الرئيسية | غير مصنف | حول التفكير في نهضة الأمة / د. إبراهيم نويري ـ باحث جامعي

حول التفكير في نهضة الأمة / د. إبراهيم نويري ـ باحث جامعي

 

يدلّ استقراء النصوص والقواعد الشرعية والأصولية والكليات المفاهيمية بأن الأصل هو أن يقلّ الخلاف والتباين في النظر والتقييم والتقدير حول مسألة جريرة الحجْر على العقل والنظر أو (منادح التفكير)..ومشتقاتها المتفرعة عنها كضيق الأفق وتكلس الفهم والرأي وجمود الفكر وسوء التعليل والاستنتاج والاستنباط وعدم الاحتفاء الواجب بنعمة العقل والذكاء والذّكر والتفكر والتدبر في الأنفس والآفاق..وعلة ذلك أن هذه المسألة متعلقة بتلك الخاصية العجيبة التي جعلت هذا الإنسان يتميز عن غيره من الخلائق والكائنات باستقباله الخطاب الإلهي واستيعابه وفهمه مراد الله وحكمته البديعة من الوجود والتكليف والابتلاء…

لا أعتقد ولا أتصور أحدا من العقلاء يختلف معي ـ أو مع غيري من المدركين لنعمة العقل- في كون هذه الأوهاق والعقابيل والأسمال، التي تستهدف التشغيب على أخص خصائص كينونة الإنسان، وتسعى للحدّ من إبداعه وكشف قدراته الثاوية في أعماقه وتركيبته الربانية المعجزة..إنما هي أخطر بلاء أو داء تُصاب به حركية الأمم وسيرورة المجتمعات والحضارات الإنسانية، فلا غرو بعد تأكيد هذه الحقيقة الناصعة الجلية إنْ نحن وجدنا الفلاسفة والمفكرين والمصلحين وأهل الذكر في كلّ عصر يحذّرون أممهم ومجتمعاتهم من هذه الأدواء ومن آثارها المدمّرة الوخيمة على الحاضر والمستقبل على السواء.

ولما كانت هذه المسألة وثيقة الارتباط بمعادلة التنمية والتغيير والبناء الاجتماعي والإقلاع الحضاري للأمة، فإن مساحة تناولها ومعالجتها ـ داخل الفضاء العربي والإسلامي ـ كان ينبغي أن تكون بالغة الإندياح والانسياب والتناول والحضور في أدبيات فكرنا الإسلامي مقارنة بالمستويات الإنجازية الحضارية التي عليها مجتمعاتنا ومؤسساتنا. ولعل أبرز فيلسوف أو مفكر مسلم معاصر أولى هذه المسألة عناية خاصة وتصدى لفصول وتفاصيل معادلتها بالتحليل والتشخيص والتعليل، وكذا بتقديم مرئياته وملاحظاته المتعلقة بمناهج التغيير ورصد الحلول والبدائل والمعالجات في كلّ مكوّنات مشروعه الفكري، هو الأستاذ مالك بن نبي-رحمه الله – ففي كتابه ــ على سبيل المثال ــ (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) يتحدث”ابننبي”عن عقليتين أو فريقين قدما تفسيرين أو قراءتين لشبكة الحواجز والأوهاق والصعوبات التي تحول دون إقلاع المجتمع الإسلامي المعاصر، أو تَحُدّ من محاولات تخطيه للحواجز التي تعقله (تشدّ وثاقه) في دائرة التخلف والتراجع والتبعية.

أما بالنسبة لأنصار المنظومة الاستعمارية وأطروحة التغريب والإلحاق الفكري والحضاري فإن أبرز عامل حال دون ذاك الإقلاع والتغيير المأمول إنما هو الإسلام وتعاليمه ومضمونه العقيدي والفكري.

وفي المقابل يرى أنصار الولاء القومي الماضوي أن الاستعمار وإحباطاته وقهريته هو المسؤول الأول عن تلك الوضعية التي ما تزال مجتمعات المسلمين تعاني آثارها وتكابد وطأتها في واقعها الماثل.

ويصرّ الأستاذ “مالك بن نبي” على أن في كلا التفسيريْن عيباً واضحاً لغموض في أساسه ونقص في جوهره…فالأولون إذْ يضعون كلّ شيء على ظهر الإسلام يريدون أن ينسوا حقيقة أن الاستعمار مسؤول عن النصيب الأكبر من الفوضى الحالية للمجتمع الإسلامي المعاصر والترنح الظاهر للنهضة الإسلامية الحقيقية المنشودة أو المرتقبة أو المأمولة؛ والآخرون الذين يحمّلون الاستعمار ومنظومته كلّ شيء يريدون كذلك أن يطمسوا (ديماغوجيتهم) التي لا تخفف شيئا من حدة المشكلة..بل إنها على العكس تقويها وتغذي استمراريتها وديمومتها.

