الرئيسية | شعاع | التفكير بصوت مسموع هذه الطاقات المعطّلة.. ما السبيل إلى جمعها وتحريكها؟/حسن خليفة

التفكير بصوت مسموع هذه الطاقات المعطّلة.. ما السبيل إلى جمعها وتحريكها؟/حسن خليفة

ثمة عدد من الأمور ربما صحّ أن نقول عنها بأنها تمثّل “مواجع” أي مصادر ألم في مشهدنا الديني والاجتماعي اليوم. وأقصر الحديث على أمر واحد، في هذه السطور، أرجو ـ من كل قلبي ـ أن نتشارك أنا والإخوة الأكارم من القرّاء والقارئات بعضا من مرارته، لعل في ذلك ما يمكن أن يدعو إلى التفكير في تجاوزه، واستبداله بما هو أحسن وأفضل، وما ذلك على الله بعزيز.

ـ إن هذا “الوجع ” يتصل بما أشار إليه الشيخ الفاضل محمد الغزالي -رحمة الله عليه- في عنوان كتابه الذائع الصيت (الإسلام والطاقات المعطلة) والمراد بالطاقات المعطّلة، ابتداء هنا: هذه الألوف من الطاقات والكوادر وأصحاب المكانة والخبرة والعلم، وهي من الفئات العالمة جميعا، في مختلف التخصصات والمجالات ذات الشأن، وذات الأثر في الإحياء والتغيير وصناعة النهضة وتحقيق منسوب تقدّم ملموس للمجتمع؛ ليس بحكم مهنها ومسؤولياتها فحسب، بل بحكم الصلة المباشرة بين لبّ وروح التغيير وغايته القصوى، وبين كثير من الوظائف والأعمال التي يمارسها هؤلاء الأفاضل: المحاماة والقضاء، الطب والتمريض، التسيير والإدارة، التجارة والتسويق، الفلاحة والزراعة..وغيرها كثير، دون الحديث عن التربية والتعليم الذي “يعجّ” بالآلاف منهم ومنهن…لكن كل ذلك مشروط باعتماد صيغة رسالية ما، في صنيع كل هؤلاء الأفاضل والفاضلات، ثم في مرحلة ثانية..بالتنسيق ـ في الحدّ الأدنى أو الأوسط ـ بينها في سبيل تجاوز الواقع المفروض المصطبغ بالبؤس والتأخر والرداءة والربائنية، والمحكوم بكثير من النفعية الدنيئة؛ حتى شاعت القيّم المادية البذيئة وأصبحت المنافع هي سبيل الوصول إلى أي موقع ذي شأن.وفي ذلك من مظاهر الانهيار ما يكفي للدلالة على عظم الخسارة التي لحقت المجتمع.

نعم..إن كثيرا من ثمرات الصحوة الدينية الأخلاقية المباركة ما كانت لتذهب هدرا لو كان هناك حرص على الحد الأدنى من منسوب الأخلقة والسّموّ والرفعة المعنوية التي كان من الواجب أن تمسّ المجتمع في صميمه وتشكل فيه ذلك الدافع النشط المشرئب ـ دوما ـ إلى المعالي…

إنه من الصعب أن نغض الطرف عن خسارات فادحة لحقت الصفّ الإسلامي الدعوي، وألحقت به الأذى دينيا واجتماعيا وأخلاقيا وتربويا، بسبب من ذلك الركون إلى الدعة والاطمئنان إلى الدنيا والانخراط في مشروعها؛ سواء بإغراءات أو بأطماع..، كما يستوجب التذكير أيضا بذلك الانخراط الأعمى في الشأن السياسي بشكل غير متبصّر، وهو ما أفرغ أو كاد الساحة الدعوية من قامات كان لها دورها في الإحياء الإيماني والتربية والتزكية وإعداد أجيال صالحة طامحة إلى العز والنماء والتميز، مع الوفاء للماضي المجيد والتاريخ المضيء.

إنه من الواجب هنا التذكير بالمسؤولية الكبيرة لنا جميعا ـ أفرادا وجماعات ـ والتي تلحقنا آثارها وتداعياتها بسبب القصور والتقصير في أداء الواجب على النحو المطلوب المحقق للأهداف، وأعظمها طلب رضوان الله تعالى، وبناء نسيج اجتماعي راشد متماسك يستند إلى التقوى ويعزز مقام الاستقامة والنزاهة والبذل.

ولكن ليس من المهم هنا هو التوصيف الخاص بالماضي فحسب، وإن كان هذا الماضي قريبا، وإنما من المهمّ التداعي والتفكير والعمل على ابتكار ما يمكن لاستدراك ما بقي ـ وهو كثير ـ من الطاقات والمهارات والعقول والخبرات التي ما يزال فيها نبض إيمان وإسلام ووطنية، ورؤية مستشرفة لمستقبل يكون للإسلام العظيم دور كبير فيه، في وطننا وفي محيطنا الإقليمي والإسلامي على الأقل، وقد كان بلدنا في مقام الريادة تاريخيا سواء في نهج التحرر والانعتاق والاستقلال.

المسألة ببساطة:…هناك اليوم آلاف مؤلفة من المؤهلين القادرين والقادرات على تشييد المستقبل وفق المنظور الأصيل وبناء مشروع مجتمع متناغم متصالح مع المبادئ والقيّم الإسلامية، منفتح على الدنيا بأسرها، مع اعتزاز بالأصول والتاريخ …

فما الذي يحرّك هذه الآلاف؟

وكيف يمكن أن تقترب من حقل العمل والإنشاء والتشييد؟

وكيف يمكن أن تساهم ـ فعلا ـ وبفعالية في إعادة قطار الوطن إلى سكة الشهداء والمجاهدين الذين قدّموا كل شيء من أجل وطن لا ينبغي أن يكون سوى الجزائر.

كيف يمكن أن نتصوّر هذه الطاقات المعطّلة وقد غدت طاقات متحركة حيّة عاملة ناشطة، كل من موقعه، وفي ميدانه، ولكن في الاتجاه الذي يحقق الأهداف الكبرى: دولة قوية ذات مكانة وهيبة، ومسموعة الكلمة، مجتمع متماسك راق، في إطار مبادئ الإسلام الحنيف، مع تقدم وازدهار ورفاه، وبنكهة تعايش وتوافق وتواؤم يكون مثالا ونموذجا لأشقائنا ولغيرنا بصفة عامة؟.

هذه الكتلة الكبيرة من المواهب والعقول والإرادات والرؤى والخبرة والمكانة في المجتمع هي أحد الهموم/ والعلل الكبيرة التي ينبغي أن نجد لها دواء لتكون إيجابا وقوة وقدرة، وليست كما هي الآن: سلب، وضعف، وتراجع، وانكسار، وعجز..فما السبيل إلى ذلك؟

لعل مسؤولية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كبيرة في هذا الشأن بالذات؛ من حيث وجوب إيجاد آليات وطرق وأساليب لاستيعاب تلك الطاقات الكبيرة المضيئة ودفعها إلى الحركة الفاعلة المثمرة، وذلك باستيعابها وفتح المجال أمامها لتقديم ما يحقق أهداف المجتمع بصفة عامة في التقدم والرّقي والصلاح. وقد نهجت الجمعية نهجا طيبا بزياراتها إلى الشعب وحرصها على عقد اللقاءات مع نُخب الولاية من أعيان وأساتذة ودعاة وأئمة وتبادل الرأي والفكر معهم، وتلك طريقة مهمة، لكن هناك طرق أخرى ربما يكون من الضروري التفكير فيها والعمل على إنفاذها وتطبيقها بأشكال متنوعة، ومنها ما أشير إليه في هذه العجالة:

ـ عقد مؤتمر جامع للباحثين والأكاديميين يستوعب كل الباحثين والباحثات وكثير منهم على علاقات طيبة مع الجمعية.

ـ إطلاق أسبوع سنوي باسم أسبوع الدعوة والدعاة يكون مفتوحا لكل المهمومين والمهمومات بقضية الدعوة إلى الإسلام وبسط سلطانه على النفوس والقلوب والعقول.ويُفترض أن نجد له صيغة تتيح للجميع المشاركة فيه، ويكون كسبا من الكسوب الخالصة لوجه الله تعالى وخدمة دينها، تشرُف الجمعية بالإعداد له.

ـ مؤتمر سنوي ـ أيضا ـ للعمل الخيري تُدعى إليه كل الجمعيات والهيئات ذات الصلة بموضوع العمل الخيري، تشترك في الإعداد والتنظيم والتوجيه، وتعمل لتحقيق مطلب وحيد “ضبط آليات العمل الخيري” في وطننا على إيقاع النفع العام، سواء تعلق الأمر بالداخل، إغاثة ومساعدة ودعما ومرافقة، أو بالخارج كشأن ما يُقدم لأهلنا في فلسطين أو سائر المسلمين..والله المستعان.

Khelifa4@yahoo.fr

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الظاهرة القيادية … !! بعض ما يجب على أهل الصلاح والإصلاح/ حسن خليفة

  أرغب في هذه المساحة لمقال “شعاع ” لهذا الأسبوع التعريف بكتيب صغير، ولكنه بالغ …