الرئيسية | العالم الإسلامي | ماذا يحدث للعالم الإسلامي؟

ماذا يحدث للعالم الإسلامي؟

افتتاحية

ماذا يحدث للعالم الإسلامي؟

لا يمر يوم حتى يقع زلزال يهزّ جزءا من هذا العالم الإسلامي الـمتأزم، المستضعف، زلزال يوهن عظمه، ويذل كرامته، ويحبط آماله وطموحه، من تحالف الغرب ضد أفغانستان بقيادة أمريكا خذلانا لمن دفع عنه الاتحاد السوفياتي وأخرجه من أفغانستان، وتنكيلا بالشعب الأفغاني، وتفكيك أواصره، ثم الهجوم على العراق بتحالف الأمريكان وبريطانيا، وهدم دولته، بدعوى كاذبة، وبخداع واضح، ومزاعم ثبت بطلانها واصطناعها، وها أنّا نرى كيف هدّمت سوريا وانمحت معالم حضارة مدنها العريقة، وشرد شعبها، وسفكت دماء أطفاله ونسائه وشيوخه، وتعرض لتشتيت رهيب، وتخريب عجيب، ودخل الحلف الأطلسي بغير حق ولا قانون لتخريب ليبيا، وزلزلة قوام شعبها، وأرضها.

ونرى هذه الأيام كيف وجّه ترمب تهديده لتركيا بعد أن هدد إيران وكوريا الشمالية وعاقب روسيا، والغريب أنه يهدد حليفه القوي بدعوى الإقامة الجبرية لقسيس متهم بالعدوان على أمن تركيا، والتحالف مع الحزب الكردي الذي تؤيده أمريكا ذاتها ضد أمن تركيا، فبدأ التهديد بنائب ترمب وهو المسيحي الصهيوني المتطرف ثم أعقبه الرئيس نفسه متوعدا مهددا بالعقاب وتخريب اقتصاد تركيا.

وتوهّم المدّ الغربي العسكري أنه أضحى بلا كوابح ولا ضوابط، وأن الغرور بالقوة والثروة والأجهزة العسكرية يتيح لهم أن يأمروا فيطاعوا، إنهم تعودوا ذلك عند العرب، ولكن إيران، وتركيا الحالية تأبى أن تكون مأمورة، وتعتزّ بسيادتها وكرامتها، ولا تخضع للتهديد، فقد اعتاد الغرب اجتياح ديار المسلمين دون عائق.

لكن المسلمين اليوم بدأوا يتحركون بعد أن شعروا بهذه المظالم الغربية التي لا تتوقف منذ الحروب الصليبية، إلى الحروب الاستعمارية، إلى الثورات عليه في مختلف أرجاء العالم الإسلامي للتحرر منه، ولكنه ما يزال يخطط لتقسيمه ونهب ثرواته واحتلال مواقع استراتيجية من البحر الأحمر، والخليج الذي تسبح فيه قواته وأساطيله، ولحقت اليوم بالغرب روسيا، واتخذت لنفسها مواقع استراتيجية بقوة عسكرية، دعيت لزيادة تخريب مدن سوريا، وقتل شعبها وتشريده.

وسرى خطاب بعض السياسيين والكتّاب الغربيين من النخب الأوربية لإعاقة أي سبيل في اتجاه ارتفاع تركيا المسلمة إلى مستوى يؤهلها لعضوية الاتحاد الأوربي، وأصبح الإسلام بعد الحرب الباردة العدو الألدّ للغرب، بعد الفراغ الذي كان يشغله الاتحاد السوفياتي.

وكتب Bowen John كتابه: “الإسلام العدو المثالي”l’Islam un ennemi ideal وكتب Moorthy “قهر الإسلام السياسي، الحرب الباردة الجديدة”، كما كتب Norman Podhores “الحرب العالمية الثالثة، الصراع الطويل ضد الإسلاموفاشية” the long strugle against Islamofascism  كما ظهر كتاب:”الإفلاس الأخلاقي للغرب” كتبه Roberts Paul Craig.

