن الرجل ـ رحمة الله عليه ـ وهذا أمر مشين في واقع الأمر يحتاج إلى تأدب ومعرفة بما يجب في مثل هذه المناسبات، إن لم يكن في المجال الديني الخالص، ففي المجال الاجتماعي؛ حيث ينبغي أن تُراعى الآداب العامة والخاصة .

والمستخلص مما سبق: أننا مازلنا بعيدين عن الاحتفاء المطلوب، رسميا وشعبيا، بأعلامنا ومشايخنا ورجال العمل والإصلاح والدعوة والثقافة فينا، وما تزال “قيمة” هؤلاء أقل مما يمكن، قياسا إلى غيرهم من المهرجين وأهل الرقص والشطح والردح والكرة والرياضة والفن ـ أو العفن ـ بتعبير أصح، وهذا اختلال كبير يحسُن أن نجتهد في تصويبه، قبل أن تغرق السفينة كلها، ويعلو السافل ويسمو الوضيع، وتضيع معالم الصلاح والرشاد جميعها. وللأسف فإن المشهد تتصدره وجوه “القبح” والرداءة والسوء، في كثير من الحقول والميادين. فعلا لقد دارت الدنيا ـ كما يقول المثل العربي ـ (دنيا تدور ترفع الوضيع وتخفض العالي). وأصحاب الوضاعة والدناءة والصفاقة هم المتصدرون…

لا يعفينا الأمر ـ على سوئه ـ من التنويه بالرجل وبيان محاسنه ومحطات جهاده وعمله الوطني الكبير..وهنا تعريف وجيز به، استفدناه  مما قدمه أحد المؤبنين، بارك الله فيه، وهو الشيخ أونيسي جزاه الله كل خير.

********

الشيخ مصطفى بوغابة من مواليد 1926 بقسنطينة (23 ديسمبر) ـ أبوه هو: الطاهر، وأمه السيدة فاطمة بطيطش المدعوة وناسة. تتكون عائلته من 8 أفراد (أربعة ذكور وأربع بنات)، ومن بين أخوته الشهيد عمر بوغابة ـ رحمة الله عليه ـ

.حفظ ما تيسّر من القرآن الكريم ببعض كتاتيب قسنطينة، ثم التحق بجمعية “التربية والتعليم الإسلامية ” سنة 1937 ودرس بها أربع سنوات على مجموعة من المعلمين الأحرار، ومنهم: الشيخ محمد الصالح رمضان. كان واحدا من أربعة تلاميذ اختارتهم الجمعية لمتابعة دراستهم في جامع الزيتونة المعمور سنة 1941، غير أنه لم يلتحق إلا سنة 1944، بسبب الحرب العالمية الثانية، وقد تحصّل على شهادة الأهلية، ثم شهادة التحصيل، وعاد إلى الوطن سنة 1951 .

كان له، رحمة الله عليه، إسهام كبير في المجالات التربوية والثقافية، من ذلك اشتغاله معلما بمدارس الجمعية، كمدرسة الفتح بسطيف، 1952، ثم التحق بجيش التحرير الوطني بالولاية الثانية (الشمال القسنطيني)، بعدما اكتشفت السلطات الاستدمارية خلية الاتصال والإعلام والتموين والتي كان مقرّها بمعهد عبد الحميد بن باديس، وألقي القبض حينها على الشيخ أحمد حماني والشيخ الصادق مخلوف، وتم اغتيال الشيخ محمد العدوي والشيخ أحمد رضا حوحو والشيخ العربي التبسي، وغيرهم من الأساتذة والتلاميذ..مما دفع الكثير إلى الالتحاق بمراكز الثورة والجبال بالحدود الشرقية .

عُين الأستاذ مصطفى ـ رحمه الله ـ أستاذا للغة العربية وآدابها بثانوية أحمد رضا حوحو المعروفة، ثم عُين مديرا للدراسات بنفس الثانوية ـ 1962 ـ 1975، ثم مديرا للمعهد التكنولوجي (ذكور) المعروف باسم الإخوة بسكري، ثم مديرا لثانوية أحمد باي بقسنطينة أيضا، بين 78 و88، وفي جزء من هذه الفترة انتدب للإشراف على النشاط الثقافي بمسجد باريس بفرنسا، حيث أحد كوادر المسجد الذي أشرف على تسييره الشيخ العباس بن الشيخ الحسين ـ رحمهم الله جميعا ـ .

كان له نشاط متنوع: سياسي وثقافي؛ حيث كان مجاهدا في جيش التحرير الوطني.كما كان صاحب نشاط محلي لمدة سنوات.

أنشأ مع بعض إخوانه جمعية “جيل نوفمبر لحماية وتخليد مآثر الثورة التحريرية “، كما كان عضوا في مجلس الولاية التاريخية الثانية وأحد مقرريها منذ نشأتها 1990. وعضوا في مؤسسة الشيخ عبد الحميد بن باديس منذ تأسيسها .

خلاصة: كان صاحب نشاط كبير في عدد من الميادين التربوية والثقافية والدينية والتاريخية، وهو أحد تلاميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس وأحد أعضاء الجمعية منذ سنواتها الأولى، وأحد الأساتذة والمربين في معاهدها ومدارسها.رحمة الله تعالى عليه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

شيوخ الجمعية في منبر مسجد المقرية

استضاف مسجد أبي حنيفة بالمقرية في العاصمة الشيخ عمار طالبي حفظه الله و اطال في …