الرئيسية | قضايا و آراء | الحج في منظور الإمام نجم الدين المقدسي/ د. إبراهيم نويري

الحج في منظور الإمام نجم الدين المقدسي/ د. إبراهيم نويري

الحج من أعظمِ وأجلِّ شعائر الإسلام وأركانه وعباداته، وهو مرتبط من الناحية المكانية بالمشاعر المقدّسة وببيت الله العتيق، الذي شرّفه الله وعظّمه ونصبه جلّ شأنه مقصداً لعباده، وقد بلغ التحوّط في تعظيم شأنه جعل ما حوله حرماً له آمناً؛ ذلك أنّ تفخيم المقصد يقتضي شرف التحوّط والتحرّز، وفي ذلك عِبرٌ يدركها أهل النُّهى.

وفي هذه المساحة توضيح لمنظور الإمام المقدسي -رحمه الله- للحج، انطلاقا من كتابه:”مختصر منهاج القاصدين”؛ والإمام المقدسي هو نجم الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي الحنبلي(ت 689هـ)؛ وهو من أسرة علمية عريقة قدّمت الكثير للمكتبة الإسلامية والعلوم الشرعية.

في البدء نجد الإمام المقدسي يضع جملةً من المحدّدات والضوابط والإرشادات العامة التي ينبغي لكلّ مسلم يسعى لأداء هذا الركن الجليل مراعاتُها والعملُ بها، انطلاقاً من عدّة قواعد وأحكام شرعية وفقهية ثابتة ومقرّرة في الكتاب السنة، فيقول:” ينبغي لمن أراد الحجّ أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكلّ مَن تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، وأن يستصحب من المال الحلال ما يكفيه بذهابه ورجوعه من غير تقتير، ويستصحب ما يُصلحه كالسواك والمشط والمرآة والمكحلة..وينبغي أن يلتمس رفيقاً صالحاً محباً للخير معيناً عليه، إنْ نسيَ ذكّره، وإنْ ذكر أعانه، وإنْ ضاق صدره صبّره، وينبغي للمسافر تطييب الكلام، وإطعام الطعام، وإظهار محاسن الأخلاق، فإنّ السفر يُخرج خفايا الباطن، ومَنْ كان في السفر الذي هو مظنّة الضّجر حَسَنَ الخُلق، كان في الحضر أحْسَنَ خُلقاً. وقد قيل: إذا أَثْنَى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر، فلا تشكّوا في صلاحه”[ص46].

كما ينصح الإمام المقدسي المسلم الحاج أن يتجرّد لطاعة الله أثناء رحلة الحج من بدئها إلى منتهاها، إذْ من الأفضل بنظره أن يكون المقبل على الحج “خالياً من تجارة تشغل قلبه وتفرّق همّه، ليجتمع على طاعة الله تعالى، وأن يكون أشعث أغبر، غير مستكثر من الزينة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:” إنّ الله -عزّ وجلّ- يباهي بالحاج الملائكة فيقول: انظروا عبادي، أتوني شُعثاً غُبراً من كلّ فجّ عميق، أُشهدكم أني غفرتُ لهم”[ص47].

ولعلّ ما يلفت نظر القارئ والمطالع لمنظور الإمام المقدسي للحج، إيمانه برمزية مناسك هذا الركن الجليل، فهي تنطوي على دروس وعبر ودلالات كثيرة يستطيع العقل أن يدركها بإعمال مقدار من الفكر والتأمل الحصيف، فيقول: “واعلم أن في كلّ واحد من أفعال الحجّ تذكرة للمتذكّر، وعبرة للمعتبر، فمن ذلك: أن يتذكّر بتحصيل الزاد زاد الآخرة من الأعمال، وليحذر أن تكون أعماله فاسدة من الرياء فلا تنفعه، كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر، فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيّراً، فإذا فارق وطنه ودخل البادية وشهد تلك العقبات، فليتذكّر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من أهوال، ومن ذلك أن يتذكّر وقت إحرامه وتجرّده من ثيابه ولباسه لباس الإحرام لبسه كفنه، وأنه سيلقى ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا، وإذا لبّى فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى إذ قال {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}(الحج:27).. وليرجَ القبول وليخشَ عدم الإجابة”[ص48].

وما أروع ما ذهب إليه الإمام المقدسي من ضرورة ثقة الحاج في عفو الله وتغليبه لمنزع الرجاء في قبول العمل من منطلق أخلاق حسن الظن بالله تعالى، خاصة في مواضع الطاعة والإقبال على أداء ما أمر به جلّ شأنه، وذلك لما رواه البخاري ومسلم في الحديث القدسي الذي يقول الله فيه:( أنا عند ظن عبدي بي)..واستناداً لهذا المنظور فإنّ الحاج إذا وصل إلى الحرم “ينبغي أن يرجو الأمن من العقوبة، وأن يخشى أن لا يكون من أهل القُرب، غير أنه ينبغي أن يكون الرجاء لديه غالباً، لأنّ الكرم عميم، وحقّ الزائر مرعي، وذمام المستجير لا يضيع. ومن ذلك: إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته في قلبه، وشكر الله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه، وليستشعر عظمة الطواف به، ويعتقد عند استلام الحجر الأسود أنه مبايع لله على طاعته، ويضم إلى ذلك عزيمته على الوفاء بالبيعة، وليتذكّر بالتعلّق بأستار الكعبة لُجأ المذنب إلى سيده، أما الوقوف بعرفة فهو يذكّر بما نرى فيه من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم موقف القيامة، واجتماع الأمم في ذلك الموطن”[ص 48].

بمثل هذه الكلمات الإيمانية الرائقة الصافية، تحدّث الإمام المقدسي عن الحج وفضائله وآدابه، وعن العِبر والحِكم التي ينبغي للمسلم، أن يستلهمها من أركانه وشعائره وسُننه وفضائله، وهو منظور قمين بالتقدير يمكن الإفادة منه والاستئناس بمرئياته وأفكاره.

والله الموفق إلى كلّ خير.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الفنّ…ثغرة في مشروعنا(01)/ عبد العزيز كحيل

كلمة أولى: استقرّ رأي الراسخين من علماء الشريعة والدعاة الربانّيين العارفين على إباحة استعمال الوسائل …

2 تعليقان

  1. ماشاء الله، حفظك الله أستاذنا، وزادك من عنده نورا وعلما.

  2. ماشاء الله، حفظك الله أستاذنا، وزادك من عنده نورا وعلما.