وأكبر دليل على فشل السياسة الغربية في الشرق الأوسط، هو امتناع الغرب عن انتقاد إسرائيل في سلوكها وتعنّتها، ولم يقع إنصاف الفلسطينيين، فالإنصاف عامل حاسم لوساطة نزيهة في الشرق الأوسط، وهو ما لم تقم به أمريكا ولا أوروبا لحد اليوم.

فما هي وجهة العالم الإسلامي للقيام بدوره بعد هذه الفوضى وعربدة الصهاينة في أرض فلسطين؟

إن أي محاولة للخروج عن تبعية الغرب تقابل بعرقلة تتخذ عدة وسائل، فلما جاءت تركيا بنظام جديد نظيف، وأخذ اقتصادها في النمو، بالقضاء على الفساد الذي انغمس فيه النظام العسكري الذي استبد بالبلاد، وخضع لأي إشارة غربية، فبقيت الدولة التركية في التخلف والتبعية، لم يعجب النظام الجديد للغرب سواء في ذلك أوروبا أو أمريكا، فقامت محاولة للقضاء على هذا النظام الجديد، وكان للغرب في ذلك دخل واضح للإطاحة بهذا النمو والاستقلال عنه، فدبروا له ما دبروا، ولكن الله أنقذ هذا النظام بفضله ثم بفضل الشعب التركي الذي وثق بنظامه، ودافع عنه بكل قوة، وبكل حبّ وولاء، فهل هذا القسيس المتهم بالجوسسة بلغ من القداسة إلى أن تهدد دولة حليفا بالعقاب الشديد، وتخريب اقتصادها، وفرض ضرائب جديدة عليها؟ هل أن وراء ذلك غرضاً دينياً مسيحياً؟ وهل أن كل دولة إسلامية تخطو خطوات في سبيل حريتها وقوتها ونهوضها، يحاول الغرب إعاقتها ليبقى العالم الإسلامي سوقا للغرب، وتحت وصايته؟

إن نبذ الخطاب الديني الذي يقوم به هؤلاء القادة، والتركيز على الشؤون الواقعية المادية وتقديم حلول للمشاكل الدنيوية، ليكون ذلك أساسا للنهضة العالمية، وهذا ما ذهب إليه رضا أصلان في كتابه: “كيف تكسب حربا كونية، الله، العولمة، نهاية الحرب على الإرهاب”، وذهب بوليت Richard W.Bulliet في كتابه: “الاحتجاج لفائدة حضارة إسلامية مسيحية”، إلى أن للإسلام والغرب جذورا مشتركة بالرغم من العداء الذي فرق بينهما، ويجب استبعاد عبارة “صراع الحضارات” من شأنه أن يساهم في إنشاء سلام دائم مع العالم الإسلامي، وبناء “حضارة إسلامية مسيحية” وقد دعا الأمير عبد القادر بأنه: “لو أصغى إليّ المسلمون والمسيحيون لأنهيت نزاعاتهم ولأصبحوا في المظهر والمخبر إخوانا”1.

ما يصيب تركيا اليوم، يمكن أن يصيب دولة أخرى لها أهميتها في العالم الإسلامي بما لها من تاريخ، والأزهر بقيمته الإسلامية الثقافية التي تشعر بها الأمة في جميع أوساطها، وهي التي يمكن أن تكون مؤهلة لأن تنهض في قلب العالم الإسلامي كما أشار إلى ذلك ابن باديس في رسالته إلى الشيخ الأكبر مصطفى المراغبي شيخ الأزهر.

ولكن مهندسو زلزلة العالم الإسلامي وتفكيكه للسيطرة عليه ترسم هذه الخطط وتدبرها في مخابر الدوائر الأجنبية، لتحقيق مصالح الدول الغربية، ودولة الصهاينة وإستراتيجية المحافظين الجدد التي طبعت السياسة الخارجية الأمريكية منذ عهد بوش.

ويذكر هؤلاء الصهاينة وأنصارهم أنه من المهم استرجاع سيناء، وتقسيم مصر وتقطيع أوصالها إلى مناطق جغرافية منفصلة، وهو مقصد سياسي إسرائيلي على الجبهة الغربية، وإنشاء دولة مسيحية قبطية في جنوب مصر، وعدد من الدويلات الواهية، ولم يتأخر هذا إلا بسبب اتفاقيات السلام لسنة 1979، والهدف هو الانقسام العسكري لهذه البلدان: سوريا، ومصر، والعراق، فسوريا تقسم إلى دويلات، دولة سنّية في دمشق، ودولة علوية شيعية، ودولة في حلب سنية، ودولة للدروز تمتد على حوران وشمال الأردن.

