الرئيسية | في رحاب الشريعة | حقــوق الجــار في الإســلام/ د. يوسف جمعة سلامة

حقــوق الجــار في الإســلام/ د. يوسف جمعة سلامة

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:{وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}(1).

لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على المسلمين بأن أَلَّفَ بين قلوبهم وجعلهم إخوة متحابين في مجتمع قوي متماسك مترابط متحابب، ففرض الله سبحانه وتعالى على المؤمنين واجبات وحقوقاً لبعضهم على بعض، تُوفر لهم أسباب السعادة وتجنبهم أسباب الشقاء، وتُصلح ذات بينهم وتُؤلف بين قلوبهم، ومن هذه الحقوق حقّ الجوار، وقد جمع الله سبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار مع عبادة الله وبرِّ الوالدين والأقربين، كما جاء في الآية السابقة التي اشتملت على الوصية بالجيران كلّهم، قريبهم وبعيدهم، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، فقد ذكر عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – في تفسير الآية السابقة:{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} أن الجارَ ذا القربى هو الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة(2).

حقوق الجار 

لقد أوصى ديننا الإسلامي الحنيف بالجار خيراً، حيث جاء ذلك في كثيرٍ من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأوجب له حقوقاً كثيرة، تتعدد وتتنوع تبعاً لنوع العلاقة والرابطة التي تجمع الإنسان بجاره، ومن المعلوم أن الجيران ثلاثة: جارٌ له حق واحد، وجارٌ له حقان، وجارٌ له ثلاثة حقوق:

أما الجار الذي له حق واحد: فالجار غير المسلم، ليس له إلا حق الجوار.

وأما الجار الذي له حقان: فالجار المسلم غير القريب، له حق الإسلام، وحق الجوار.

وأما الجار الذي له ثلاثة حقوق: فالجار المسلم القريب، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة.

ومن الجدير بالذكر أن المسلمين قد ساروا على هدي القرآن الكريم وسنة رسولنا –صلى الله عليه وسلم-، فأحسنوا إلى جيرانهم وعاملوهم معاملة حسنة، وقد كان لهذه المعاملة الكريمة أثر كبير في الآخرين، فكانت سببًا في دخولهم في الدين الإسلامي وإقلاعهم عن المعاصي والذنوب.

 

توجيهات نبوية في الإحسان إلى الجار

حرصاً من رسولنا– صلى الله عليه وسلم– على سلامة النسيج الاجتماعي وحمايته من التفكك، فقد حثَّ– عليه الصلاة والسلام- على وجوب رعاية حق الجوار؛ ليكون المجتمع المسلم كما أراده – عليه الصلاة والسلام– كالجسد الواحد، فمن حق الجار على جاره أن يكون له في الشدائد عوناً، وفي الرخاء أخاً، يحزن لحزنه ويفرح لفرحه، ينفس عنه كرباته ويقضي له حاجاته، ويهنئه إذا أصابه خير، ويدفع عنه الأذى والمكروه، فقد ذكرت السنة النبوية الشريفة توجيهات عديدة في الإحسان إلى الجار، منها:

* عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ:  قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَيّ؟  قَالَ:( إنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِذَا اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِذَا افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْته، وَلا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بالبُنْيَانِ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إلا بِإِذْنِهِ، وَلا تُؤْذِهِ بقتار ريح قِدْرِك إلا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا، وإن اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلا يَخْرُجُ بِهَا وَلَدُك لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ)(3).

* عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ  أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ)(4).

* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو- رَضِي اللَّه عَنْهَما- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:( خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ)(5).

* عَنْ ابنِ عُمَرَ-رَضِي اللَّه عَنْهَما- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 🙁 مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)(6).

تحذيــرات نبويــة من إيــذاء الجــار

من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف قد حذرنا من عدم رعاية حق الجار، فضلاً عن الإساءة إليه، حيث تَوَعَّد رسولنا – صلى الله عليه وسلم – أولئك الذين يُسيئون إلى جيرانهم بالعذاب الشديد، كما جاء في الحديث الشريف:( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ  أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)(7).

كما يُحذر – صلى الله عليه وسلم – من خيانة حقوق الجار وإلحاق الأذى به، حيث بَيَّنَ – عليه الصلاة والسلام – أن عقوبة إيذاء الجار مغلَّظة، حيث إنها تفوق عقوبة إيذاء غيره عشر مرات، كما جاء في الحديث عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ – رضي الله عنه – قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأَصْحَابِهِ: مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، قَالَ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: لأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ)(8).

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)(9).

أبو حنيفة…والإسكافــي

ذكرت كتب السيرة والتاريخ أنه كان للإمام أبي حنيفة جار إسكاف بالكوفة، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جاء الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه أو سمكة فيشويها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دبَّ الشراب فيه، غَنَّى بصوت وهو يقول:

أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا…ليوم كريهة وسداد ثغر

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته، ومن المعلوم أنا أبا حنيفة كان يصلي الليل كله، وذات يوم فقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس(رجال الشرطة) منذ ليال وهو محبوس، فصلّى أبو حنيفة صلاة الفجر وركب بغلته، واستأذن على الأمير فأذن له، وقال أقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، ولم يزل الأمير يُوسّع له من مجلسه، وقال ما حاجتك يا إمام؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، آمل أن يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم، وكل من أُخذ بتلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة بغلته، والإسكافي يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى أضعناك قال: لا، بل حفظتَ ورعيتَ، جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يَعُدْ إلى ما كان عليه من أعمال سيئة.

اطـرح متاعك في الطريق

من المعلوم أنه لا يجوز  للجار أن يظلم جاره أو يبطش به أو يسيء إليه، لذلك يجب على أفراد المجتمع وقتئذ أن يقفوا مع المظلوم والمعتدَى عليه ضد الظالم، لما رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ:(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ:” اذْهَبْ فَاصْبِرْ“، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَقَالَ:” اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ“، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلْ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ)(10).

ما أجمل ديننا الإسلامي الذي يحرص على تقوية الروابط الأخوية بين المسلمين، ويبدو ذلك واضحاً وجلياً من خلال اهتمامه بالجار والحثّ على مراعاة حقوقه والإحسان إليه، وتحريم إيذائه وظلمه، ووجوب مناصرة المظلوم واستنكار الإساءة إليه، ورفع الظلم عنه، لأن المسلمين كالجسد الواحد.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الهوامش:

1- سورة النساء الآية (36).

2- تفسير الطبري7/6.

3- أخرجه الطبراني.

4- أخرجه مسلم.

5- أخرجه الترمذي.

6- أخرجه البخاري.

7-  أخرجه مسلم.

8- أخرجه أحمد.

9- أخرجه البخاري.

10- أخرجه أبو داود.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

التعامل بالدينار الذهبي ضرورة اقتصادية في القروض والمعاملات البنكية/ محمد مكركب

المال من كليات الحياة وهو كل ما يقتنى بالجهد العملي ويحوزه الإنسان كالذهب أو الأنعام …