الرئيسية | وراء الأحداث | ماذا وراء استحضار الخلافات التاريخية لتعميق الصراعات الاجتماعية؟ !/عبد الحميد عبدوس

ماذا وراء استحضار الخلافات التاريخية لتعميق الصراعات الاجتماعية؟ !/عبد الحميد عبدوس

عاد الجدل ليطفو مرة أخرى على سطح الأحداث الوطنية حول بعض المحطات التاريخية في ثورة التحرير المجيدة، ومن أبرز تلك الأحداث مؤتمر الصومام الذي انعقد في 20 أوت 1956بمدينة إيفري شرق ولاية بجاية .

فعشية إحياء الذكرى الثانية والستين لمؤتمر الصومام التاريخي ألقى  الدكتور سعيد سعدي الرئيس السابق لحزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” بمدينة أوقاس محاضرة حول مؤتمر الصومام، نشرت جريدة “الوطن” الناطقة بالفرنسية في 20 أوت 2018 نص المحاضرة تحت عنوان (أرضية الصومام: معالم، ومكتسبات سياسية، ومرجعيات تاريخية) وذهب سعدي في المحاضرة إلى أن وثيقة الصومام التي اعتبرها بمثابة النص المؤسس للجزائر الحديثة، جاءت لتؤكد على مبدأ اللائكية وتشذيب الفظاظة الدينية الواردة في نداء أول نوفمبر.

والمفارقة في هذا التصريح هي أنه جعل حماس الدكتور سعيد سعدي ودفاعه الحار عن وثيقة الصومام وأشغال المؤتمر، يتطابق مع تصريحات أشد المنتقدين لمؤتمر الصومام  .

حيث سبق للمجاهد العقيد عمار بن عودة عضو مجموعة 22 التاريخية أن قال في حوار مع جريدة “الخبر”  في 6 مارس 2012، أي قبل حوالي 6 سنوات من رحيله في فيفري 2018:” كنت ضد مؤتمر الصومام مائة بالمائة؛ لأن كل محتوى الوثيقة كان بعيدا عن بيان أول نوفمبر 1954، الذي تضمن بناء دولة على مبادئ الدين الإسلامي، حوّلنا مؤتمر الصومام إلى اللائكية وإلحاد الشيوعية، وكل ما جاء به عبان رمضان في الديباجة كان بإيعاز من المسمى أوزفان، وهو سكرتير سابق في الحزب الشيوعي” .

ولعل حساسية سعيد سعدي من المرجعية الإسلامية جعلته يجتهد في اقتناص النصوص والشهادات التي تبرئ الشهيد عبان رمضان من التعاطف أو التمسك بمبادئ الثقافة الإسلامية. فقد كان من الشائع أن الشهيد عبان رمضان هو الذي قام في جويلية 1957، بتغيير اسم  لسان حال الثورة الجزائرية التي كانت تصدر بالمغرب، من ” المقاومة الجزائرية” إلى تسمية ” المجاهد” وهو الاسم الذي احتفظت به الصحيفة بعد ذلك خلال سنوات الثورة، وبعد استرجاع الاستقلال الوطني.

ولكن سعيد سعدي يورد في محاضرته شهادة أرملة عبان رمضان التي تزوجت بعده من العقيد الصادق دهيليس فيما يخص قضية اختيار اسم ” المجاهد”  لجريدة الثورة، تقول السيدة دهيليس:”عندما تم تبادل الرأي بين عبان وبن خدة وبن مهيدي، في اختيار اسم للسان حال الثورة من بين عدة أسماء مقترحة مثل: الوطني، أو المقاتل، أو المجاهد، اقترح بن يوسف بن خدة اسم ” المجاهد” وهو الاسم الذي نال موافقة العربي بن مهيدي، ولكن عبان رمضان أبدى تحفظات جدية على اختيار اسم “المجاهد” بسبب إيحاءاته الدينية، التي سيكون لها آثارها على التطورات السياسية اللاحقة، ولكن بن خدة أصر على التسمية معللا ذلك بقدرة هذا الاسم على تسهيل تجنيد الطبقات الشعبية، وهو ما وافق عليه بن مهيدي، ولكن عبان بذل محاولة أخيرة في رفض التسمية بتحذيره من مخاطر الجمعيات الدينية في المعركة السياسية، وفي الأخير تم عرض اسم “المجاهد” على التصويت بين الحاضرين في الشقة الواقعة في شارع غرمول بالعاصمة، فقبل عبان التسمية  باعتباره يمثل الأقلية .

وإذا كان عبان رمضان ـ حسب محاضرة سعيد سعدي ـ  له كل هذه الحساسية او النفور من الثقافة الإسلامية، فإنه كان منفتحا على اللغة العبرية والثقافة اليهودية، وفي هذا الصدد يورد سعيد سعدي شهادة علي هارون أحد قادة فيدرالية جبهة التحرير بفرنسا، وعضو المجلس الأعلى للدولة تظهر بأن عبان رمضان طلب ترجمة وثيقة الصومام إلى أكبر عدد من اللغات ومنها اللغة العبرية لضمان إعطاء صوت وصورة للثورة على الساحة العالمية…حقا، تبدو هذه الفكرة غريبة لأن اليهود في الجزائر الذين ولد معظمهم فوق تراب الجزائر، وأكلوا من خيراتها، وتربوا وسط أهلها، وتعرفوا على عاداتهم وثقافتهم، وقفوا في غالبيتهم ضد الثورة الجزائرية وفضلوا الانحياز لصفوف المحتل الفرنسي.

