الرئيسية | أقلام القراء | الترشيح للمواقع المتقدمة..والتشكيك القديم !/ د. محمد عبد النبي

الترشيح للمواقع المتقدمة..والتشكيك القديم !/ د. محمد عبد النبي

 

لا تزال مواقع المسؤولية تثير لعاب الطامعين أو الطامحين في الجاه والمكانة، ولا تزال التولية أو الترشيح لها يثيران قدرا من اللغط والجدال إلى أن تقوم الساعة، وليس من الصُّدف أن يقوم التنازع على أمر الخلافة بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، مباشرة، ولئن بدا الأمر يسيرا حينها فقد اشتدّ الخلاف حتى انتهى إلى المقاتل والحروب، ولكنها طبائع البشر مهما سمت النفوس، و”الاجتهاد” حين يدفع الأطراف إلى التمسك بالرأي والمنافحة دونه، ولنقل أيضا إنها طبيعة التقارب في قدر الزعامات حين يغيب من تشرئبّ قلوب الجميع إليه، والاستماع – أو الاستسلام- لضغوطات الأتباع والحواشي والعُصب، تسمو على التأثير حينا، وتستسلم له أحيانا.

أخرج البخاري (5/23) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطَعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده“.

وفي صحيح مسلم (4/1884):”…وايم الله إن كان لخليقا لها، وايم الله إن كان لأحب الناس إلي، وايم الله إن هذا لها لخليق- يريد أسامة بن زيد- وايم الله إن كان لأحبهم إلي من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم”. بتكرار القسم في كل مقطع، وبالتنصيص على صلاحه.

أن يتكلم الناس أو بعضهم في اختيار من الاختيارات بعد غياب الرمز فأمر مفهوم، لكن أن يطعن بعضهم أو يشكك في اختيار النبي ذاته فأمر يؤشِّر إلى أن طبائع النفوس يمكن أن تذهب بعيدا حين لا تراعي المقام، أو حين ترسل العنان للشكوك والأوهام ! وقد يخفِّف من هذا الاستغراب ما ذُكر من أن الطاعنين في اختيار أسامة لقيادة الجند إنما كانوا من المنافقين ! وأشار إلى ذلك الطيبي في شرحه على المشكاة (12/3908) فقال:”.. وأما المرتهنون بالعادة والممتحَنون بحب الرئاسة من الأعراب ورؤساء القبائل فلم يزل يختلج في صدورهم شيء من ذلك، لاسيما أهل النفاق، فإنهم كانوا يسارعون إلى الطعن وشدة التكبر عليه..”

ومما يجدر ذكره أن هذا الاختيار من النبي صلى الله عليه وسلم يندرج ضمن التعيينات العسكرية في المجال التنفيذي بمفهوم العصر، حتى لا يعترض معترض متسائلا عن أسباب عدم إخضاع الأمر للشورى، علما بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشار أصحابه في أشدّ الأوقات خطرا – أي في أوقات الحروب- وهي المجالات التي لا تناقَش اليوم إلاّ في الدوائر الضيقة لصنع القرار.

ويبدو أن الطعن في أسامة كان بسبب أنه من الموالي ولصغر سنه، وقد نصّ عليهما القاضي عياض- وغيره- في إكمال المعلم (7/437) فقال:”.. في هذا كله إمارة المولى وقضائه (أي وجواز قضائه) وتقديمه على العرب وغيرهم، ولهذا كان يُطعن عليها، ولصغر سن أسامة، فإن النبى عليه الصلاة والسلام توفي وهو ابن ثمانى عشرة سنة، وقيل: ابن عشرين، وفيه جواز تقديم المفضول على الفاضل فى الإمارة والخلافة، وقد قدمنا ذلك، وإن كان الحال إذا لم يدْعُ إلى ذلك ضرورة، ولا نظرٌ يقتضي تقديم الأفضل والأسنّ، فقد فعل النبى عليه الصلاة والسلام هذا في هذه القصة وغيرها لمعنى رآه من مصالح الأمة، وليبين جواز هذا، ويوسع فيه على أمته”.

وحتى يبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم خطأهم في الطعن فقد ربط الأمر بتشكيكهم السابق في أبيه، وكأنه أحالهم إلى خطئهم في ذلك أيضا، بما أبلاه زيد في المواقع المُسندة إليه، قال الطيبي:” وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث زيد بن حارثة رضي الله عنه أميراً على عدة سرايا، وأعظمها جيش مؤتة، وسار تحت رايته في تلك الغزوة نجباء الصحابة..وكان خليقاً بذلك لسوابقه وفضله وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان بعث أسامة، وقد أمّره في مرضه على جيشٍ فيهم جماعة من مشيخة الصحابة وفضلائهم رضي الله عنهم..”.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تأصيل العلوم الإنسانية طريق التخلص من التبعية/ أ.د. عبد الملك بومنجل

       تعاني الأمة، في موقفها من العلوم الإنسانية أمرين اثنين، كلاهما سبب في كبوتها …