الرئيسية | كلمة حق | يظنون أن الجزائر مزرعة لهم/ أ. د. عمار طالبي

يظنون أن الجزائر مزرعة لهم/ أ. د. عمار طالبي

من حين لآخر ينزل عندنا في الجزائر من يدعي دعوة عريضة لا أساس لها، ويزعم مزاعم لا رائحة لها من العلم ولا منهجه، يحسبون أن الجزائر أرض خلاء جدبة، وقحط، تقبل كل من مدعي دعوة باطلة، وكل من يخرف تخاريف لا تنطلي على ذي فطرة سليمة، فضلا عن ذي ذكاء  وتفكير سليم، وهذا المدخلي ينصّب نفسه وكيلا على الجزائر، يزكي من يشاء ويترك من يشاء، ويختصم مع أحد أسرته، فمن أين له هذا التصرف؟

وفي الأسبوع الماضي جاء أحدهم لـمّعه الإعلام، وأقبل إلى مؤسسة الحوار ليزداد تلميعا وإشهارا، ودعيت للاستماع إلى دعواه، وفوجئت بكلام أشبه بوعظ واعظ، والدفاع عن رأيه في عذاب القبر، كأن الناس اليوم في حاجة إلى معرفة عذاب القبر، وهو من عالم الغيب لا يعلم كيفيته إلا الله، ويفسر قوله تعالى:{ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} بأن المشتري الذي يقصد السوق تعرض عليه البضاعة ولا يعرض عليها.

وهذا فهم سقيم، ومعنى عقيم، لأن النار يعرض عليها صاحبها ولا تعرض عليه، كالخروف يعرض على النار عند شوائه، ولا تعرض عليه النار.

وزعم أنه تفطن أول مرة أن الإنسان له كتابان: كتاب فردي كما يوجد كتاب جماعي للأمة، وهو ما ورد في سورة الجاثية، وأنه لم يقل بهذا أحد من القدماء ولا من المحدثين.

مع أن الشيخ باقر الصدر رحمه الله بيّن هذا بوضوح تام، في كتاب في التفسير الموضوعي معروف، مما يدل على قلة بضاعته في علوم القرآن وتفاسيره.

وهو متخصص في المعمار، ولكنه تجرأ على أن يتكلم في القرآن دون أن يكون مؤهلا لذلك، ولم يكتسب أدواته من علم اللغة، والبيان، والإحاطة بالتفاسير على اختلاف مجالاتها من الأحكام، والبيان، والعقائد، والجدير بالذكر أن كثيرا من غير المتخصصين يتطفلون على القرآن كأنه مجال مباح لكل من دب وهب، فمن لم يتخصص في الطب لا يجرأ على الكلام في علوم الطب، ولا يسكت عنه إذا اقتحم مجال الطب، لأنه سيضر بالناس على غير علم، ولا يمكن أن ينصب نفسه في مستشفى أو عيادة إذ ليس له من يشهد له بعلم الطب والعلاج.

ومع الأسف الشديد نجد من يسمح لنفسه من أن يدعي ما ليس له، ويتطفل على غير مجاله، مما يحدث اضطرابا وتشويشا، وقد يتصيد الإعلام هؤلاء ويسعى لتلميع سواده، وإشهار فساده، لعدم وجود متخصصين في إعلامنا العربي مع الأسف الشديد، في هذا المجال أو ذاك غالبا.

وهذا ما يصفّق له كأنه لعب بالكرة يتجاذبه الهدافون، ويصفق له الجمهور، ولذلك أسفت أشد الأسف لحضوري هذا الحوار، وبعض هؤلاء والله أعلم بهم عملاء لبعض النظم، وأخونا هذا سوري ترك الحديث عن عذاب الشعب السوري الذي يذبح ويدمر يوميا وتهدم مدنه وحضارته، واشتغل بعذاب القبر إلهاء للناس واشتغالا بما يصرفهم عن قضايا الأمة المصيرية.

كما يشتغل جماعة التدين بالجزئيات ويشغلون الناس بها كطول الثوب، والسدل أو القبض في الصلاة.

والدعوة إلى مذهب معين والتعصب له كأن المذاهب الأخرى الكبرى ضلال وبدعة، وهؤلاء في أنفسهم مقلدون، فكيف يمكن لهم أن يفهموا مدارك كبار الأئمة المجتهدين؟

وكيف يستطيعون أن يحكموا على هذه المذاهب ويرجحوا مذهبا على آخر، بدعوى السلفية، وهؤلاء كلهم من السلف أبو حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد ابن حنبل رضي الله عنهم جميعا.

إن المسلمين اليوم ما يزالون في أمية دينية، ويستجيبون لكل مدع، ولكل من لم يكن ذا اختصاص في علوم الدين يشهد له العلماء بالشهادات والاعتراف بجودة العلم، وصحته، مما يؤهله للإفتاء وتعليم الناس عقائدهم وأحكام دينهم والأئمة كانوا يجل بعضهم بعضا، ولا ينازع بعضهم بعضا.ونحن ندعو إخواننا في الإعلام أن لا يتورطوا مع أمثال هؤلاء المدعين ما ليس لهم من إنكار ما هو مغيب، وما هو منصوص عليه في القرآن مثل يأجوج ومأجوج، وقد وقع التنصيص عليه في التوراة أيضا وينكر بناء السّد كأنه كان حاضرا في ذلك التاريخ أوله أدلة على ذلك في عهد ذي القرنين، ويزعم علمه بالفيزياء، ولا يمكن اعتباره عالما بالفيزياء كما نعلم اليوم كبار الفيزيائيين في العالم، ومتى كان هذا عالما في الفيزياء؟ وهل الفيزياء حجة على القرآن؟ وهي تتغير بتغير العصور، وبتقدم العلم في مناهجه وأدواته؟ والفيزياء اليوم في أزمة، ويرمي علماؤها إلى الخروج من هذه الأزمة.

فليكفّ هؤلاء المدعون ما ليس لهم، والتطفل في مجالات، لا قدم راسخة لهم فيها.

وليكفّ الإعلام الذي يحترم نفسه عن تلميعهم، وإشهارهم بدون حق.

مع احترامنا للإعلام، والعلماء الراسخين الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون معنى العلم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

خدمة الأمازيغ للإسلام والعربية (1-2)

بقلم/ الأستاذ الدكتور عمار طالبي كنت قد استمعت إلى محاضرة عنوانها: “خدمة الأمازيغ للإسلام والعربية” …