الرئيسية | وراء الأحداث | الجنرال ديغول… مغالطات تاريخية لا تزول!/ عبد الحميد عبدوس

الجنرال ديغول… مغالطات تاريخية لا تزول!/ عبد الحميد عبدوس

لعل من أكثر الشخصيات الاستعمارية الفرنسية التي ارتبط اسمها بوقائع الثورة الجزائرية العظيمة، التي أحيا الشعب الجزائري في 5 جويليه المنصرم الذكرى السادسة والخمسين لانتصارها، شخصية الجنرال شارل ديغول أول رئيس للجمهورية الخامسة الفرنسية، وبطل تحرير الشعب الفرنسي من الغزو النازي. فرغم مرور عشرات السنين على استقلال الجزائر، مازال الكثير من المثقفين والمؤرخين والسياسيين العرب يرددون مقولة تكرم ديغول على الجزائر بمنحها استقلالها، وكعينة على مثل هذه الآراء التي ينشرها أصحابها على الملأ في وسائل الإعلام العربي دون تمحيص، نورد ما يلي:

نشر الصحفي اللبناني جورج رجي في جريدة (الحياة ) اللندنية  الممولة من السعودية في 3 مارس 2014 مقالا جاء فيه:” ديغول العربي، الذي كان عليه الاهتمام بإنهاء الاستعمار أو الانتداب بالنسبة للدول الخارجية، لاسيما العربية منها، فقد كان واضحاً أن همّه الأول كان إنهاء حرب الجزائر والاعتراف باستقلالها تمهيداً لإقامة علاقات سليمة جديدة معها…”.

أما الكاتب التونسي حسونة المصباحي فقد نشر السبت 29/11/  2014 في جريدة (العرب) التي تصدر في لندن بتمويل إماراتي مقالا تحت عنوان “الجنرال ديغول نموذج القائد المستبد الذي أسقطته المظاهرات بسلام” جاء فيه:” كثيرة هي الكتب التي خصصت للجنرال ديغول، وجلّها نعتته بـ”بطل فرنسا” ووضعته ضمن أعظم القادة السياسييّن الذين عرفهم العالم خلال القرن العشرين. وقد ركّزت تلك الكتب على الدور الهام والمتميّز الذي لعبه الجنرال ديغول في مقاومة الاحتلال النازي لبلاده خلال الحرب الكونيّة الثانية، كما أنه أعاد الاعتبار لفرنسا بعد أن أهينت من قبل هتلر، وتصدى للهيمنة الأمريكية في أوروبا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومنح الجزائر استقلالها بعد حرب طويلة ومريرة.

وإذا كان الجزائريون لم يتوقفوا كثيرا عند هذه الآراء التي تصدر من صحافيين وكتاب قد يكونون في زمرة من طلب الحق فأخطأه، إلا أنهم  صدموا كثيرا في العام الماضي(2017) من تصريح الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة، وحاكم الشارقة، الذي قال في لقاء جمعه برؤساء تحرير الصحف ووسائل الإعلام، في معرض لندن للكتاب: إن الجنرال شارل ديغول “عمل على منح الاستقلال للجزائر” من أجل إرضاء وكسب ود الزعيم المصري جمال عبد الناصر.

وسبب الصدمة عند الجزائريين أن الدكتور سلطان بن محمد القاسمي معروف بأنه صديق كبير للجزائر وهو من الحكام العرب المثقفين الذين لا تخفى عليهم حقائق التاريخ العربي المعاصر.

ومع ذلك تعمد الاستشهاد بنص تاريخي نسبه للرئيس الفرنسي الأسبق جاء فيه:” سأل ديغول وزير ثقافته (أندريه مالرو): كيف أستطيع أن أكسب ود العرب الذين تُمَجِد فيهم؟ فأجابه: بأن ترضي الزعيم العربي جمال عبد الناصر، فإذا كسبت الزعيم العربي جمال عبد الناصر فإنك ستكسب العالم العربي بأكمله. فسأله ديغول: كيف يمكنني أن أكسب الزعيم العربي جمال عبد الناصر؟

فأجابه: عليك أن تعطي الجزائر استقلالها. فقال ديغول قاصداً الجزائر:” الآن عرفتهم”.

وبعد الغضب والاستياء الجزائري الشعبي والرسمي من هذا التصريح المستفز، قدم حاكم إمارة الشارقة، الشيخ سلطان بن محمد القاسمي،  اعتذاره للجزائر، ونشر توضيحاً جاء فيه:”أعرف تاريخ الجزائر جيداً، الثورة الجزائرية كانت السبب في الإطاحة بالحكومات الفرنسية المتتالية، والأشقاء في الجزائر لهم كل الود والاحترام، وحديثي في لندن فُهم بشكل خاطئ بسبب الاختصار، وأشيد بثورة الجزائر وتضحيات المقاومين”.

ولعل يسبب غضب الجزائريين من التلاعب بحقائق التاريخ كونها تصب في مجرى حرب الذاكرة التي مازالت فرنسا تشنها على الجزائر، حيث ترفض فرنسا الاعتراف بهزيمتها في الجزائر وتقديم اعتذارها عن الجرائم التي ارتكبت ضد أبناء الشعب الجزائري طوال 132 سنة من احتلال استيطاني إجرامي بما فيها فترة حكم الجنرال ديغول الذي يعتبره الكثير من العرب صديقا للعرب ومؤيدا لقضاياهم القومية.

في هذا الصدد يقول الكاتب السوري الإسلامي أحمد الظرافي:” عندما صعد (ديجول) إلى سدة الحكم في باريس عام 1958، كان على رأس قائمة أهدافه القضاء على ثورة الشعب الجزائري المسلم، فأعطى لجيشه مهلة سنتين لتصفية الثورة بمختلف الوسائل، وضرب سورا حديديا حول حدود الجزائر، لمنع تدفق السلاح إلى أيدي الثوار، وضيق الخناق على الشعب الجزائري، وصادر حرياته أكثر فأكثر… وبناء على ذلك فقد بدأت في عهد هذا المجرم العنصري، أقصد الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول – بدأت مرحلة جديدة من المجازر المروعة والمرعبة والأعمال الوحشية والهمجية، والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، والتي لم تعرف لها الجزائر مثيلا من قبل، بحيث يمكن القول إن أكبر الخسائر البشرية في صفوف الجزائريين حدثت في عهد المجرم ديغـول، الذي يصفه بعض المغفلين والسخفاء من مثقفي العرب بوصف (صديق العرب)”.

ولعل هذا ما يؤكده المؤرخ الفرنسي، بنجامين ستورا حيث قال في مداخلة ألقها في ندوة نظمتها جمعية (ثقافة وسينيما) بالتعاون مع جامعة سعيدة، أقيمت في شهر سبتمبر الماضي (2017) تحت عنوان (جذور الحركة الوطنية الجزائرية):” إن الفترة التي قاد فيها الجنرال ديغول فرنسا، كانت الأكثر دموية في الجزائر، بتسجيل 140 ألف شهيدا خلال الثورة سقطوا نتيجة المخطط الذي وضعه ديغول لقمع الثورة التحريرية” وأضاف:” أن استقلال الجزائر كان ثمرة مقاومة الجزائريين للجيش الفرنسي”، غير أن تاريخ القمع الإجرامي الذي مارسه الجنرال ديغول لم يبدأ بعد عودته إلى حكم فرنسا في سنة 1958 فحسب، ولكنه يمتد إلى أقدم من ذلك، حيث كان المسؤول الأول عن المجزرة الرهيبة التي اقترفتها فرنسا الاستعمارية في حق الشعب الجزائري خلال مظاهرات الثامن ماي 1945، فقد قامت الحكومة العامة الفرنسية في 12 ماي1945م بالإبلاغ عن برقية أرسلها ديغول مؤكدا فيها:” رغبة فرنسا المنتصرة في عدم السماح بالمساس بسيادة فرنسا بالجزائر”، وطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لقمع كل السلوكات المعادية لفرنسا والتي تقوم بها أقلية من المحرضين حسب قوله؛ وبعد هذه المجزرة التاريخية للجزائريين المنتفضين سلميا في 8 ماي 1945م أبرق الحاكم العام الفرنسي في الجزائر لقائده الجنرال ديغول يقول له:” إن العرب خضعوا بعد إبادتهم”.

قبل بضعة أشهر فقط من احتفال الجزائريين بالذكرى السادسة والخمسين بعيد استقلالهم، زعم  جون- ميشال جاك، نائب رئيس لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية الفرنسية عن حزب الجمهورية إلى الأمام للرئيس إيمانويل ماكرون، في 30 ماي 2018 أن:” نهاية حرب الجزائر لم يكن نتيجة لهزيمة عسكرية ولكن كانت نتيجة قرار سياسي متعمد..”.

فإلى متى ستبقى جناية الجنرال ديغول مفروضة على الجزائر، حيا وميتا؟!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمال خاشقجي القلم الذي هز عرش مملكة !/عبد الحميد عبدوس

بموازاة مأساة الصحفي المغدور جمال خاشقجي بدأت تنسج خيوط دراما شخصية لولي العهد السعودي الأمير …