ويهم إسرائيل أكثر تفكيك العراق وتقسيمه إلى أعراق وطوائف، ودويلات في البصرة، وبغداد، والموصل، ومناطق شيعية في الجنوب، والأكراد في الشمال، وجماعات الخليج في رأيهم محدودة ليس لها أية قاعدة شعبية، ولا جيش يضمن الحماية، الكافية لهذه الأنظمة القائمة على الرمال. وأحداث مكة سنة 1980 خير دليل على عجزه عن الدفاع على النظام ضد أي تهديد داخلي أو خارجي، بالرغم مما يملكه من عتاد، ولابد من إنهاء النظام الأردني في هذه الخطة بنفي السكان من هذه المنطقة ليفهم العرب أنهم لا يعرفون وجودا ولا أمنا إلا بعد سيطرة اليهود من نهر الأردن إلى البحر، ولن يكون لهم أمن أو كيان خاص بهم إلا في الأردن2.

“فكل نزاع في العالم العربي يخدمنا على المدى القصير”. شعار استراجيتهم.

والنخب السياسية والفكرية العربية في غفلة محيرة، وبلا مبالاة لا تعقل، كما يقرر أمير نور3.

فماذا تنتظر النظم والشعوب الإسلامية بعد كل هذا؟ ألا تتفطن إلى هذه القوة الثقافية الواحدة التي تكمن في قلوب الأمة، أمة لا تقوم على العرق ولا على اللسان، وإنما قوامها فكرة وقيم إنسانية عظيمة؟ ومفهوم هذه الأمة يختلف عما يعبر عنه الغربيون بكلمة Nation إنها أمة فريدة في مفهومها وعمق الشعور بها لدى أفرادها، ودلت على ذلك قيامها جميعا ضد كاريكاتور الدانمارك ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا تقرأ ما كتبه مالك بن نبي في فكرة كومنولث إسلامي؟ وفي “فكرة الإفريقية الآسيوية” وفي دعوته لتغيير أوضاع العالم الإسلامي، وزحزحة قابليته للاستعمار أو الاستحمار كما يقول علي شريعتي قبل فوات الأوان.

إنها أمة قراءة وتوحيد ولكنها لا تقرأ حاضرها ومستقبلها، ولا تعنى بسبل الخلاص من التخلف والانقسام، ولا تستمع إلى من ينبّهها إلى الخطر، ويحذرها مما يؤول إليه أمرها إن لم تنفض عنها غبار العصور الخوالي من مواريث الخمود والركود، ألا نأخذ درسا من واقع اليوم في أنفسنا وغيرنا؟ لقد تغيرت عقلية الشعوب عما كانت عليه، يبقى تحريكها، وقيادتها قيادة رشيدة، بصيرة، وإبعاد كل من يزعم قيادتها قيادة عمياء إلى الهاوية، واستعدادها القوي، وحلم الوحدة ما يزال يراود الأمة فلتعمل على رفع مستواها إلى مستوى الحضارة لتنال احترام غيرها من الأمم.

المراجع

1- وذلك في كتابه: ذكرى العاقل وتنبيه الغافل، الذي ترجم إلى الفرنسية وحقّقته شخصيا، وطبع في الجزائر، وهو الذي أنقذ المسيحيين في الشام من العدوان عليهم، وحماهم، انظر: أمير نور، العالم العربي على موعد مع سايكس-بيكو جديد، عالم الأفكار، الجزائر2014، ص160.1

2- أمير نور، العالم العربي على موعد مع سايبس-بيكو. 2

3-  المرجع نفسه، ص92.3

عن المحرر

شاهد أيضاً

معنى العظمة الحقيقية للأمم.. “عيد ميلاد” سعيد سويسرا/محمد مصطفى

إنَّ الاهتمام بالمبادئ والشخصيات والمحطات التاريخية التي أسست نظماً ودولاً، بل وأمماً له من المعاني …