واللافت للانتباه أن سعيد سعدي يؤكد في محاضرته:” أن الهيئات القيادية المنبثقة عن مؤتمر الصومام، كانت بمثابة سلطات دولة عصرية بهياكل تنفيذية ومجلس وطني للثورة يمثل “برلمان ” الحرب . وأنه برغم غياب الأوراس الذي كان بسبب استشهاد بن بولعيد الذي ظل خبره مخفيا من طرف المقربين منه، فقد تم تعيين أعضاء المجلس الوطني للثورة من طرف نظرائهم، مما أعطى لهذه الهيئة  تمثيلا جهويا جد متوازن

ولكن الكثير من  المعارضين لمؤتمر الصومام، يرون عكس ما يؤكده سعيد سعدي ويعتبرون أن القيادة المنبثقة عن المؤتمر لم تكن متوازنة، وعلى سبيل المثال فقد تشكل المجلس الوطني للثورة ( أعلى هيئة قيادية) بعد مؤتمر الصومام من أربعة وثلاثين عضوا يمثلون ستة ولايات تاريخية، وحظيت الولاية التاريخية الثالثة (منطقة القبائل) بحصة الأسد بنيلها عشرة ممثلين فيه (قرابة الثلث) موزعين على خمسة أعضاء دائمين ( كريم بلقاسم، اعمر اوعمران، حسين آيت أحمد، عبان رمضان، عيسات إيدير) من مجموع 17عضوا دائما، وخمسة إضافيين (سليمان دهيليس، محمدي السعيد، علي ملاح، محمد البجاوي، محمد الصالح الونشي) من 17 عضوا إضافيا، هذا على مستوى القيادة السياسية للثورة، أما على المستوى العسكري فقد حازت الولاية الثالثة على نصف المناصب القيادية في الولايات التاريخية، وهي الولاية الثالثة (العقيد كريم بلقاسم) والولاية الرابعة من خلال تعيين العقيد اعمر أوعمران  على رأس الولاية خلفا لرابح بيطاط الذي ألقي عليه القبض، وتعيين العقيد علي ملاح على رأس الولاية السادسة التي تم إنشاؤها بعد مؤتمر الصومام، أي بمجموع 3 قادة ولايات من بين ستة قادة.

ويرى سعيد سعدي في محاضرته بمدينة أوقاس:” أن أول انقلاب في تاريخ الجزائر المعاصرة قد دبر بالقاهرة في أوت 1957″. ولكن المؤرخ صالح لغرور شقيق الشهيد عباس لغرور أحد قادة الأوراس صرح في حديث صحفي لجريدة الشروق اليومي قائلا:” اعتبر لقاء الصومام كما اعتبره بعض الفاعلين، أول انقلاب في تاريخ الجزائر”.

وكان أكبر المعارضين لنتائج مؤتمر الصومام في اجتماع القاهرة هو العقيد كريم بلقاسم العضو البارز في لجنة التنسيق والتنفيذ( القيادة العليا للثورة) المنبثقة عن مؤتمر الصومام، حيث صرح في اجتماع المجلس الوطني للثورة الذي انعقد في القاهرة في 20 أوت 1957 بحضور العقداء بن طوبال، وبو الصوف، ومحمود الشريف بقوله:” أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ يجب أن يكونوا أعضاء غير مطعون فيهم وغير قابلين للجدل. لم أكن أريد التدخل في الخلاف بين عبان وبن بلة، لكن هناك حقيقة: رفقاؤنا الخمسة القابعون في السجن يحتجون على وجود مركزيين بيننا هما: ابن خدة وسعد دحلب، وأشاطرهم الموقف. لماذا اتخذ اليوم في القاهرة هذا الموقف؟ لأن هؤلاء السياسيين الذين لم يكونوا بتاتا ضمن الثوار يناورون من أجل تصفية رجال جيش التحرير والقادة التاريخيين”.

أما المجاهد أحمد محساس أحد قادة ثورة نوفمبر(توفي في 24 فبراير 2013) فقد قال:” مؤتمر الصومام فتح الباب للاغتيالات داخل الثورة… ولقد حاول عبان اغتيالي… وإن نجوت أنا فإن جماعة “عبان” قتلت 15 معارضا لمؤتمر الصومام”.

وهكذا يتضح أن باب الجدل والخلاف لم يغلق منذ انعقاد مؤتمر الصومام حتى الآن، لا بين الفاعلين التاريخيين من رفقاء السلاح، ولا بين المؤرخين والمهتمين بقضايا التاريخ حول أحداث ومحطات تاريخية كبرى في مسيرة ثورتنا المجيدة. ولذلك فإنه من غير المناسب في الظروف الحالية استحضار القضايا الخلافية في التاريخ لتأجيج الانقسامات والصراعات الاجتماعية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى تصبح الإسلاموفوبيا في أوروبا جنحة يعاقب عليها القانون؟/ عبد الحميد عبدوس

خرج يوم الأحد 10 نوفمبر الجاري 2019 الاحتجاج على ظاهرة الخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا …