الرئيسية | أعلام | سبيل الهداية وسبل الغواية/د. عبد الحليم قابة

سبيل الهداية وسبل الغواية/د. عبد الحليم قابة

اقتضت حكمة الله أن يكون في الكون أعداء لأنبيائه ودينه لتتحقق سنة الابتلاء وهي سنة كونية منصوص عليها في القرآن الكريم، لقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}[الأنعام:112]، ولا يختلف اثنان في أمر من يطعن في الإسلام صراحة ويصد الناس عنه بوضوح، من أعداء الله الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، لأن ضلالهم واضح لمخالفتهم الصريحة للقرآن{وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً}[الإسراء:105]، لكن الذي قد لا ينتبه الناس إلى أنه صنف من أعداء الله – ولعله أخطر أحيانا- على الإسلام والمسلمين من هؤلاء المذكورين- أنواع ثلاثة لابد من ذكرهم ليحاسب الإنسان نفسه لعله منهم أو من المفتونين بهم فيتوب إلى الله قبل فوات الأوان، أولهم: الكفار المنافقون الذين يظهرون لنا الولاء وهم يُكِنّون العداء، والذين قد يعلن بعضهم الإسلام لنثق فيه ونمكنه من خصوصياتنا فيطعننا من الخلف، كما حصل في التاريخ مرارا للأسف الشديد، فهؤلاء ينبغي الحذر منهم والاحتياط في التعامل معهم.

ثانيهم: الجهّال من أدعياء العلم، والمتكلمين باسم الإسلام، وهم ممن ينقصهم التخلق بأخلاق الإسلام وحسن الفهم له، وينقصهم الإدراك لمراتب الأعمال فيه والإطلاع على ضوابط العلم وأصوله، فيخبطون خبط عشواء ويقدمون للناس – بسبب سوء فهمهم وفساد مسالكهم – إسلاما مشوها ينفر منه عقلاء الناس وأسوياؤهم قبل غيرهم، فهؤلاء يُعرض عنهم، وُيعلّم الناس أن يحتاطوا لدينهم كما يحتاطون لدنياهم. وثالثهم: وهم أخطرهم، قوم غرتهم شهاداتهم وبعض مطالعاتهم، ونما في نفوسهم الغرور وحب الشهرة وحب الظهور، وقد يكونون ممن ابتلي بمعاملة سيئة من بعض المسلمين أورثت لديهم ردة فعل نفسية وفكرية مهلكة، أو ممن فتنوا بثقافة الآخر الغالبة في عصرنا الحاضر، فصاروا ينَظّرون للتمرد على ثوابت الأمة وقطعيات دينها باسم التجديد وحسن الفهم وتحكيم العقل، مع نفَس الاحتقار لفقهاء الأمة وعلمائها عبر التاريخ، بحجة عدم التقديس، فكان أول أثر لكلامهم عند من فُتن بهم – ليس الإنصاف وحسن الانتقاء كما يزعمون – بل الازدراء لحضارة أمة بأكملها والزهد في تراث عظيم لم تشهد البشرية له نظيرا، باعتراف المتخصصين من الشرق والغرب، وليس باعتراف من يبحث فقط على السقطات الفردية ليحكم من خلالها على أجيال بأكملها، بل على دين الإسلام كما فهمه علماؤهم وعقلاؤهم وأذكياؤهم. وإنك -أيها المنصف- واجد عند جل هؤلاء، بل جميعهم قواسم مشتركة ألخص لك جوامعها في نقاط:

1- ادعاء الفهم والتجديد في الخطاب وجعل مخالفة جمهور الأمة وعلمائها لهم دليلا على صواب مسلكهم استدلالا بما حصل للأنبياء، وهو قياس مع الفارق في الداعي والمدعو والموضوع، كما لا يخفى.

2-  نفَس الاحتقار والازدراء لجهود الأمة وتراثها، بما لا يفعله العدو مع عدوه، وهم والله وأنت تقرأ لهم تحس بأنهم خونة باعوا دينهم لغيرهم وصاروا يدافعون عن الغرب كما دافع خونة الأمة على الاستعمار أيام صولاته وطغيانه، ويزين لهم الشيطان ما يبررون به ذلك طبعا.

3 – تكرار مقولات المشتشرقين وغيرهم من الطاعنين في الدين عبر التاريخ، كما قال الله تعالى:{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118]، ولابد من استثناء علماء أفاضل قد يُظنّ أنهم مقصودون للتوافق في بعض المقولات التي خالفوا فيها الصواب، والضابط المميِّز هو أنك تحس أن هؤلاء العلماء متخندقون مع الأمة ينصرونها ويدافعون عنها مع تصحيح الأخطاء بأدب واحترام لعلماء الأمة، في حين أنك تحس وأنت تقرأ لهؤلاء الضحايا أنهم متخندقون مع الأعداء ضد أمتهم التي هم جزء منها. نسأل الله الهداية والثبات على الحق، فهؤلاء أنصحكم بأن كل من وجدتم هذه المواصفات في كلامه أن لا تأخذوا منه العلم، لأنه ليس مؤتمنا عليه .”إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم” وأنصحكم بالتريث والتثبت فيما فيه مخالفة لجمهور الأمة، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على الضلال، من شذ شذ في النار، والعياذ بالله وأختم بالتنبيه إلى أنه لا سبيل للسلامة من الغواية الفكرية إلا بحسن الالتجاء إلى من بيده العقول والقلوب.

سئلت عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها: بأيِّ شيءٍ كان نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يفتتحُ صلاتَه إذا قام من الليلِ؟ قالت: كان إذا قام من الليلِ افتتح صلاتَه: “اللهمَّ ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ. فاطرَ السماواتِ والأرضِ. عالمَ الغيبِ والشهادةِ. أنت تحكم بين عبادِك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدِني لما اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنِك إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ”.

عن المحرر