الرئيسية | أقلام القراء | مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة/ أ .هني خير الدين

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة/ أ .هني خير الدين

الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالات السماء !

حينما نريد الحديث عن الرسالة والنبوة، وارتباطهما بالأرض المباركة التي جرت وقائعهما عليها، قد ينتابنا سؤال مثير وجوهري عن سبب تفضيل بلاد العرب بهذه المباركة و برسالات السماء إجمالا، وبالرسالة الخاتمة خاصة دون أن يشمل أمم الجوار، أو أمما أخرى ممن عظم شأنها في عمارة الأرض وإصلاحها، وهذا السؤال قد يعتبر مثيرا من وجهة نظر من يقوّم أوضاعها بمعايير الأرض، إذ يمكن للأمم الأخرى أن تبدي حيرتها إزاء هذا التفضيل! وتبحث عن دواعي أن تحابي السماء منطقة مجدبة لا تنبت زرعا ولا ضرعا، ويسكنها أقوام لم تعرف حياتهم سعة من الرزق والرخاء، ولا من أساليب التنظيم والعمران والتمدن ما يجمع شتاتهم ويقوي وحدتهم، وهم لذلك كانوا أمة  دون سواهم من أمم الأرض! فما الذي جعلهم  يحظون بهذا التكريم والتشريف؟

قال لي أحد أساتذة الجامعة وهو كاتب وباحث – حين كنا في دردشة- لـمَ لمْ ينزل الله سبحانه رسالاته على أمم منظمة تحكمها ممالك عظيمة، وهي نابهة  ذكية متوقدة القرائح، وبعضها كان يحيط ببلاد العرب، وقد بلغت مستويات عليا في حسن التنظيم والاجتماع والاقتصاد والعمران، ووصلت إلى درجات ناضجة في رقيها العقلي والحضاري، كالفرس والروم والإغريق والفراعنة والحميريين والسبئيين مثلا.. ولكن – مع ذلك – لم تحظ بهذا التشريف، فما السبب في ذلك؟ حضرني الجواب بداهة – بعد أن قلت: الله أعلم أين يضع رسالاته- إلا أن الرسالات السماوية لا تلائمها المجتمعات التي أفسدت التعقيدات الحضارية والنظريات الفلسفية والقانونية طبائعهم وفطرهم، لذلك كانت البيئات البدوية التي مازالت على الطبيعة والسليقة، هي البيئات الأنسب لرسالات السماء، وهذا الجواب قد يبدو ساذجا في مبتدئه، لأنه خال من الأجرأة المعيارية، وجاء بناؤه مركبا على سؤال صِنو له في السذاجة.

ولكن حين نريد أن نبتعد عن هذه السذاجة في السؤال والإجابة بمعايير منهجية، اعتمادا على مناهج التفكير العلمي التي تستهوي الإنسان المعاصر، المهووس بمبادئ البحث الموضوعية بخطواته الصارمة…نجد أنه من العسير الالتزام بهذه الخطوات، لأن العقل هو الذي وضعها ورتب مبادئها وفروضها لدراسة عينات من الظواهر المنوطة بالمدركات الحسية التي تخضع للتجربة والملاحظة والاستقصاء واستنباط النتائج والأحكام والنظريات والقوانين، كيما يستعين بها على بلوغ أهدافه ومقاصده التي يرومها.

ورسالة السماء بحكمها وأحكامها وأهدافها، لا تشملها المبادئ المنهجية، التي هي اختراع بشري استوحاه من معارفه الحسية التي جرد الكثير من مدركاتها الحسية، وجعلها تجريدات عقلية، تعقل ويبرهن عليها بمناهج الأدلة التي تدرب على البرهنة بها على صحة النتائج والقوانين المتوصل إليها.

ورسالة السماء – كظاهرة دينية – ليس للإنسان فيها نصيب من علم، لأنها تخضع لمشيئة عليا هي التي تقدر مجريات أحداثها كظواهر غيبية في أزمنة معينة وأماكن معلومة، تتحكم فيها قوانين ميتافيزيقية وحكم أزلية، يدق فهمها على مدركات إنسان عالم الحس والمادة، بمعاييره التي استلهمها من مدركاته الحسية وفروضه العقلية، حيث إن هذه المدركات تستقي معارفها ومعاييرها من عالم تحكمه قوانين المادة، وهي تخضع لقانون فيزيائي مختلف في تركيبته وكينونته عن عالم ما وراء المادة، الذي تحكمه قوانين غيبية تتجاوز حدود عقل إنسان عالم الحس، فمعقولات عالم المادة هي في أصلها ومنشئها تجريدات منبثقة عن مدركات حسية لها أمثال في عالم المحسوسات، ثم أخذ العقل في تجريدها من محسوساتها فصارت معقولات غير مجسمة بنظائر حسية، كالمفاهيم الرياضية بمعادلاتها المعقدة، ولكن العقل بقدراته الخلاقة كما استطاع تجريدها في مجاهيل مرمزة، استطاع إعادة تركيبها في أمثال محسوسة ضمن منتجات متنوعة وذات أثر حسي ونفعي.

وحين  يريد إنسان عالم المادة أ ن يتجرأ على استعمال قوانين عالم المادة التي اعتادها في تفكيره وبحوثه وفروضه، ويجريها على قوانين عالم ما وراء المادة، يعوزه التوفيق ويصاب بالعجز التام في الوصول إلى ما يرومه من النتائج، لأن العالمين غير متماثلتين في تكوين حقائقهما وطبيعة تركيبتهما وأهدافهما.

فالقوانين الفيزيائية التي تحكم عالمنا الحسي، ليست هي قوانين فيزياء عالم الغيب. وما يدل على ذلك هو البرهان القرآني في قصة سيدنا موسى عليه السلام حين فهم بأن قانون عالم الحس، هو ذاته قانون عالم الغيب، فطمع فيما لا طمع فيه، {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}[الأعراف:143ٍ].

والذي يؤكد اختلاف قوانين فيزياء العالمين، قوله تعالى لموسى:{ قَالَ لَن تَرَانِي} يا موسي، لأن تركيبتك الفيزيائية لإنسانيتك الحالية، لا تقوى على رؤيتي، والحال أنني لو كشفت عن ذاتي للجبل الذي هو من حولك بتركيبته الفيزيائية على نحو مشابه لك في ذرات التكوين، ما استطاع الجبل الثبات أمام تجلياتي يا موسى، ولكي يستدل سبحانه لكليمه بالدليل القاطع، تجلى سبحانه بالكشف عن ذاته المقدسة للجبل، فاستوى الجبل مع الأرض من خشية الله. فلما رأى موسى ذلك (صعق) أي: أغمي عليه من هول ما رآه من حدث عظيم، تجاوز قانون عالم الطبيعة المحسوس. فموسى عليه السلام بتركيبته المادية لم يقدر على رؤية المتجلى عليه (الجبل)، فكيف به لو رأى المتجلي (الله سبحانه)، ولكن الأمر يكون مختلفا في عالم ما وراء المادة في جنة الخلد، حيث يكون المؤمنون في خلق جديد وبقوانين فيزيائية غير قوانين الحياة الدنيا، حيث بشرهم ربهم بالرؤية السعيدة في قوله:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة:22/ 23]. تكون وجوه المؤمنين – يومئذ- في صورة مشرقة بالنضارة والجمال، وهي تنظر إلى ربها..أي: تراه عيانا كما رواه البخاري في صحيحه ” إنكم سترون ربكم عيانا“. وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث. أما أراء المعتزلة باستحالة رؤية الله في الجنة، فهو تأويل فاسد مخالف لظاهر الآية، وما تواتر في صحيح السنة.

والناس في نظرتهم إلى العالمين غير المتماثلين فيزيائيا، على فريقين: أحدهما فطر على الجبلة الصحيحة غير المعاندة، فقادته فطرته السليمة إلى النظر إلى عالم الأشياء المخفية نظرة حدسية، فتمثلها في عقله من طريق الإلهام الفطري الذي يمده بفيوض من الأقباس النورانية فتشع في روحه نورا يرى به عالم الغيب بتجليات روحانية، وليس بمدركات عقلية مجردة ومعللة ببراهين منطقية، فيصير إيمانه يقينيا من طريق التسليم للأوامر العليا التي قررها الوحي في القرآن الكريم.

