الرئيسية | وراء الأحداث | عندما يخطئ المسؤولون في فهم أولويات الشعب !

عندما يخطئ المسؤولون في فهم أولويات الشعب !

بقلم: أ. عبد الحميد عبدوس

 

في تجاهل محير لمعطيات الواقع، سعى وزير الثقافة عز الدين ميهوبي للتقليل من أثر موجة الرفض الشعبي لظاهرة الحفلات الغنائية التي تسيطر على الفضاء الثقافي، وتتهاطل بلا انقطاع على مناطق الوطن في فصل الصيف دون مراعاة الحاجات الحقيقية للجماهير الشعبية.

لقد ذكر وزير الثقافة في ندوة صحفية عقدها يوم الأحد 12/08/ 2018 بقالمة، أن دعوات مقاطعة الحفلات الغنائية، هي فعل معزول من طرف بعض الأشخاص، مضيفا: إن الدعوة لمقاطعة الحفلات الفنية والنشاطات الثقافية من بعض الأطراف، عمل غير مقبول أخلاقيا لأنه تعطيل لحق المواطن في ممارسة حريته والاستمتاع بما يقدم له من برامج ثقافية بما فيها الحفلات والسهرات الفنية.

وإذا كان من حق السيد عز الدين ميهوبي الدفاع عن إقامة الحفلات الغنائية والإصرار على مواصلة تنظيمها رغم رفض فئات واسعة من الشعب لها في مناطق متعددة من الوطن، فإنه من الغريب أن يعتبر ـ حسب ما ذكرته مصادر إعلاميةـ الدعوة لمقاطعة الحفلات الفنية فعلا معزولا، لأن  هذا التصريح لا يمكن أن يكون إلا تزييفا للواقع، أو عدم  قدرة على الإصغاء أو فهم الحساسية الغالبة في الوسط الشعبي.

فكيف يمكن وصف ظاهرة مقاطعة الحفلات الغنائية والاحتجاج الشعبي ضد تنظيمها والتي امتدت من جنوب الوطن إلى شماله، ومن غربه إلى شرقه، وشملت ولايات: ورقلة، والوادي، والأغواط، والجلفة، وسيدي بلعباس، وتبسة…بالفعل المعزول؟ !

لقد انطلقت شرارة الاحتجاج الشعبي على استفزاز مشاعر المواطنين، من  ولاية ورقلة مساء الخميس 26 جويلية 2018، حيث تظاهر مئات المواطنين ضد إقامة حفلٍ فني بوسط المدينة في إطار تظاهرة فنية حملت عنوان «لنفرح جزائريًا». ورفع  المحتجون من سكان الولاية  لافتات كتبت عليها شعارات “سكان ورقلة يطالبون بخفض فواتير الكهرباء، وتوفير المياه، وبناء المستشفيات، بدل صرف الأموال في حفلات الغناء”، و”السيد الوالي، ورقلة بحاجة للطرق وليس للسهرات”.

تواصلت سلسلة الاحتجاجات ضدّ إقامة الحفلات، حيث ألغي بولاية الوادي بعد ورقلة، حفل الشابة الزهوانية وكادير الجابوني بسبب الرفض الشعبي.

وفي ولاية سيدي بلعباس خرج مساء الأربعاء الفاتح أوت 2018 المئات من سكان المدينة، للاحتجاج على إقامة الطبعة العاشرة لـمهرجان أغنية “الراي” رافعين مطالب اجتماعية واقتصادية؛ مما اضطر المسؤولين إلى إلغاء المهرجان الذي كانوا يستعدّون لتنظيمه بالولاية.

أمّا في مدينة تبسة بالشرق الجزائري، فتفاجأت مجموعة من منظمي حفلٍ غنائي احتجاج سكان المدينة الذين ألغوا الحفل، بعدما اشتكوا من الأصوات الصاخبة الناتجة عنه.

بينما قام يوم الأربعاء 08/أوت/2018 المئات من سكان مدينة الأغواط بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مكان إجراء حفل غنائي بدار الثقافة عبد الله بن كريو مما أدى إلى إلغائه..

ورغم هذه الطريقة السلمية والحضارية للاحتجاج، التي تمثل مرحلة متقدمة من نضج الوعي الشعبي والتي ساعد على انتشارها استغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي الإيجابي دون الحاجة إلى المرور عبر وسائل الإعلام التقليدية التي تبقى في غالبها خاضعة لأطروحات السلطة الحاكمة، فقد فسر هذا الرفض الشعبي بأنه معاداة للثقافة والفن، وبسبب لجوء المواطنين إلى إقامة شعيرة الصلاة في أماكن الاحتجاج، تم  اتهام الحركات والأحزاب الإسلامية بأنها تقف خلف التحريض على خلق الفوضى، ومعاداة الثقافة.

لم تتردد لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال في توجيه شتائم منحطة للمحتجين على الحفلات الفنية بوصفهم بـ “الظلاميين”. أما أحمد أويحي الوزير الأول، والأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي فقد وصف يوم  السبت 29 جويليه 2018 في ندوة صحفية، قيام شباب ورقلة بإلغاء حفل موسيقي بأنه “تصرف غير لائق وغير مقبول، وأن هذه التصرفات الصادرة عن شباب ورقلة تعد بمثابة أعمال شغب”،  معتبرا أن “الفوضى ليست حلا للمشاكل وأن البطالة موجودة من حسين داي إلى عين قزام”. وعلق وزير الثقافة عز الدين ميهوبي على الاحتجاجات الشعبية بالقول:” إن الحكومة لن تسمح بحدوث تصحر ثقافي وفني في الجزائر”. وكأن الربيع الثقافي والازدهار الفني لا يتحققان إلا بنشر الميوعة، والإسفاف الفكري، والانحطاط الأخلاقي.

وقد رد ممثلو التيار الإسلامي على من أدانوا مبادرة المواطنين الأحرار المحتجين على عدم مراعاة مشاعرهم وتقدير أولوياتهم المعيشية. فقال عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم:” إن موقف أهل ورقلة هو موقف اجتماعي سياسي ثقافي حضاري بامتياز، يعبر عن رفض أهل ورقلة سياسة التنويم والتسطيح والتخدير بالحفلات وما يتبعها من شهوات مغلّفة للعقول لكي يسكت الناس عن مطالب التنمية والعدل والكرامة”.

أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد سجلت موقفها بالقول:

” كل التقدير والإجلال نرفعه إلى الشرفاء الأحرار أهل ورقلة وكذا قوات الأمن على السلوك الحضاري الراقي في التعبير عن رفض هذا الحفل الغنائي الماجن دون مساس بالأمن بالعام ولا اعتداء على الممتلكات وهي رسالة تعبر عن درجة الوعي التي تحلى بها المحتجون والرزانة التي تميزت بها قوات الأمن في التعامل مع الرفض الشعبي لهدر المال العام والمساس بالأخلاق العامة للمجتمع”.

عن المحرر

شاهد أيضاً

منطقة القبائل بين الأصالة الراسخة وزبد التنصير / عبد الحميد عبدوس

كالجمر تحت الرماد تستعر بين الفينة والأخرى في قلب الأحداث تداعيات الحركة التنصيرية في الجزائر، …