الرئيسية | غير مصنف | أزمة الليرة التركية بين نزعة ترامب القومية و اختلالات الاقتصاد التركي الهيكلية.

أزمة الليرة التركية بين نزعة ترامب القومية و اختلالات الاقتصاد التركي الهيكلية.

بقلم: أ. أسامة عينوش.

في سابقة لم نشهد لها مثيلاً داخل معسكر الأطلسية الجديدة بعد أن غرد ترامب بعقوبات على دولة حليفة وعضو في حلف شمال الأطلسي، دولة أُريد لها أن تبقى كحزام عازل تحمي خاصرة “الشمال” من لفح لهيب صراعات “الجنوب “التي لا تنتهي وأي دور عداه فهو مرفوض.
بقداسة القس “اندرو برانسون “ذلكم المسيحي العظيم ورب الأسرة الرائع الذي يعاني من ويلات الإقامة الجبرية في تركيا كما جاء في تغريدة ترامب، دُقت طبول ما سميت بالحرب على الليرة التركية عبر فرض مجموعة من العقوبات في تجل جديد للنزعة القومية اليمينية الأمريكية المقبلة على انتخابات كونغرس نصفية مصيرية بفلسفة صدامية مع الجميع في مسعى حشد أصوات الناخبيين لصالحها عبر حك جرح قضية برانسون حتى النزيف.
وفي المقابل يعتبر الخطاب الرسمي التركي أن العقوبات الأمريكية التي تضمنت رفع نسبة الرسوم الجمركية على بعض السلع التركية الموجهة للولايات المتحدة بمثابة الضغط على “عصب الليرة التركية الحائر “ما أدى إلى تهاوي قيمتها بشكل غير مسبوق، لكن أي قراءة متأنية لواقع الاقتصاد التركي تميط اللثام عن اختلالات هيكلية فيه بدأت أعراضها بالظهور سنة 2013 وتفاقمت لتصل الأمور إلى ما هي عليه الآن لتكون بذلك بمثابة القطرة التي أفاضت سيل زبى العلاقات الأمريكية – التركية التي بدأت بالتشنج منذ نفس السنة.
قومية ترامب الانعزالية وفلسفة الصدام مع الكل.
منذ أن كان دونالد ترامب مرشحا للرئاسة وجوهر خطابه يحمل في طياته تصورا لولايات متحدة غير معنية بأي التزامات إزاء حلفائها وإزاء المجتمع الدولي بشكل عام فيما عدا المصالح التجارية والاتفاقيات المرتبطة بها في سبيل إزالة أي عائق في طريق الكوربوقراطية الأمريكية نحو جني المال.
وعلى هذا الأساس اتخذ ترامب من عبارة “إعادة العظمة المهدورة لأمريكا” شعارا له، فالأمر يتعلق هنا بأمة تسعى جاهدة لإحتلال الريادة مهما كان الثمن مستندة لفكرة أن الولايات المتحدة قوية بما فيه الكفاية ويزيد لأن تتربع على عرش العالم بدون أي حاجة ملحة لعقد تحالفات عسكرية كانت أم اقتصادية، والعقاب إن لم يكن الدمار سيكون مصير كل مخالف على حد تعبير مراسلة شبكة DW الألمانية من واشنطن “إينيس بول”.
ويبدوا أن العقوبات المفروضة على تركيا تندرج ضمن هذه الرؤية “الاستعلائية” وإن كانت في محصلتها تراكمات لقضايا خلافية حادة وترت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا بشكل غير مسبوق.
الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر: شرخ في جدار الثقة.
بعد أن قاد الرئيس الحالي لمصر عبد الفتاح السيسي انقلابا عسكريا على الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز سنة 2013، نظرت أنقرة بعين الشك والريبة لمصداقية إدارة أوباما إذ راهنت على أن هذه الأخيرة كانت تعلم علم اليقين بمخطط الانقلاب الذي دبّر بليل غفلة إخوان مصر بوصفهم حلفاء لتركيا العدالة والتنمية، بالإضافة إلى موقف الإدارة الأمريكية الغامض من النظام الوليد في مصر.
عين العرب/كوباني والرهان الأمريكي على الأكراد.
في صيف سنة 2014 صدم مارد ما سمي بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي خرج من قمقمه العالم حينما استولى على رقعة جغرافية واسعة شملت محافظات عراقية وسورية وبعدما تم تدويل قضية تحرير مدينة عين العرب/كوباني السورية ذات الأغلبية الكردية، راهنت إدارة أوباما على وكلاء محليين ينوبون عنها في حربها الدولية ضد تنظيم الدولة فوجدت ضالتها في البيشمركة الكردية، قوات الجيس العراقي وقوات الحشد الشعبي في العراق، اما في سوريا فقد تحالف الأمريكيون مع حزب الإتحاد الديمقراطي (P.Y.D) الكردي والذي يعتبر فرعا من فروع حزب العمال الكردستاني المصنف كتنظيم إرهابي في تركيا، ومع توسع قواته تحت مضلة ما يعرف “بـــقوات سوريا الديمقراطية” المتمركزة في شمال سوريا وفي شرق نهر الفرات وغربه، توجست أنقرة خيفة على أمنها القومي خاصة وأن حدودها مع سوريا تزيد عن 900 كلم.
التقارب التركي مع روسيا ومحاولة إمساك الحبل من الوسط.
القضية الخلافية الأخرى بين الدولتين بدأت منذ المصالحة بين “أنقرة” و”موسكو” على خلفية إسقاط الجيش التركي لطائرة حربية روسية أواخر سنة 2015، إذ سعت تركيا من وراء هذا التقارب لتجاوز ما قد ينجر عن تغير موازين القوى في سوريا بعد التدخل الروسي المباشر فيها بدءا من سنة 2015، الأمر الذي لم يرق لواشنطن خاصة بعد أن قررت تركيا شراء منظومة الدفاع الروسيةS 400 والذي اعتبرته الولايات المتحدة خطا أحمرا يجعل الدفاعات الجوية للناتو مكشوفة أمام الروس، في المقابل تؤكد أنقرة بأنها لا تنوي أبدا التراجع عن شراء المنظومة الروسية التي بدأت بسداد ثمنها مبررة ذلك بالتماطل الأمريكي في بيع منظومة دفاع جوي حديثة لتركيا.
محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا.
محطة أخرى من محطات الخلاف بين البلدين كانت بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي استهدفت الإطاحة بحكم أردوغان، حيث تؤكد أنقرة على أن العقل المدبر لها كان تنظيم الداعية فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ أن حل بها كلاجئ نهاية التسعينات، وبحسب الخطاب الرسمي التركي الذي قال بأنه قد قدم دلائل كافية تدين غولن، لكن لا إدارة أوباما ولا حتى إدارة ترامب الحالية قد استجابت للمطالب التركية المتمثلة في تسليمه بغية محاكمته.
القدس وإيران.
بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي رسميا عن نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة، تصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائمة المعارضين للقرار، إذ قاد جهودا دبلوماسية كبيرة توجت بعقد قمة طارئة لمنطمة التعاون الإسلامي معتبرا أن الولايات المتحدة أصبحت شريكة في إراقة الدماء باعتراف ترامب بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، وأن هذه الخطوة جزء من مخطط كبير يستهدف المنطقة برمتها.
إضافة لقضية القدس، فإن الرئيس أردوغان من المعارضين أيضا للعقوبات الأمريكية على إيران على خلفية الانسحاب من الاتفاق النووي، فمع بداية تطبيق الحزمة الأولى من العقوبات في 07 أوت 2018 والمتوقعة أن تشتد وطأتها شهر نوفمبر من نفس السنة، فإن الموقف الرسمي التركي يعتبر نفسه غير ملزم بهذه العقوبات وأن علاقته بإيران لن تحددها إلا المصالح المتبادلة بين تركيا وإيران.
قضية القس برانسون: حصان طروادة متقدم للضغط على تركيا.
لقد أدى اعتقال القس الأمريكي برانسون الذي كان يشرف على كنيسة في مدينة أزمير التركية لمدة سنتين قبل أن يوضع تحت الإقامة الجبرية بتهمة صلته بتنظيمي غولن و حزب العمال الكردستاني إلى مزيد من التعقيد على مستوى العلاقات الأمريكية التركية، خاصة بعد أن نفذ ترامب تهديداته مطلع شهر أوت الحالي حينما فرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين تتمثل في تجميد ممتلكاتهما وحظر تعاملاتهما في الداخل الأمريكي، في قرار يحمل رمزية سياسية مفادها أنه من يحيد عن الخط الأمريكي فلينتظر العقاب حتى وإن كان حليفا.
ردت أنقرة بالمثل وفي تعليق له على تهديدات ترامب صرح مولود تشاوش وزير الخارجية التركي قائلا: “لا أحد يمكنه إصدار أمر لتركيا ولن نقبل أبدا التهديدات مهما كان مصدرها، إن دولة القانون تنطبق على الجميع دون أي استثناء”.
يبدوا أن هذا التصعيد الأمريكي له خلفيات انتخابية، فالرئيس ومن خلفه نائبه “مايك بنس” ذو الميول المسيحية الإنجيلية الذي توعدالأتراك بعقوبات قاسية إن لم يفرجوا عن القس برانسون يريدان أن يظهرا بصورة المدافع عن هذا الأخير بغية استمالة أتباع المسيحية الأصولية في انتخابات الكونغرس النصفية المزمع اقامتها في نوفمبر القادم، ولعل هذه النقطة بالذات جعلت أردوغان يصرح في خطاب له بتاريخ 4 أوت الحالي بأنه لن يسمح بأن تتحول تركيا لورقة انتخابية داخلية لا في أوروبا ولا في الولايات المتحدة.
بعد العقوبات السياسية جاء الدور على العقوبات الاقتصادية، إذ قامت إدارة ترامب بمضاعفة الرسوم الجمركية على بعض وارداتها من تركيا وصلت لحد 50% في قطاع الصلب بالتزامن مع تهاوي سعر الليرة إلى مستويات قياسية حيث بلغت أكثر من 6 ليرة مقابل دولار أمريكي واحد.
تهاوي الليرة التركية، ضعف اقتصادي أم عقوبات أمريكية.
بحسب الدكتور علي بكراكي رئيس الملتقى اللبناني التركي في مقال له على موقع “ترك برس” فإن اقتصادا حديث النمو مثل الإقتصاد التركي لا يزال غير قادر على مجابهة حرب مالية كبرى مثل الحرب الحالية التي اعتبرها أردوغان امتداد للمحاولة الإنقلابية، فهو في بدايات طريقه نحو التصنيع الثقيل وتصنيفه العالمي على مستوى التصدير يقبع بين الضعيف والمتوسط.
ويضيف الكاتب، قبل دخول النظام الرئاسي حيز التنفيذ كان أكثر وزراء الخزانة والمالية التركية تحت سيطرة بارونات المال العالمي بشكل أو بآخر، الامر الذي ساهم في جذب رؤوس الأموال الأجنبية في ظل حكم بيروقراطية موالية لها، لكن بعد تحول البلاد للنظام الرئاسي ومحاولة الرئيس أردوغان التحكم بشكل مباشر بحركة المال قابلتها المؤسسات المالية العالمية بحملات تخويف من سياسة أردوغان المالية التي تسعى لخفض أسعار الفائدة بوصفها “مصدرا لكل الشرور” لتبدأ بذلك حركة انسحاب واسعة النطاق للمستثمرين الأجانب من السوق التركي.
وما زاد من عمق مشكلة الليرة أن الاقتصاد التركي يقوم على شركات أساسها الاقتراض الخارجي فعلى مدار العقد الماضي التهمت الشركات التركية غير المالية لوحدها ديونا ضخمة بالعملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار الأمر الذي جعلها تحتل المرتبة الثانية عالميا كأكبر الشركات دينا بعد الشركات الصينية، ومع التوجه نحو رفع أسعار الفائدة الأمريكية تصبح كلفة الاقتراض جد باهضة مما قد يؤدي حسب خبراء لانهيار اقتصادي.
ومن الأسباب التي ساهمت أيضا في تدني قيمة الليرة التركية نجد العجز في الميزان التجاري الذي بلغ في الربع الأول من هذه السنة فقط حوالي 16،4 مليار دولار، وإذا استمر العجز بنفس هذا المستوى فمن المتوقع أن يقترب من أعلى عجز للميزان التجاري تم تسجيله في البلاد خلال 20 سنة الماضية المقدر بـــــ 47،4 مليار دولار سنة 2011.
الأوضاع الاقتصادية في تركيا الآن تذكرنا بالأزمة المالية الأسيوية سنة 1997، فما حدث حينها أن دول شرق أسيا التي عانت من الأزمة قد اعتمدت على استثمارات رؤوس أموال أجنبية قصيرة الأجل ومع تدني مستويات الثقة انسحبت رؤوس الأموال “الجبانة” سريعة النفور من من الأزمات السياسية والاقتصادية تاركة هذه الدول تعاني وزر واحدة من أسوأ الأزمات المالية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويعتمد الاقتصاد التركي بنسبة كبيرة على مثل هكذا استثمارات قصيرة الأمد منذ إلغاء القيود على حركية رأس المال سنة 1989.
أفق العلاقات التركية الأمريكية.
تتضارب التقديرات حول المآلات المحتلة لواقع العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة على خلفية الأزمة الأخيرة بين من يعتبر أن ساعة الفراق قد آنت وبين من يفترض أن ما يجمع بين البلدين على المستوى الإستراتيجي أكبر بكثير مما يفرقهما.
“وان وايت” النائب السابق لرئيس مكتب دراسات الشرق الأدنى وجنوب آسيا التابع لديوان الاستخبارات والبحوث بوزارة الخارجية الأمريكية اعتبر أن تحقيق تقارب على المدى القصير وحتى المتوسط مستبعد جدا نظرا لحجم القضايا الخلافية الكبير بين البلدين، كما يفترض أن افتراق الولايات المتحدة وحلف الأطلسي عن تركيا قد يكون مسألة وقت وفقط.
وفي المقابل يشير خبراء إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تركيا لأسباب استراتيجية خاصة على مستوى الملف السوري المعقد بالإضافة إلى أن تركيا تعد ثاني أكبر قوة في حلف شمال الأطلسي وبين هذا وذاك فإن واقع الشد والجذب بين الدولتين تعكس “معضلة الجبان” المستخدمة في تحليل الصراعات الدولية، فانسحاب أي طرف فيها او استمراره على مواقفه ينطوي على حسابات المصالح العقلانية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لك يا أمي في عيدك… ولكل نساء الدنيا

 أ .. لخضر لقدي يا أمي.. يا زينة الحياة ويا زهرة الوجود، ويا ريحانة الدنيا …