والثاني: انتكست فطرته وفسدت طويته، وأخذ يكابر ويعاند ويبحث عن ماهية حقيقتها محجوبة، وتركيبتها غير معلومة إلا بما أخبر به الوحي من طريق التشبيه والتمثيل للتقريب، فراح يبحث بعناد في عالم غيبي ميتافيزيقي، بمناهج مادية لا تنطبق معاييرها على حقيقته وكينونته، فلما خانه القصد جحد وألحد، ولذلك حين نتناول الظواهر الدينية والإسلام على وجه الخصوص، يتعين علينا -كمسلمين- أن نتناولها بإمعان وتدقيق وتبصر، ونأخذ بعين الاعتبار -في دراساتنا – اختلاف القوانين الفيزيائية التي تحكم العالمين، ولا نجعل حقائق الغيب كما لو أنها  ظواهر حسية، فنتناولها بتحليلات مشحونة بالعواطف، تغلب عليها المسحة الوعظية على نحو ما اعتاد شباب المسلمين سماعه من بعض الوعاظ والمرشدين والدعاة في توجيهاتهم، ومناظراتهم مع المتشككة من اللادينيين.

فشباب المسلمين اليوم، ارتفع لديهم الوعي المعرفي والفكري، لاحتكاكهم بالثقافات المختلفة لأمم الأرض، من طريق الدراسة والتعليم والاختلاط والاندماج؛ فكان أن تأثروا بالمناهج المعاصرة التي تحكم عالم الحس والمادة، فتأثروا بها تأثيرا كبيرا، فأزاحت عن عقولهم الحواجز النفسية والثقافية والفكرية والمنهجية التي كانت تميز طريقتهم في التفكير، وتجعلهم يتحفظون عند الحديث في المسائل المقدسة؛ فضلا عن تقارب المسافات والمساحات الجغرافية، بما أصبح يعرفه التطور الكبير في وسائل الاتصال؛ فأصبح العالم منزويا في نطاق جغرافي ضيق، فكان لهذه الوسائل، كالقنوات الفضائية والسينما، والانترنت، والفاكس والهاتف، والمجلات والجرائد ولواحقها- دور كبير في تقريب الناس من بعضهم في تواصل مستمر؛ ولا ريب في أن ذلك التواصل سيترك أثره البالغ في عقول الناس وعواطفهم وطرق تفكيرهم.

لذلك، أصبح واجبا على الدارس المسلم أن يراعي في كتابته هذه المتغيرات التي أصبح لها سلطان كبير على تفكير شباب المسلمين وتوجيههم؛ فإذا ما تناول هذه الموضوعات التي تحيط بها الشبهات من كل جهة، تعين عليه تناولها بمنهجية دقيقة، تجعل من مقتضيات مناهج البحث أمرا حتميا في مراعاة العلاقة الموضوعية نسبيا، والتوفيقية بين النصوص والحوادث التاريخية؛ يراعي هذه العوامل في تحليل الظواهر، بما يجعل القارئ المسلم يستأنس بها على أقل تقدير؛ فإذا جدّ الجد في معارك المناظرة، استخدم تلك الاستنتاجات المحكمة كأدوات ملائمة للجدل العقلي مع الخصوم والأعداء…

ولقد رأينا بعض المناقشات المحتدمة بين بعض الدعاة، وبين بعض المتشككة واللادينيين!  في كثير من المناظرات على الفضائيات، إذ سلكت سبلا غير متوازنة في تحليلاتهم وتعليلاتهم لبعض الظواهر الدينية، وارتباطها بعالم الحياة والمادة، فكان النقاش يتجه نحو استخدام أساليب عاطفية في التحليل، لاتسمن ولا تغني من جوع، وتصبح عديمة الفائدة في إقناع السامع أو المشاهد بما سمعه أو رآه؛ مع أن المـشكلات المطـروحـة لها مـا يـعـززهــا مـن الشواهد التاريخية، والتحليلات الموضوعية رغم ما شابها من تدنيس أو تحريف…

عن المحرر

شاهد أيضاً

نصوص ووثائق في تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والثورة-02/ عبد المالك حداد-

  كما التحق عدد معتبر من طلبة معهد ابن باديس بقسنطينة الذي تأسس عام 1947، …