الرئيسية | أقلام القراء | صناعة الرأي العام! علي حليتيم‎

صناعة الرأي العام! علي حليتيم‎

من الذي يصنع الرأي العام في العالم العربي وفي الجزائر؟ 

لا شك أن هناك دوائر عديدة تهتم بصناعة الرأي العام في الوطن العربي ودوائر أخرى تهتم بترصّده ومعرفة مساراته واتجاهاته والفاعلين فيه.

ولقد قال أحد السياسيين الجزائريين منذ أيام قليلة إن الشعب الجزائري “مقاوم للتغيير” وهو يعبر بذلك عن خيبة أمله من الشعب الجزائري الذي يرفض أن يُساق في دروب العلمنة والفرنسة والتبعية والتغريب من جهة، ويعبر من جهة أخرى عن عدم إدراكه أن صناعة الرأي العام عمل علمي شاق يقوم على الفهم والإدراك والتخطيط حسب القوانين الاجتماعية والنفسية وقوانين الاتصال وغيرها من المهارات.

لكن الرأي العام خرج ونحن على أبواب الويب 3 web عن السيطرة (بدأنا بالويب1 web حيث صاحب الويب هو المتحكم والباقي يتلقون فقط وقد غدا من الماضي ثم الويب 2 web أي أن المتلقي يشارك في صنع المضمون ويتفاعل مع المحتوى عن طريق المدونة والتأليف الحر wiki وتقنية RSS والشبكات الاجتماعية خاصة ونحن مقبلون على الويب 3 web القادم عن طريق تطبيقات الهواتف الذكية والآلات الذكية وهو عصر الويب الدلالي semantic  حيث يبلغ الذكاء الاصطناعي أقصى مداه ويتحول التفاعل إلى اعتماد كلي!)، ومضى الزمن الذي كان الزعيم يقول القول فتؤمن به الجماهير دون شك أو ريب، ولم تعد لوسائل الإعلام الثقيلة ذلك الدور الحصري الذي كان لها منذ عقد من الزمان، بلإان بعض الخبراء ليتوقعون لها أياما أسوأ من هذا بكثير (هناك ثلاثة سيناريوهات متوقعة للسمعي البصري: الاستمرارية بمعنى أن يبقى الحال على ما هو عليه في فضاء أكثر تقنية في المستقبل، أو الانكسار وهو فقدان السمعي البصري التقليدي مبررات استمراريته المادية والوظيفية، أو التكافل symbiose  في صيغة تعايشية مع المنصات الحديثة يتخلى بموجبها القطاع التقليدي عن هيمنته ويبقى له دور ما) وخاصة ونحن نعيش في ظرف تسارعت فيه الأحداث بشكل غير مسبوق حتى قال أحد الفلاسفة إن التغيير الذي حصل في الثلاثين سنة الماضية أهم من التغيير الذي حصل في الثلاثة آلاف سنة التي قبلها وحتى قال أحد الفلاسفة إننا نشعر أننا مدفوعون من الخلف نحو مستقبل لا نعرف عنه شيئا كثيرا.

وصناعة الرأي العام عملية معقدة وصعبة جدا تحتاج إلى مراكز وإحصائيات، وتحتاج إلى مراكز سلطة وهي الحكومة ( أو غيرها من مواقع القوة) وتحتاج إلى صناع قرار وهم الرموز الذين لهم القدرة على التأثير في الجماهير وحملها على تبني اتجاهات جديدة في الرأي العام.

وفي الصورة المثلى لتغيير الرأي العام في العالم العربي تقوم مراكز القرار بإرسال بالون اختبار (شائعة، تصريح غير رسمي، إعلان عن بداية التفكير في مشروع ما…) يختبر به القادة مدى استعداد الجماهير للقبول بأمر ما، فإذا كانت ردة الفعل سلبية يعلن مركز القرار أن ذلك الأمر مجرد إشاعة ويتم تكذيبه بطريقة ما ( الإعلان أن حذف البسملة من الكتب المدرسية مجرد خطأ مطبعي  مثلا)، وإذا كانت ردة الفعل باهتة فإن صاحب القرار يتبنى ذلك الأمر رسميا ويمضي فيه ( زيارة وفود خليجية غير رسمية لإسرائيل تمهيدا لإعلان التطبيع في حالة سكوت الجماهير وتعوّدها على الزيارات التمهيدية).

