الرئيسية | في رحاب الشريعة | الدّرة في حقيقة دور الدولة/ أ. نور الدين رزيق

الدّرة في حقيقة دور الدولة/ أ. نور الدين رزيق

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}[آل عمران: 14]، يقول أحمد مصطفى المراغي عليه رحمة الله: “إن الله فطر الناس على حب هذه الشهوات المبينة”، حيث قال في وضع آخر: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7].

– حب التملك من سنن الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}[الروم: 30]، ولذلك رعى الإسلام هذا الجانب من خلال النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة، مع الإشارة أن ذلك يكون في ضوابط شرعية تحقق المصلحة الاجتماعية – كما يأتي إن شاء الله في سلسلة مقالاتنا هذه – وتحديد مفهوم الملكية يحدد نوع النظام الذي تختاره الدولة، لأن الصراع الذي وقع بين المفكرين الاقتصاديين والاجتماعيين إنما كان في حقيقته في تحديد المفهوم الحقيقي للملكية، وكذلك نوعية الملكية التي يجب أن تتحقق لتتحقق المصلحة الاجتماعية، أو بعبارة أوضح “تحقق العدالة الاجتماعية”. ولم أراد الإطلاع فعليه بكتب تاريخ الفكر الاقتصادي حيث نجد صراع كبير بين مختلف المدارس الاقتصادية، وأظن أنه لا يخفى على أحد الصراع الذي دار بين الشيوعيين (الاشتراكيين) والرأسماليين الليبراليين حول هذا الموضوع وهو الملكية.

ولكن الإسلام رأى في ذلك على أساسه تتحدد دور الدولة من الناحية الاقتصادية.

1– النظرة الرأسمالية والشيوعية لدور الدولة:

إن الدولة في النظام الرأسمالي الحر قدر لها أن تظل محايدة من الناحية الاقتصادية. ولقد أدت الأزمات الاقتصادية الحادة إلى إحداث تعديلات في هذه النظرة، وأصبحت الدولة تلعب دورا أكبر في المجال الاقتصادي، ومع ذلك مازالت الدولة في النظام الرأسمالي أسيرة لمعطيات الواقع الاقتصادي المعين، وأداة في يد الاحتكار للحفاظ على المصلحة. ذلك لأن النظرة إلى فلسفة الملكية مازالت دون تغيير. وما زال دافعا الربح هو الأقوى. ولا تتدخل القيم الاجتماعية في ضبط طاقة المنتجين الكبار إلا قليلا وبالأصح طوعت القيم الاجتماعية ذاتها لتنسجم مع مصلحة المحتكرين إلى حد كبير.

أما الهرطقة الشيوعية فتعتبر الدولة نتاجا برجوازيا، ووجودها دليل على الاستغلال والتحكم، وأن المجتمع الشيوعي الناضج ينتفي فيه وجود الدولة.

الدولة في الفكر الإسلامي:

يعتبر الإسلام الدولة مؤسسة عليا لا غنى عنها لانتظام نمط الحياة الإسلامية، والهيئة التمثيلية المعبرة عن رأي الأمة المكلفة بحماية مصالحها، وعلى الدولة واجبات يجب على أفرادها أن يقوموا بها لتحقيق المصالح العامة.

ليست مسؤولية الدولة في نظر الإسلام خاص بالأمن الداخلي والدفاع الخارجي، بل يجعل منها أداة لرعاية المصالح الاجتماعية والمتمثلة في العدل الاجتماعي، ولا يتم ذلك في الواقع إلا بتحمل مسؤولياتها بالانتصار للفئات الضعيفة، ولا تعتبر في هذه الحالة خصما أو طرف في المخاصمة، وإنما طرفا خارجيا لا يتدخل إلا عند هدر مصلحة أو وقع ظلما، وذلك لحماية الطرف الضعيف. ومن أوصاف المعاملات التي تحمل معنى الظلم والتي حرمها الشارع الحكيم، كالربا والاحتكار والإضرار والغبن والاستغلال وهلم جرا، بل لا تقف عند منع هذه المعاملات، وإنما أيضا منع الأسباب المؤدية إلى هذه المعاملات، فدور الدولة ومسؤولياتها هي إعادة العلاقات والمعاملات المالية إلى حقيقتها.

ومن أهم وظائف الدولة في المجال الاقتصادي ما يلي:

1– مراقبة الفعاليات الاقتصادية: يجب على الدولة أن تشرف على الأنشطة الاقتصادية كمراقبة الإنتاج والإشراف على المبايعات، ومنع أنواع الغش في الأوزان والأسعار، وفي السلع، ومنع الاحتكار للسلع المستهلكة، وتعمل على المحافظة على الصحة العامة وذلك بتفتيش المطاعم والأغذية، وقد كان يعرف بنظام “ولاية الحسبة”.

ما قاله الماوردي (الأحكام، ص: 253)، وابن القيم (الطرق، ص: 241/242).

2- منع المعاملات المالية المحرمة.

3- تحديد الأسعار عند الضرورة.

4- تحقيق الضمان الاجتماعي لكل مواطن.

وتفصيل ذلك سيكون بإذن الله تعالى في مقالات قادمة، والحمد لله رب العالمين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

بلادنا المباركة فلسطين…عربية إسلامية / د. يوسف جمعة سلامة

أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ …