الرئيسية | حوار | الدكتورة والإعلامية دليلة عامر في حوار مع جريدة البصائر: حاورتها: فاطمة طاهي

الدكتورة والإعلامية دليلة عامر في حوار مع جريدة البصائر: حاورتها: فاطمة طاهي

 – غياب التكوين والاستثمار في الإعلام التربوي أفقد الفعالية والتأثير في صناعة الطفل.

– “اللغة العربية الفصحى أساسية في الإعلام الموجه للطفل”.

– “رسوم كرتونية تحمل رسائل خفية تهدد العقيدة وتقضي على هوية الطفل”.

وقفت الإعلامية دليلة عامر في حوار خصت به جريدة “البصائر”، على العديد من النقاط الهامة الخاصة باللغة العربية الفصحى، وهي  أساسية في الإعلام الموجه للطفل مشهد الإعلام التربوي في الجزائر، انطلاقا من أهميته ومدى مساهمته في تكوين الطفل إلى الحديث عن واقع التناول الإعلامي والمعالجة الإعلامية لبرامج الأطفال في الجزائر، مشيرة إلى ضرورة تكوين كوادر متخصصة في مجال الطفل من أجل إنتاج مادة إعلامية بديلة تحمل في طياتها قيم ديننا الحنيف وسلوكيات مجتمعنا العربي والإسلامي، داعية في هذا الصدد الشركات وأصحاب رؤوس الأموال إلى الاستثمار في مجال إعلام الطفل من أجل صناعة أجيال يعول عليها مستقبلا، كما عرجت الدكتورة على بعض الشوائب الإعلامية الكرتونية التي أضحت تشكل خطرا على أخلاق وسلوك أطفالنا، وتحمل أفكارا مستوردة ودخيلة على مجتمعنا، مع تأكيدها على وجود إعلام حاضر ومبادرات تسعى لتطوير الإعلام التربوي في بلادنا.

في البداية دكتورة لو تقدمي للقراء نبذة عن شخصكم الكريم؟

الدكتورة دليلة عامر، أستاذة في كلية علوم الإعلام والاتصال، بجامعة الجزائر 3، متحصلة على شهادة الدكتوراه في الإعلام والاتصال، تخصص الإعلام التربوي، معدة ومشرفة على برنامج للأطفال بإذاعة القرآن الكريم “كنوز وسبل”، مهتمة بالطفل وبالأعلام الموجه للطفل. بحكم تخصصكم في الإعلام التربوي، اليوم ماذا يحتاج الطفل من الإعلام؟

نريد أن نربي ونعلم الطفل أول شيء، لأن الطفل هو في مرحلة تكوين ونمو، والشيء الأساسي بالنسبة لي هو التربية، علينا أن نربي أطفالنا تربية صحيحة التي أساسها القيم والتي يمكننا من خلالها أن نعول عليه مستقبلا، لينهض بهذه الأمة، وبحكم تجربتي في الإعلام التربوي بإذاعة القرآن الكريم من خلال برنامج “كنوز وسبل”، أهدف إلى تأسيس الطفل إن صح القول بطريقة صحيحة وبقيم سليمة تجنبه الرضوخ للآفات الاجتماعية، وحتى يتكون لنا إنسان ذو أخلاق عالية وعليه أمة ذات أخلاق عالية.

كيف يساهم الإعلام التربوي في دراسة وضعية الطفل؟

نعلم جميعا أن الطفل يتلقى تربيته من الأسرة أولا، ثم ينطلق إلى المدرسة والمسجد والأصدقاء في الشارع وغير ذلك، وبالتالي الطفل يتلقى التربية من هذه المصادر كلها، وأيضا يتلقى الكثير من الإعلام، وبهذا نريد من الطفل الذي له علاقة بالإعلام خاصة مع التطور السريع الذي تشهده التكنولوجيات الحديثة، نريد توجيهه إلى الوجهة الصحيحة، وذلك من خلال استماعه إلى كل ما يساهم في تربيته وإلى كل ما يثقفه أو يزيد في ثقافته وفي تعليمه، فأغلب الأطفال لا يميلون إلى التربية المباشرة والى الأوامر المباشرة من الأب والأم، كما أنه لا يميل أيضا إلى التعليم المباشر من طرف المعلم، ولهذا لما يكون التعليم أو التربية بطريقة غير مباشرة عن طريق الإعلام بقالب ترفيهي وفكاهي وبالاستماع إلى الأناشيد، أكيد سيميل إليها الطفل وسيستمع إليها ويتعلم منها الكثير.

إن الإنتاج الإعلامي للطفل في الجزائر ضئيل نوعا ما، لماذا دكتورة؟

نعم، ودائما أنا أتحدث عن هذا الإشكال، بأن البرامج الموجهة للطفل قليلة يجب الاهتمام بها أكثر، كما يجب أن يكون الذي يشتغل على برامج الأطفال مختصا في مجال الطفل، حتى يقدم شيئا مفيدا وبناء للطفل، البرامج الموجهة للطفل معظمها تقليدية، لأنه كما أسلفت عن الذي يعمل في مجال الطفل ليس مختصا ومتكونا، نجدهم يستقبلون الأطفال ويتكلمون معهم عن أمور بديهية وتقليدية، لكن في الحقيقة إعلام الطفل يجب أن يكون لهدف معين، أتكلم مع الطفل لهدف، يعني أريد من خلال حديثي معه أن أوصله رسالة معينة، فلابد أن نخرج أولا من هذه البرامج التقليدية حول الطفل، فإذا كانت المادة لا تجذب الطفل أكيد لن يهتم بها، فيجب علينا من خلال إعلامنا أن نعمل من أجل جذب هذا الطفل حتى نقدم له ما يفيده.

دكتورة دليلة عامر، قلتم: يجب على الذي يشتغل على برامج الأطفال أن يكون مختصا، ألم يحن الوقت للجامعة الجزائرية بتكوين كوادر متخصصة في الإعلام التربوي؟

نعم وهذا ما قمنا به، كنت من بين الأساتذة والدكاترة الذين عرض عليهم الإشراف على تخصص جديد بكلية علوم الإعلام والاتصال وهو “الإعلام التربوي” كتخصص جديد في جامعة الجزائر3، بحكم مذكراتنا ورسائلنا في الماجستير والدكتوراه وكذلك لاهتمامنا بهذا المجال، كان عدد الطلبة لا يتجاوز 30 طالبا بحكم أن التخصص كان جديدا فكانوا متخوفين منه بعض الشيء، تخرجت الدفعة الأولى في العام الماضي، والدفعة الثانية هذا العام، وبقرار من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ألغي هذا التخصص لأسباب لا يمكننا الإجابة عنها متعلقة بالوزارة أو بأمور أخرى لا ندري، تأسفنا كثيرا لهذا القرار، كان الهدف منه تكوين كوادر من الطلبة مختصين في الإعلام التربوي، للأسف كانت مدة التجربة قصيرة جدا، تمثلت في دفعتين للماستر فقط، كنا نطمح أن يكمل مسيرته ويتطور وتتخرج فيه دفعات وكوادر مختصة في هذا المجال، لكن أجهض في المهد إن صح التعبير، نأمل في المستقبل إن شاء الله أن يكون فيه تفكير آخر في هذا المجال، حتى تتخرج كوادر مهتمة بالطفل ومهتمة بالكتابة للطفل، وحتى يكون ما نقدمه للطفل علمي ومؤسس بأساس متين ليس مثل هذه البرامج الاعتباطية، وبالنسبة لي البرامج غير المخططة هي برامج فوضوية لم ترتكز على أساس جيد ومتين.

من أجل النهوض بالإعلام التربوي في الجزائر، هل يستدعي ذلك تنسيقا بينكم كإعلاميين متخصصين في هذا المجال وبين وزارة التربية والتعليم؟

أكيد يجب تضافر الجهود وإشراك كل الأطراف، والأمر بطبيعة الحال ينطلق من المسؤولين، فمعد البرنامج يقترح، ولكن المسؤول والهيئة القائمة التي نعمل تحتها هي التي تبادر بهذا الشيء، نحن نقدم الاقتراحات ونقدم الأفكار، ونأمل في المستقبل خيرا إن شاء الله بأن يكون فيه اهتمام أكثر، والحمد لله إذاعة القرآن الكريم مهتمة بالطفل وهذا ما يشجعنا ويدفعنا إن شاء الله أن نأتي دائما بالجديد وأن نقترح أفكارا جديدة، ولم لا تكون فيه هيئة خاصة ببرامج الأطفال، ولم لا أيضا يكون فيه عمل مشترك وتخطيط مع وزارة التربية حتى نتعامل معا، فالتعليم عن طريق الإعلام يكون بأسلوب وبطريقة تختلف عن المدرسة، فالمعلم في القسم يقدم المادة إلقاء، أما في التلفزيون أو الإذاعة توجد المعينات الفنية من مؤثرات الصوت والصورة، كل هذه الأمور الفنية هي التي تعين الطفل أكثر في الفهم والاستيعاب.

حدثينا دكتورة عن تجربتك في الإعلام التربوي من خلال برنامجك “كنوز وسبل” لإذاعة القرآن الكرم؟

بدأنا في برنامج “كنوز وسبل” في 2015، أين كان موجها للكبار، هو برنامج تربوي عن الأطفال لكن كان موجها للكبار أي  الأولياء والمربين، وبعد الشبكة البرامجية لتلك السنة، اقترحت علي إذاعة القرآن الكريم بحكم تخصصي في الإعلام التربوي أن أنجز برنامجا موجها للطفل، رحبت بالفكرة وبدأ البرنامج في 2016، هو برنامج تربوي تعليمي تثقيفي موجه للطفل، والجمهور المحدد والمستهدف لهذا البرنامج يتراوح ما بين 5 و6 سنوات إلى 12 و13 سنة، يتكون برنامج “كنوز وسبل” من أركان متعددة، ركن “حرف من كلمة” وقد تحدثنا من خلاله عن كل الحروف الأبجدية بدءا من الحرف “ا” إلى “ي”، بحيث نقترح كلمة تبدأ بذلك الحرف باستعمال أسلوب تمثيلي من قبل فريق البرنامج، لنوصل معلومات علمية متنوعة، عن شخصيات إسلامية وكذا عن مناطق وبلدان، حتى نمكن الطفل اكتساب الكثير من المعلومات عن الأشياء التي تحيط به، لأننا نريد بالدرجة الأولى أن نربط هذا الطفل بدينه ووطنه، وركن “اسمعونا” وهو عبارة عن روبورتاج قصير أو عبارة عن تسجيلات مع الأطفال في مواضيع مختلفة قد تكون مواكبة لمناسبات دينية أو وطنية، وأيضا عن مواضيع عامة تمس حياة الطفل في الأسرة، وحياته في المدرسة، فمثلا تحدثنا عن الغيرة بين الأطفال، وعن الكذب والغش وعن الكثير من المواضيع التي تمس الطفل وذلك أيضا عن طريق تسجيلات مع الأطفال، فالطفل يحبذ كثيرا أن يسمع لنظيره الطفل، فمن خلال تخصصي تمكنت من الوصول بأن الطفل يحب كثيرا الاستماع إلى الأطفال مثله أي يمكن أن يأخذ ويتعلم كثيرا من الطفل أكثر مما يأخذ من الكبار، إذن من خلال هذه التسجيلات نريد أ نوصل العديد من الرسائل لهؤلاء الأطفال حتى يقتدوا بالذين يستمعون إليهم، كذلك هناك ركن “قصص الأنبياء”، تطرقنا لجميع الأنبياء والرسل بدءا من سيدنا آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تحدثنا عن القصص باستخدام قالب فني، من خلال إدخال بعض المؤثرات الصوتية، وأيضا في البرنامج ركن “تجربتي”، نستضيف فيه أطفال لهم مواهب، والجزائر غنية بمواهب مخبأة، فمن خلال هذا الركن تعرفنا على الكثير من المواهب التي يتمتع بها لأطفال، وكذلك ركن “المسابقة” وهي عبارة عن أسئلة وأجوبة عامة وذلك بالتفاعل مباشرة مع الأطفال المستمعين الذي يشاركون باتصالاتهم، ثم وبعد أن أصبح البرنامج يبث على الهواء مباشرة  قمنا بإضافة أركان جديدة، “مغامرات صرصوره الشحرورة”، وهو ركن في قالب تمثيلي بأسلوب مشوق من أجل إيصال القيم والسلوكيات بإعطاء أمثلة من الحيوانات، فمثلا نتعلم الصبر من الجمل والوفاء من الكلب وأيضا عزة النفس من الأسد والمثابرة والعمل من النملة، كذلك ركن “جولة في بلادي” نقوم في كل عدد من هذا الركن بالحديث عن ولاية من ولايات الجزائر وذلك من خلال الاتصال كل مرة بطفل يمثل تلك الولاية، ليكون سفيرا لها ويحدثنا عن مناطقها ومعالمها وعن أعلامها.

هناك حديث عن مخاطر الرسوم الكرتونية التي تحمل ربما سلوكيات دخيلة عن مجتمعنا العربي الإسلامي، حدثينا دكتورة عن هذا الموضوع؟

الرسوم المتحركة بصفة عامة يشاهدها الكبار والصغار، وبطبيعة الحال هي موجهة للطفل، وإنتاج الرسوم المتحركة يأتي من البلدان الغربية، من خلال المؤسسات العالمية للرسوم المتحركة في اليابان أو في الولايات المتحدة الأمريكية أو في بعض الدول الأوربية، وهذه المؤسسات الإنتاجية العالمية المشهورة للرسوم المتحركة هي مؤسسات غير إسلامية، أكيد لديهم خبرة كبيرة في استعمال التقنيات في هذا المجال، ولديهم مدارس ومعاهد تكوّن من الناحية الفنية وكذا الإبداع من خلال تحريك الصور وتنسيق الألوان والإثارة، وللأسف الدول العربية الإسلامية تفتقد لمثل هذه المؤسسات ولمثل هذه المعاهد التي تعطي تقنيات كيفية رسم الرسوم المتحركة، كيفية تحريكها إلى غير ذلك، في الماضي كانت الرسوم المتحركة ترسم يدويا، فمثلا “وديزني” هذا العملاق إن صح التعبير، أنتج العديد من السلاسل الكرتونية “توم وجيري” وغيرها من السلاسل الكرتونية الأخرى، وقد وظف في هذه المؤسسة آلاف الرسامين الذين يقومون برسم هذه الرسوم المتحركة يدويا، وصرفت من أجلها أموالا طائلة لإنتاج رسوم متحركة، هذه الأخيرة التي لقيت رواجا كبيرا في العالم، وإلى يومنا هذا يشاهدها أطفالنا “توم وجيري، نقار الخشب”، وتحمل هذه الرسوم المتحركة في طياتها قصصا مضحكة ومثيرة للغاية وهذا ما يجذب الطفل، ولكن هل هذه البرامج الكرتونية تحتوي على القيم الإسلامية؟ وعلى عاداتنا وتقاليدنا؟ أكيد لا، الغرب هم من أنتجوا هذه البرامج الكرتونية، وبالتالي أكيد سوف يبث لنا أفكارا تتماشى مع دينهم وعقيدتهم، إذن هذه الأفكار وهذه السلوكيات تبث على شكل رسوم متحركة، في شكل سيناريو يشاهدها الطفل ويتحمس لها ويبقى جامدا أمام شاشة التلفاز، وفي اللاوعي أكيد سوف يخزن أفكارا وسلوكيات لا يشعر بها آنذاك ومع مرور الوقت سوف تتجسد في سلوكياته وفي أفكاره، إذن علينا أن لا نستهن بهذا الأمر إطلاقا، تبدو رسوم متحركة عادية تلهي الطفل، الذي يعتبر كالإسفنج يمكنها أن تحمل ذلك الكم الهائل من الماء، فالطفل بإمكانه أن يمتص كل شيء، وباعتباري متخصصة في هذا المجال علينا نحن كأولياء وكمربين بصفة عامة أن نحذر من هذه الرسوم المتحركة الجذابة التي تحمل في طياتها العديد من السلوكيات والأفكار، فيجب على المختصين والمربين وعلى الأولياء أن ينتقوا ويختاروا الرسوم الكرتونية التي تحوي على قيم أخلاقية بناءة، كما علينا كذلك أن نفكر في الاستثمار في مجال إنتاج الرسوم المتحركة للأطفال، هناك بعض المبادرات الفردية ولكنها تظهر وبعد مدة قصيرة تختفي، لماذا؟ لأنها لم تجد من يشجعها ويدعمها، وقد سبق لي وأن زرت وكالة اتصال مختصة بإنتاج الرسوم متحركة، في الحقيقة كانت مبادرة فردية تستحق فعلا التشجيع، لكن للأسف هذه المؤسسة أغلقت أبوابها لأنها لم تجد من يشجعها، أنتجت رسوم متحركة وقد بث عبر شاشة التلفزيون الجزائري، وقد كان المستوى ضعيفا جدا لعدم وفرة الخبراء والمختصين في هذا المجال، فيه حب لهذا العالم ولكن عدم توفر المختصين وعدم توفر الأموال ولا توجد مؤسسة قائمة بذاتها، وإنتاج الرسوم المتحركة يتطلب مصاريف كبيرة، إذن كما أسلفت هناك مبادرات فردية تظهر وتختفي سواء في الجزائر أو في بلدان عربية أخرى، ومن يستثمر في هذا المجال يجب أن يكون همه هو بناء جيل المستقبل، بمعنى أن تكون له استثمارات أخرى في مجالات أخرى، ويعتبر الاستثمار في مجال الطفل صدقة جارية، خالصا لله وحده سبحانه وتعالى، أي لا ينتظر منها مقابل وأكيد بهذا سوف تكون النتيجة، فتأسيس المؤسسة سيكون من أجل الأجيال القادمة حتى تنشأ على القيم الأخلاقية الإسلامية الصحيحة.

الإعلام التربوي له دور كبير بعد الأسرة والمدرسة في تنشئة الطفل، كذلك يلعب دورا كبيرا في إنتاج الإعلام المضاد لهذه البرامج الغربية، وبالتالي ما هو السبيل للنهوض بالإعلام التربوي في الجزائر؟

الإعلام التربوي هو إعلام مهم جدا يمس المجتمع بأكمله وليس شريحة الطفل فقط، فبإمكاننا عن طريق الإعلام التربوي أن نبلغ ونؤسس لهذا الجيل المستقبلي، الإعلام التربوي  بمختلف وسائله المسموعة والمرئية والمكتوبة، والمتعلقة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، وكذا الكتاب والمجلات، فكل هذا يدخل ضمن الإعلام التربوي، فالقيم يمكن غرسها في هذا الجيل من قبل مختصين، وبالتالي الذي يجهل هذا المجال لا يمكن أن يعمل من أجل غرس القيم، بينما المختصون في هذا المجال بإمكانهم أن يرسخوا هذه القيم في الأطفال من خلال عقد ندوات وملتقيات من أجل التعريف أكثر بالإعلام التربوي، باعتبار أن الإعلام التربوي يعد إعلاما جديدا في الجزائر عكس بعض الدول العربية، فيجب تضافر الجهود بين الإعلامي الذي يعمل من أجل إنتاج للطفل وبين مختصين في التربية وفي علم النفس وعلم الاجتماع، فهؤلاء جميعا يجب أن يجتمعوا مع بعض ليفكروا في مشروع إعلامي تربوي هادف، من أجل غرس القيم السامقة لدى الطفل، وأقول وأردد بأنه يجب أن يكون العمل مشترك والهدف واضح، لنؤسس لإعلام بديل عن الإعلام الذي نستورده من الخارج، كما أن المسؤولين الأوائل هم الذين عليهم أن يشجعوا هذا المشروع، سواء في وزارة الاتصال أو في وزارة التربية والتعليم، فالإعلام التربوي يجب أن يشجع، فإذا لم يكن مشجعا من طرف المسؤولين ومن طرف الهيئات العليا، فلا أظن أنه سوف يستمر.

تأثر أطفالنا بالتكنولوجيات الحديثة بصورة كبيرة، هذه التكنولوجيات التي فرضت نفسها، واليوم ربما الحل هو البحث والتفكير في كيفية توجيه أبنائنا للاستعمال الايجابي لها، ما رأيكم دكتورة؟

نعم اليوم أصبحت تكنولوجيات الإعلام والاتصال شيء ضروري، حتى أنه نجد بعض الأولياء يقدمونها كهدايا لأبنائهم “هواتف ولوحات الكترونية” لتشجيعهم في الدراسة، وحتى أطفالنا اليوم ينجذبون نحو هذه الوسائل لسهولة استعمالها، بحيث يتعامل معها الطفل بالتكرار، وربما في بعض الأحيان ربما الكبير لا يحسن استعمالها مثلما يحسن الطفل الصغير، صحيح أن هذه الأجهزة فرضت نفسها لكن لا نتركها تسيرنا، بل نحن من نسيرها، والطفل كما ربيته سينشأ، لأن التربية هي الأساس فالأم والأب هم من يربون أبناءهم حول الاستعمال الايجابي لهذه الأجهزة، لا نعطي هذا الجهاز للطفل حتى يسكت من البكاء، وللأسف هذا ما نشاهده عند الكثير من العائلات، وبالتالي أربي طفلي من دون التعويد على إعطائه جهاز الهاتف، حتى أن الأخصائيين في مجال الصحة أشاروا أن هذه الأجهزة تصدر إشعاعا يؤثر على صحة الطفل، يعني الخطر ليس فقط من الناحية السلوكية والذهنية أيضا من الناحية الصحية، وأنا أفضل أن لا تعطى هذه الهواتف الذكية أو اللوحات ولا تشترى للطفل إلا بعد أن يتجاوز مرحلة المتوسطة، لأن استعمالها مبكرا يكون في البداية للاتصال ولكن بعد ذلك يتطور الاستعمال إلى أشياء أخرى، إذن التربية تبدأ من الأسرة، الوالدين من الأب والأم وخاصة الأم لأنها أكثر اتساقا بابنها وكثيرة التعامل والتواصل معه أكثر من الأب، إذن الأم عليها أن تعرف كيف تربي طفلها على عدم استعمال الأجهزة في مرحلة مبكرة وإذا استعملوها في مراحل أخرى لابد أن يستحضروا مراقبة الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن مراقبة الأبناء في كل وقت، وبالتالي عليها أن تغرس في ذهنه وفي عقله وفي نفسه بأن ما يفعله بهذه الأجهزة يشاهده الله ويعلم به، فإذا فعل خيرا يعلم به وإذا عمل شرا يعلم به، فإذا استحضر هذا الأمر في ذهنه منذ الصغر أكيد أنه سوف يرتدع، كما يجب على الأبوين أيضا إذا قالوا فعلوا، لأن الطفل يتعلم بالقدوة فعلى الأم أن تكون قدوة والأب أن يكون قدوة.

ما هو دور الإعلام التربوي في اكتساب الطفل للغة السليمة؟

الكثير من الأصوات تعلو هنا في الجزائر أو في بلدان أخرى، تقول: إن علينا أن نبسط المضمون الإعلامي للجمهور، طبعا ندرس الطلبة في كلية الإعلام والاتصال ونقول لهم أنه يجب التبسيط، ولكن هذا التبسيط لا يعني التمييع، إنما أن أتكلم بلغة عربية فصحى بسيطة مفهومة للجميع، كما هناك من يقول يجب أن نستعمل الدارجة في البرامج الإعلامية حتى تصل المعلومة أو الفكرة لأكبر شريحة ممكنة في المجتمع، أنا أقول إن هذا التفكير وهذه النظرية وهذا الطرح غير صحيح، أكيد هناك بعض المواضيع يمكن إدخال الدارجة ولكن الدارجة المهذبة، أي لا توجد فيها كلمات وألفاظ الشارع، والتي للأسف أصبحت تستعمل في بعض القنوات، فالتلفزيون والإذاعة هي وسائل محترمة موجهة إلى الجمهور، الذي يشاهدها ويستمع إليها، فعلى الإعلامي أن ينتقي ويختار الكلمات التي ينطق بها، يجب أن نحترم هذا المتلقي، إن أخلاقيات الإعلام تراجعت كثيرا في إعلامنا وفي الإعلام العربي بصفة عامة، إذن نحن علينا أن ننضبط فيما يخص اللغة المستعملة الموجهة للكبار وللصغار، وأركز على الصغار، بحكم أني متخصصة في مجال برامج الأطفال يجب أن نستخدم اللغة العربية الفصحى كثيرا، لأن الطفل يتابعنا ويتعلم منا، يتعلم بالقصة يتعلم بالحوار ويتعلم بالأنشودة، وأتفادى كثيرا في برنامج “كنوز وسبل” بث أناشيد فيها الدارجة سواء أن كانت بالدارجة الجزائرية أو الدارجة العربية بصفة عامة، لأنني متأكدة أن الطفل يتعلم الكثير من هذه القوالب الفنية التي تستعمل في الإذاعة والتلفزيون، فأستعمل اللغة العربية الفصحى في هذا القالب الفني حتى يتعلم من برنامجي اللغة العربية الفصحى الصحيحة، ومن هنا يعد البرنامج الموجه للطفل تعليمي أيضا مثله مثل الكتاب والمجلة، وبالتالي اللغة العربية الفصحى هي أساسية جدا فعلينا أن نستعملها بنسبة 95 بالمائة في إعلامنا التربوي الموجه للطفل، حتى يتعلم التربية والأخلاق ويتعلم اللغة والسلوك إلى غير ذلك.

أطفالنا اليوم تعيش ظروفا صعبة كظاهرة الاختطاف، وأيضا مع حلول فصل الصيف نلاحظ انتشار ظاهرة عمالة الأطفال؟

باعتباري معدة ومشرفة على برنامج للأطفال أهتم كثيرا بهذه المواضيع، وقد تطرقنا للكثير منها كالطفل المشرد والطفل الفقير، وعن الأطفال اليتامى، والأطفال المرضى، فكل هذه المواضيع مهمة جدا يجب الاهتمام بها أكثر حتى نبلغ رسالة ونوعي المجتمع خاصة فئة الأطفال، وأكيد الإعلام له دور كبير في التوعية والتحسيس بكل الظواهر التي تمس حياة الطفل، ومن المفروض أن تقوم برامج الأطفال بهذا الدور من خلال إرسال وتبليغ رسائل هادفة، كما توجد بعض الحقوق لا يعرفها الأطفال، وهنا نلعب دورا كبيرا في التعريف بحقوقه.

أعطيك مثالا عن برنامج كنوز وسبل الذي يبث عبر أثير إذاعة القرآن الكريم، فمثلا احتفلنا مؤخرا بذكرى عيد الاستقلال 5 جويلية، والبرنامج يعالج هذه المواضيع حتى بدون مناسبة، وكذلك لا أترك المناسبة تفوتني هكذا ولا أتكلم عنها خاصة المناسبات الوطنية، حتى أربط كيان هذا الطفل بوطنه وبأرضه، فهو ابن هذا البلد وبالتالي عليه أن يحب بلده حتى لا يفكر في الهجرة لما يكبر ولا يقول هذا البلد لا ينفعني، نحن لا نقول ليس هناك مشاكل وأن الأمور جيدة مئة بالمائة، ولكن لا يوجد بديل لهذا البلد في مكان آخر، فمثلا إذا سافرت أنا إلى بلد آخر، أبقى زائرة وأبقى ضيفة ومقيمة ولست صاحبة البلد، ولكن في بلدي أنا مواطنة، فيجب أن اعتز ببلدي واعتز بتاريخ بلدي وافتخر بهؤلاء الشهداء الأبرار الذين ضحوا بدمائهم الطاهرة من أجل أن تتحرر الجزائر، وفي هذا السياق تطرقنا من خلال برنامج “كنوز وسبل” لتاريخ الجزائر، تحدثنا عن الشهداء كحسيبة بن بوعلي ومصطفى بن بولعيد كما تناولنا أحداث مهمة عن تاريخ الجزائر.