وفي صورة أخرى يقوم القادة بإعلان أمر ما واقتراح حل له ثم يقوم الخبراء بمناقشته وتحليله من كل جوانبه ( لاحظ أن الخبراء يتأثرون غالبا بالإشاعات واتجاهات السلطة) ثم ينزل الأمر إلى الجماهير فيزحزها بشكل ما عن قناعاتها القديمة ( إعلان ترامب عن صفقة القرن ثم مناقشات كثيرة جدا من الخبراء ثم جدل جماهيري لا ينتهي حول ماهية الصفقة ثم ردود فعل باهتة عندما بدأت الصفقة فعلا بالتنفيذ ممثلة في خطوتين حاسمتين: الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني وإعلان يهودية إسرائيل فأصبح الفلسطينيون بين عشية وضحاها لاجئين على أرضهم!

وهكذا نرى أن صناعة الرأي العام عملية إعلامية تواصلية بحتة وما القرارات التي تأتي بعدها إلا تحصيل حاصل لذلك العمل التحضيري الإعلامي الذي يضمن مرور القرار الذي يكون عادة حاسما ومخالفا لاتجاهات الأحداث أو لموازين القوى أو للنظم والمواثيق والأعراف السائدة.

عندما صدر قرار إقالة الرئيس المصري محمد مرسي لم يكن ذلك القرار لينجح لولا العمل الكبير الذي قام به الإعلام المصري وأحزاب المعارضة وحركة تمرد والأقباط والمثقفون العلمانيون من كل التخصصات الذين أقنعوا الرأي العام أن تدخل الجيش( الذي هو سبب كل أزمات مصر منذ استلم السلطة بعد انقلاب 1953 وعليه قامت ثورة 25 جانفي) هو الحل الأنسب لحالة الانسداد الذي وصلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر.

والعبرة من هذا أن تدرك أنك إذا رأيت مجموعة من الإعلاميين أو الخبراء يتكلمون في موضوع واحد في وقت واحد فاعلم أن جهة ما هي التي أوعزت إليهم بذلك!

ما الفائدة من هذا العرض؟

من يملك الإعلام يملك الرأي العام، ومن يصنع الإطار يحصل على النتيجة!

أما عن الإعلام فإن الجماهير غدت تملك وتتحكم في إعلامها ومصادر أخبارها ولذلك نلاحظ في الحالة الجزائرية مثلا أن تأثير الإعلام الفرنسي على الرأي العام الوطني أصبح ضعيفا في عصر الإنترنيت أو شبه معدوم.

من يصنع الإطار ويبادر بصنع الحدث ويحصل على السبق يحصل على النتيجة!

وحين نتحدث عن المبادرة فهذا لا يعني بالضرورة مشروعا ثقيلا طويل أمد التحضير، قد تكون المبادرة برسالة أو تصريح أو حتى بردة فعل شرط أن تتحول هي إلى حدث وتصبح هي حديث الناس وينسى الناس أنها كانت ردة فعل على حدث سابق (مبادرة سكان ورقلة الأخيرة مثلا ).

ويبقى على من يفكر في موضوع الرأي العام أو يريد أن يصبح من صنّاعه أن يعلم أن الأحداث والأزمات والمشكلات هي الظروف الأنسب لصناعة رأي عام جديد، وعليه أن يعلم أن الناس يتحركون حسب حاجاتهم وفق سلالم الحاجات الإنسانية المعروفة وتتدرج من الحاجات الفسيولوجية كالطعام إلى حاجات التقدير واحترام الذات مرورا بحاجات الأمن والسلامة والحاجات الاجتماعية والعلاقات، ويصعب غالبا على الجماهير التي لم تتحقق حاجاتها الدنيا أن تطلب حاجاتها الأعلى ولذلك كان نظام مبارك في مصر مثلا يسير وفق خطة “تفقير الفقراء” حتى لا يطالبوا بما هو أعلى من الخبز وكان يلعب كثيرا على وتر الأمن والسلامة حتى رفع المصري الغلابة شعار:” امش جوة الحيط ” يعني داخل الحائط! حتى يكتفي الناس بالأمن ولا يطالبون بالحرية والكرامة!

آن للمتدينين أن يفهموا ميكانيزمات صنع الرأي العام حتى نعيد الأمور إلى نصابها ونبرز رأي الشعوب المسلمة المطموس والمشوّه والقليل التأثير في القرار الوطني، وآن لهم أن يدركوا أن الناس على دين إعلامهم ومن يملك الإعلام فقد ملك كل شيء، وآن لهم أن ينتقلوا من ردود الأفعال إلى المبادرات وصنع الحدث وتسطير البرامج والخطط التي تبعث في الأمة الجزائرية رأيا عاما وطنيا أصيلا متأصلا يدفعها نحو استئناف نهضتها واكتساب قوتها من جديد في زمن أصبحت القوة هي الوسيلة الوحيدة للخطاب والإقناع.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د. إبراهيم نويري ــــ باحث أكاديمي

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …