الرئيسية | العالم الإسلامي | معنى العظمة الحقيقية للأمم.. “عيد ميلاد” سعيد سويسرا/محمد مصطفى

معنى العظمة الحقيقية للأمم.. “عيد ميلاد” سعيد سويسرا/محمد مصطفى

إنَّ الاهتمام بالمبادئ والشخصيات والمحطات التاريخية التي أسست نظماً ودولاً، بل وأمماً له من المعاني والدلالات الشيء الكثير في استنهاض الهمم وإحياء مناقب الأسلاف وما أنجزوه، بل فيه بعثاً وتتويجاً لماضي الأجداد الحافل بالخيرات والعبر التي بصمت التاريخ عند الشعوب المتحضرة، ومن باب الاعتراف التاريخي وجب التنويه بإنجازات الأقوام الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل تأسيس دولهم وفق دساتير تخدم البلاد والعباد.. دساتير تخدم الجميع حكاما ومحكومين وليس كما هو الحال – مع كل أسف- في عالمنا العربي تفصل الدساتير على مقاس مصالح وأحيانا أهواء الأشخاص أو العائلات أو الجهات المتحكمة، متناسين قانون التداول الحضاري البديهي بين الاجيال والأمم والحضارات، فما بالكم بالأشخاص، حتى قيل:” لو دامت لغيرك ماصلتك”.

من هذه الدول المتحضرة التي احتفلت بعيدها الوطني هذا الأسبوع دولة قوية وثرية، صغيرة الحجم كبيرة الشأن هي دولة سويسرا المحايدة، والتي تجمع على أرضها شعبا واحدا له لغات وثقافات وديانات متعددة وأحيانا متعارضة.

وبالنسبة للأعياد الوطنية في الغرب عموما أود أن أبدي ملاحظة مهمة.. فأنا وبالرغم من قراءاتي الواسعة المستمرة، ومتابعاتي المستمرة كذلك لوسائل الإعلام والبرامج الوثائقية، لم أر شعبا يعطي أهمية غير عادية ليومه الوطني، مثل بعض الشعوب الغربية خاصة في الدول الاسكندنافية وأيضا الشعب السويسري في السنوات الأخيرة فقط، لما صوت الشعب على يومه الوطني لكي يصبح يوم عطلة سنوية، لأنه قبل ذلك كان عامة الشعب وسياسيوه يرون أنه مادام الاحتفال يكون مساء أول أوت(أغسطس) فلا داعي ليوم كامل، إذ بات في السنوات الأخيرة اهتمامهم بالعيد الوطني يفوق بكثير احتفالهم واحتفاءهم بعيد الميلاد وعيد الجيران وغيرهما، مع أنه لم يعد احتفالا دينيا فقط، بل أصبح مناسبة اجتماعية واقتصادية بامتياز، تستقطب عموم الناس في العديد من المقاطعات، ومع ذلك فإنني لاحظت بأن اليوم الوطني يتفوق عليهم بكثير، لأنه يستقطب الجميع متدينين وغير متدينين، إذ لا تجد بيتا في عموم البلد لا يشارك أهله في هذه الاحتفالات التي تزداد شعبية مع مرور الزمن. إذ أضحى أول أوت(أغسطس) من كل سنة تكتسي فيه سويسرا كلها حلة جديدة بهيجة مؤثرة جدا، يتزين فيها الجميع بالملابس التقليدية الجميلة، وتعود فيها النساء إلى الملابس الأصلية الساترة الجميلة، ويعلو العلم الوطني كل شرفات المنازل، وتتوشح به صدور كل الناس بلا استثناء، وتغمر الفرحة نفوسهم، وتبدوا على وجوههم وفي هيئاتهم.

أو كما أخبرني أحد الكتاب“إن أول أغسطس (أوت) من كل سنة، يبدو غير طبيعي فعلا في كامل التراب السويسري، ولذلك ينتظره الجميع كل سنة، وتُغرس محبته وما فيه من معاني ميلاد دولة الحرية والعدالة والرفاهية الاجتماعية، التي يخدمها الجميع ويحميها الجميع، ويستمتع بخيراتها الجميع بلا تمييز”.رغم ذلك، يظل تاريخ أوّل أغسطس مثيراً للجدل من الناحية التاريخية في المدة الأخيرة خاصة، بحيث يُطالب السياسيون على نحو متزايد بأن يتم الاحتفال بالعيد الوطني يوم 12 سبتمبر، لأن في ذلك التاريخ، بدأ العمل بأول دستور فدرالي لسويسرا في عام 1848، أو أي تاريخ آخر يتفق عليه في غير فصل الصيف، لأن كل الناس يذهبون للعطلة في الصيف، مما جعل إحدى البرلمانيات تقول في شهر أوت توجد سويسرا كأرض لكن لا يوجد مواطنون سويسريون.

وكشاهد عيان، دعيت هذه السنة رسميا من طرف الحكومة السويسرية للحضور كضيف للاحتفال باليوم الوطني السويسري الذي يصادف الفاتح من شهر أوت (أغسطس)، والذي يشرف عليه كل سنة رئيس الدولة، بحضور السلك الديبلوماسي المعتمد وممثلي هيئات أممية ودولية ومحلية ومجتمع مدني، إلى ما هنالك.. طبعا الاحتفالات البلدية تقام في العديد من الجهات وتكون عموما مساءً!! إلاّ أنّ الاحتفال الرسمي الذي ينشطه الرئيس، يقع بعد الظهيرة في مكان خاص في وسط سويسرا، “بين الماء والهواء” كما يقال، أي على ضفاف بحيرة وعند سفح جبل، أما البحيرة فهي بحيرة لوتسرن بين أحضان الجبال، وتشتهر باسم بحيرة الأقاليم الأربع، إذ بعد مسيرة أربع ساعات تقريبا من جنيف بالقطار السريع العابر للمدن، وصلنا مدينة لوتسارن، ومنها إلى مكان الاحتفال المسمى مرج أو ضيعة “روتلي”، وهي على بعد 10 دقائق مشياً على الأقدام من محطة قرية برونن، بعدها، بدأت مراسيم استقبال الضيوف وإجراءات المرور للعبور على متن باخرة فارهة للضفة الأخرى، أين تستقبلنا أهازيج محلية وخيم بها طاولات مشروبات باردة على حافة ساحة فسيحة معشوشبة.

إذ دشن فور وصولنا رئيس الدولة متحف “روتلي”، وبعد استراحة خفيفة تناول مشروبات باردة، انطلقت الأجواء الاحتفالية بالنشيد الوطني وبعض الأهازيج بلغاتهم الوطنية، أغلبها الألمانية اللغة الرسمية الأولى طبعا.. بعدها أعطيت الكلمة للرئيس آلان بيرسي، الذي رحب بالجميع من منصة أعدت خصيصا لذلك، والقى خطابا بثلاث لغات وطنية فصيحة، طبعا في كل لغة يستعمل أسلوب وأدوات اللغة الخاصة بها أي ليست ترجمة حرفية للخطاب، حيث ذكر رئيس الاتحاد الكونفدرالي السويسري بأهمية التوصل إلى حل وسط للاختلافات السياسية لإنجاح المشاريع الواعدة، معرجا على ملفات التقاعد المبكر والنظام الصحي أنهما يحتاجان إلى تنازلات من الجميع، كما أشار إلى أهمية تكافؤ الفرص للنجاح الاقتصادي للبلاد. وأشار أيضا إلى أن الشركات التي تمنح الجميع فرصًا جيدة للتدريب والتشغيل، وتحدث أيضا عن العلاقات الخارجية لسويسرا، كبلد صغير، يجب أن يكون قادراً على الاستمرار في الاعتماد على القواعد والنظم الدولية، مذكراً بأنَّه على الرغم من مشاكل اليورو والبطالة والهجرة الوافدة، إلاّ أنّ الوضع في أوروبا نادراً ما كان تاريخياً على هذا النحو.بعدها بدأ مرطون الكلمات لشخصيات أخرى، مع ترجمات فورية و بلغة الإشارة!!

والغريب بالنسبة لي أن ينزل رئيس دولة من المنصة ويجلس أرضا على العشب مع أفراد شعبه من مختلف الأعمار ويستمع بإمعان باقي التدخلات ويصفق مع الشعب، دون بروتوكولات وهمية ودون حراسة مشددة ولا أسلاك أمنية مبالغ فيها ومكشوفة صارخة مثل ما هو الحال عند بعض دولنا.. فتبادرت لذهني، مقولة، (عَدَلت فأمِنْت فنِمْت ياعمر)، فحكيت لأحد مرافقي، قصة مبعوث ملك الفرس لسيدنا عمر بن الخطاب، لما دخل المدينة وسأل أهلها، أين ملككم؟ فأجابوه: “ليس لدينا ملك بل لنا أمير، وقد ذهب إلى ظاهر المدينة”، فذهب الرسول في طلب سيدنا عمر فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل، وقد وضع عصاه كالوسادة والعرق يتصبب من جبينه، فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال: “رجل تهابه جميع الملوك وتكون هذه حاله !! ولكنك عَدَلت فأمِنْت فنِمْت ياعمر !!”.

وقلت له: “تواضع الحكام هذا بعيد عن كل كبر، هو عين الحكم الراشد، وهو من خصال كبار القوم وصناع التاريخ”، والاختلاط بالناس على تنوعهم من شيم الشرفاء الأنقياء، وهو ما قلته حرفيا لبعض الحاضرين وهو الأنموذج الذي علق عليه في إطار آخر، المفكر سيد قطب في رسالة لأخته من أروع ما كتب -رحمه الله-، حيث كتب لها يقول: “حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحا، أو أطيب منهم قلبا، أو أرحب منهم نفسا أو أذكى منهم عقلا لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا.. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبيل وأقلها مؤونة!“..” إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع! إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقا، إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية!“، أو كما جاء في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمنُ الذي يُخَالِطُ الناسَ ويَصْبِرُ على أَذَاهُمْ، خيرٌ مِنَ الذي لا يُخَالِطُ الناسَ، ولا يَصْبِرُ على أَذَاهُمْ).

وللتاريخ نقول أن سويسرا بلد قام على أساس احترام الأقليات وعلى الديمقراطية المباشرة؛ التي أدّت في نهاية المطاف إلى نظام فدرالي يضم 26 إقليمٍ أو كما تُعرف بالـ “كانتون”، تلتقي على التواؤم والتضامن فيما بينها، ورغم أنها تختلف فيما بينها بالهوية إلا أن المصلحة المشتركة تجمعها. مما جعل أحد الديبلوماسيين المنصفين يقول لحكام أوروبا: ” أنه ليس أمام الاتحاد الأوروبي إذا أراد النجاح إلا أن يعتمد التجربة السويسرية. فثمة تماثل بين الفدرالية السويسرية والاتحاد الأوروبي فيما عدا الشأن المالي والدِّفاع والسياسة الخارجية”، رغم أن سويسرا الحديثة تشكّلت عام 1848، لا توجد بها لغة رسمية واحدة، بل هناك أربع لغات، ولا توجد ثقافة واحدة، بل هناك عدة ثقافات متنوعة وغنية ومتناقضة فيما بينها”.

فالمجتمعات الدستورية هي المجتمعات المتحضرة فعلا، والمجتمعات التي تتعزز فيها الروح الوطنية الحقيقية، والمجتمعات القادرة على تحقيق نهضتها الحضارية. لأن الجميع فيها يشعرون بآثار ذلك على حياتهم وأمنهم وحريتهم وحقوقهم الإنسانية والاجتماعية. وهل هناك أعظم من نعمة الأمن والحرية والتمتع بالحقوق الآدمية والعيش الكريم. وممارسة الشعائر الدينية بكل حرية، بل والدعوة إلى الإسلام بكل حرية كذلك.

ولكني في الوقت نفسه أشعر بالحزن عندما أتذكر موقفنا نحن من أعيادنا الوطنية التي أخشى أن تكون قد أصبحت غير معروفة عند الأجيال الجديدة، أو غير معروفة مناسباتها ودلالاتها الوطنية. لقد نسينا بسرعة غريبة مناسباتنا الوطنية العظيمة، وتركناها للسمسرة السياسية في جل دولنا العربية، حتى تقلص إشعاعها في نفوسنا وفي واقعنا، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الموت الاجتماعي! ولو أن شعبا في التاريخ الحديث قاد مقاومة وثورة مستمرة لمدة 132 سنة، واستعصى فيها على الموت الحضاري، وخرج منتصرا، كما فعل المجتمع الجزائري، لأمدته بطاقة نفسية وروحية متجددة وملهمة لقرون قادمة، ولحولها إلى نهضة حضارية حقيقية، تحرر له مكانة مرموقة على خريطة المدافعة والمداولة الحضارية المعاصرة.

كيف لا تتأثر بمثل تجربة المجتمع السويسري مع عيده الوطني، وكيف لا تحترمه ولا تُكبر فيه هذه الوطنية المتأججة، ولا تحاول أن تتطلع إلى الاستفادة من الأسباب والعوامل والشروط التي أوصلتهم إلى هذا المستوى من الوفاء والاعتزاز والعطاء لوطنهم!.

فعلا، إنها مناسبة تثير الإعجاب وتستحق الاهتمام خاصة وأن سويسرا لسنوات طويلة تصنف ضمن مجموعة الدول الأكثر تمتعا بضمانات الرفاهية الاجتماعية وحقوق الإنسان وتعد أكثر الدول أمنا ورخاء، هي التي كانت في الخمسينات دولة متوسطة الحال، فأصبحت اليوم مضرب الامثال بعد تضحيات رجالها ونسائها..

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا يحدث للعالم الإسلامي؟

افتتاحية ماذا يحدث للعالم الإسلامي؟ لا يمر يوم حتى يقع زلزال يهزّ جزءا من هذا …