الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | الشيخ الحزين/ محمد الصالح الصديق

الشيخ الحزين/ محمد الصالح الصديق

سألته عن حاله، فقال في ابتسامة مصطنعة: حالي كحال السماء في فصل الشتاء.. سحاب، ورعد، وريح، فإذا انقشع السحاب، وظهرت الشمس، وسكنت الريح، ودفئت الحال، فإنما ذلك للحظات ثم سرعان ما يعود كل شيء إلى وضعه!

فقلت له: هذا حال الدنيا كدرها دائم، وصفوها كلمح البرق، وهدوؤها غير مأمون!

وما إن سمع هذا حتى أقبل علي بكل سمعه وبصره، وقال: كنت أعيش بالأمل، وحينما اصطدمت بالنهاية المرة صرت أعيش بالذكرى، ولكن ذكرياتي لا تثير فيّ إلا الأحزان، ولا تريني إلا أشباحا رهيبة مفزعة!

ثم سكت قليلا وأطرق برأسه إطراقة خفيفة ليقول في شيء من الألم والامتعاض: يبدو لي مما عانيته في حياتي من ألوان الشقاء، وضروب المحن والشدائد أن الأرض أرحم بي من هذه الحياة القاسية التعسة، ثم ساق أبياتا شعرية بالأمازيغية (سي مُح امحند)، فقلت له: إن الشاعر يلتقي في معاني هذه الأبيات مع الشاعر المصري الكبير إسماعيل صبري، وسقت له هذه الأبيات وشرحتها له بالأمازيغية:

إن سئمت الحياة فارجع إلى الأر         ض تنم آمنا من الأوصاب

تلك أم أحنى عليك من الأ           م التي خلفتك للأتعـــاب

لا تخف فالممات ليس بماح           منك إلا ما تشتكي من صعاب

وحياة المرء اغتراب فإن ما           ت فقد عاد سالما للتــــــــــراب

فتأثر بالغ التأثر، وانحدرت من عينيه دمعتان كبيرتان مد يده لمسحهما وهو يقول في لهجة حزينة: إن هؤلاء الشعراء هم الذين فهموا الحياة وفلسفوها، وأدركوا أسرارها، واستطاعوا بهذا الفهم وهذا الإدراك أن يصوروا أحزان الناس وشقاءهم في هذه الحياة! فقلت له: نعم قد رأيت هذا في الشاعرين: العربي والأمازيغي، كيف فهما شقاء الإنسان وصوراه أبلغ تصوير! فقال الشيخ: إن الشعراء هم وحدهم الذين لهم قلوب حية، أما الآخرون فقلوبهم بين الموت والحياة! فهممت أن أقاطعه، ولكنه مضى يقول في تحسر وتألم: إنني الآن – وقد أذنت شمسي بالغروب- لا أجد راحة إلا في الصلاة، وذكر الله، وتأمل الطبيعة، وقراءة أشعار (سي مح امحند) والحاج السعيد، والحاج محمد السعيد أُثَزرُوت، ويخيل إليّ أن ما قالوه من الشعر الوصفي الحزين قالوه في حالي!

فقلت له: هون على نفسك، فإذا ساء حالك، وانقطع أملك في الحياة، فارفع رأسك إلى السماء، وهي ما تزال رحيمة بالإنسان فناجها وبثها أحزانك وأشجانك، ففي ذلك راحة من ألمك، وفرجة لكربك، وعلاج لدائك، وأنس لوحدتك، وتسلية عن همك!

فتنهد الشيخ من أعماقه وقال: إني أحمل من الهموم ما لو حملته الجبال لاندكت، فلولا هذه السماء التي أتنسم منها رطبة ندية، لما أطقت الحياة فوق هذه الأرض لحظة واحدة.

واتضح لي بعض أنه كان رب أسرة تتألف من بنين وبنات، يعيشون جميعا في صفو شامل، وعيش رغد، ثم اخترمهم الإرهاب في لحظات، ولم ينج سواه لغيابه عن الدار، نجا من الموت السريع ليموت موتا بطيئا..!

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

علماء أتقياء/ محمد الصالح الصديق

في رحلة لي في كتب التاريخ قرأت: أن قاضي مصر، يخرج قديما لرؤية الهلال في …