الأولون يتناسون الواقع التاريخي بتجاهلهم الدور الذي قام به الإسلام على صعيد العطاء الحضاري، أو على صعيد ممارسات وحركات التحرّر ومدافعة المنازع القهرية الجائرة..والآخرون يتجاهلون أيضا حقيقة وجود مجتمعات إسلامية متخلفة بالرغم من بعدها النسبي عن مواجهة ومكابدة تحديات الاستعمار والتبعية والإلحاق.

إن خلفية مالك بن نبي الفكرية ورؤيته العقلية الثاقبة جعلته يسخّف هذين التفسيرين لهذين الفريقين، ويحاول تقديم تحليل آخر أكثر موضوعية وأكثر نَصَفة ًأيضا لما هو قائم في الواقع، إذ يذهب إلى أن الحواجز والعقابيل التي تَحول دون استنهاض وإقلاع العالم الإسلامي (وقلبه الحي العالم العربي) معقدة جدا، بل إنها تشكل منظومة كاملة من”المعاصي” و “النقائص” و “الهِنَات” المستنبتة في الواقع الإسلامي..وبرأي “ابن نبي” فإن ما يأتي في مقدمة تلك الحواجز والعقابيل إنما هي الأمور الذاتية المتعلقة بالمناحي النفسية للإنسان المسلم والنسيج القيمي للمجتمعات الإسلامية، ومن ذلك خاصة وعلى سبيل المثال فحسب:

1ـ عدم الارتباط الصحيح بالنماذج الإسلامية الأساسية القدوة …مضافا إلى ذلك خطأ الطريقة التي تربطنا بالغرب، فشتان بين الطريقة التي ارتبط بها العالم الإسلامي بالغرب، والطريقة التي ارتبطت بها بعض الدول التي تمثل توجّهات حضارية معينة كاليابان والصين وكوريا الجنوبية مثلا.

2ـ الانفصام الخطير الذي وقع في شخصية الإنسان المسلم المعاصر “إنها اللحظة المؤلمة، حيث المسلم منشطر إلى شخصين: المسلم الذي يتمم واجباته الدينية ويصلي في المسجد، ثم المسلم العملي الذي يخرج من المسجد ليغرق في عالم آخر” ـ وفق تعبير بن نبي رحمه الله ـ .

إن ما دفعني لتقديم وبسط هذا المثال المحدّد، ليس التعرّض لمواقف ومرئيات التوجّهات الفكرية إزاء عملية وهموم تخطي التخلف وتحقيق التنمية والإقلاع الحضاري في العالم الإسلامي، فذلك أمر له أطره ومجالاته التي يُدرس ضمنها ويُعالج في سياقها، بل إنه قد تمّ تناوله فعلا في بحوث ودراسات أكاديمية متخصصة؛ وإنما عنيت بهذا المثال التذكير بحقيقة كون القضايا المركزية الأساسية في الواقع الإسلامي لم تأخذ بعد النصيب المطلوب من العناية لكي تتحول إلى هموم مشتركة بين جميع أبناء هذه الأمة المسلمة الحائرة في سيرها ومسيرتها، كما أنها لم تُسيّج بالمطالب الواقعية والشروط العقلانية الضرورية لبلورتها وإنجازها؛ قصد نفع هذه الأمة والارتقاء بها في هذا العالم الذي يتطور بسرعة مذهلة، بل إنها بقيت ـ في عديد أماكن العالم الإسلامي ـ حبيسة بعض العقليات المتحجرة أو المنغلقة أو غير المشغولة بهذا الهم وهذه المحنة التي جعلت الرأس ذيلاً ـ وفق تعبير الشيخ الغزالي رحمه الله ـ .

أما على مستوى النخبة الواعية فأعتقد أنه لو تم الاهتمام الكافي بفكر “مالك بن نبي” ومدرسته الحضارية المبدعة في التنظير والتشخيص والمعالجة، مع تنمية هذا الاتجاه وتطويره وتفعيله.. لأمكن ـ مع جملة مقتضيات ضرورية أخرى ـ جعلُ القضايا المركزية لأمتنا قاسما مشتركا بين جُلّ أبنائها واتجاهاتهم أو منازعهم في النظر والتفكير والمقاربة، لا فرق في ذلك بين القادة السياسيين والقادة الفكريين والإستراتيجيين، أو المواطنين العاديين الذين يشكّلون السواد الأعظم لأمتنا الكبيرة.

والله وليّ التوفيق

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الفنّ…ثغرة في مشروعنا(01)/ عبد العزيز كحيل

كلمة أولى: استقرّ رأي الراسخين من علماء الشريعة والدعاة الربانّيين العارفين على إباحة استعمال الوسائل …