 ما هي استراتيجية الإعلام التربوي، أو كيف يعمل البرنامج الناجح حول الطفل؟

في الحقيقة برنامج الطفل هو من أصعب البرامج، البعض يظهر له البرنامج بسيط جدا، بالعكس تماما، من يعد ويقدم برنامج الطفل يجب أولا أن يحب الطفل، وأن يعرف كيف يتعامل مع الطفل وكيف يتكلم معه، لأن الشخص الذي لا يميل إلى الطفل أكيد لن يحسن التحاور معه، وبالتالي لا يمكن أن يكون مقدما لبرامج الأطفال، فمن يعد ويقدم ويكتب للطفل يجب أن يكون مهتما بالطفل، وعليه  يجب أولا معرفة بسيكولوجية الطفل، ماذا يريد أن يسمع ماذا يريد أن يشاهد، ما هي الأشياء التي تجذبه، وكل هذا ليس عشوائيا، إنما ينطلق من دراسة وتخطيط، الدول التي سبقتنا في هذا المجال “الإعلام التربوي” توفر لهذا المجال مصلحة خاصة وهيئة قائمة بذاتها، لها مخرجين مختصين بالأطفال، وكذلك مقدمين مختصين بالأطفال، فريق عمل كله خاص بالطفل، حتى تكون فيه دراسة كاملة لإنتاج برنامج حول الطفل، وللأسف نحن لم نصل بعد إلى هكذا مستوى.

لماذا لم نصل دكتورة؟

لا نقول ليس هناك اهتمام، لكن الإعلام بصفة عامة يهتم أكثر بمواضيع تخص الكبار، ولكن الطفل هو الأساس باعتباره البذرة التي تنمو، وتصبح فيما بعد شجرة تحمل زمام الأمور وتمضي قدما بهذه الأمة، وعلى هذا أنا أعوّل كثيرا على الأطفال، مهتمة بهم وبالبرامج الإعلامية الخاصة بالطفل، أعطيه المعلومة باستعمال أسلوب بسيط وجذاب باستخدام مؤثرات صوتية، أكيد سوف يستمع إليها ويأخذ بها، لكن لما أقدم له معلومة في قالب تقليدي رديء أكيد لن يهتم بها، وبالتالي الذي يعمل للطفل يجب أن يكون مختصا في الإعلام التربوي، وإن شاء الله في المستقبل يكون هناك اهتمام أكبر بهذا المجال.

دكتورة دليلة عامر، أستاذة بكلية علوم الإعلام والاتصال وإعلامية بإذاعة القرآن الكريم، كلمتك الختامية؟ 

أتوجه بالشكر الجزيل لكي فاطمة وأشكرك على هذا اللقاء الذي أنتظر إن شاء الله أن يكون مثمرا ومفيدا لقراء جريدة البصائر، كما أوجه الشكر الجزيل لجريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي نفتخر بها كثيرا لدورها الفعال في غرس القيم الإسلامية السامقة والصحيحة، التي يدعو إليها ديننا الحنيف، فلطالما كانت تلتفت لقرائها الذين يبحثون دوما عن الكلمة أو العبارات الهادفة، التي لها وقع كبير على العقل والروح، كما أوجه الشكر الجزيل لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تعتبر من الجمعيات التي ناضلت خلال الثور ة التحريرية، فكان لها دور بارز قبل وبعد الاستقلال، من خلال الحفاظ على الهوية الوطنية، كما أدعو المهتمين بشأن الطفل أن يهتموا أكثر بهذه الشريحة، فأطفال اليوم هم شباب المستقبل، وعلى هذا يجب أن نعمل جاهدين على تقديم كل ما هو تربوي وتعليمي لهذا الطفل حتى ينشأ تنشئة صحيحة تمضي قدما بهذه الأمة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الوزير الأسبق الدكتور نور الدين الخادمي في حوار مع البصائر / أجرى الحوار عبد القادر قلاتي

البصائر: تعتبر تونس من البلاد العربية التي حمل فيها المشروع النهضوي لواء التجديد والتحديث ، …