الرئيسية | في رحاب الشريعة | مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية ما هي السيرة النبوية؟/ خير الدين هني

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية ما هي السيرة النبوية؟/ خير الدين هني

قبل تعريف السيرة النبوية والنسب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وأهميتهما في التشريع والعقائد والأحكام والمعاملات والأخلاق، يتعين علي أن أعرج على مبتدعات بعض المستشرقين الذين طعنوا في أنساب العرب وأحسابهم، كما أرسم الصورة التراجيدية التي أرادوا من خلالها تلطيخ نسب العرب لغاية بعيدة مرتبطة بالنبوة والرسالة الخاتمة، والموضوع طويل ولا يسعني الكلام فيه إلا بمقتضب من الحديث بما يحقق الغاية في الربط بينه وبين النسب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم. فالذي ذهب إليه المستشرق -روبرتسن سميث- في دراسته المطعون فيها، والتي أسقط فيها مبادئ مذهبه الوهمي – الطوطمية- على حياة العرب في عصورهم الجاهلية الأولى، إذ رأى من خلال فروضه المزيفة أنهم ينتمون إلى آباء من الحيوانات أو النباتات التي كانوا يعبدونها ويقدسونها، وكانوا -إلى جانب ذلك- يتسمون بأسمائها التماسا للخير والبركة، إذ كانوا يعتقدون الكمال فيها.

وهم في نسبهم – حسب زعمه- لا علاقة لهم بإسماعيل وإبراهيم  عليهما السلام على نحو ما هو معروف في تاريخهم وأنسابهم، لذلك لا تربطهم علاقة قربى ونسب بأجداد التوراة، – يقصد عدم صحة انتساب العرب العدنانية إلى إسماعيل وإبراهيم. وفي نظره أن طريقة عرض القبائل العربية على الصورة الموجودة في كتب التاريخ والأنساب، إنما أخذوها من النسابة والمؤرخين المسلمين في زمن لا يتجاوز القرن الأول من الهجرة. اعتمدوا فيها على ديوان عمر بن الخطاب الذي وضعه لترتيب حقوقهم وأعطياتهم، حسب درجاتهم وبلائهم في الإسلام.

والعرب الأوائل -بناء على رأي سميث في مسألة نظام الزواج- يسري عليهم نظام القبائل المتوحشة في أستراليا وأمريكا وإفريقيا. ولكي يثبت مبدأ الأمومة عند العرب، أجهد نفسه في البحث عن أدلة يدعم بها وجهة نظره. فجعل مبدأ الأمومة عند العرب في جاهليتهم الأولى يشبه نظام الزواج في بلاد التبت اليوم، ذلك أن المرأة تتزوج برجلين أو أكثر حسب الرغبة، خلافا لنظام الزواج المتداول بين البشر، وأولادها لا ينتسبون لأحد من الذين وطؤها، وإنما ينسبون إلى القبيلة ويسمون بطوطمها.

وأصل هذا المذهب (الطوطمية والأمومة) حديث النشأة وأول من تناوله الدكتور (مكلينان) الباحث الاجتماعي الانجليزي (ت. 1881م) فألف كتابا أسماه: الزواج عند القدماء، نشره سنة (1865م). أوضح فيه مفهوم الطوطمية والأمومة عند الشعوب البدائية المتوحشة، وقد لاقت بحوثه انتقادات لاذعة من العلماء، منهم الفيلسوف سبنسر، والسير جون ليك العالم الاجتماعي الشهير، ولاسيما الأول. والغاية من اتهام العرب  الأوائل بالطوطمية والأمومة، هو تلطيخ سمعتهم وأنسابهم بالسفاح، وأنهم متوحشون وبدائيون، وأن نظام زواجهم نظام أمومي، أي: أنهم لم يعرفوا نظام الزواج بعقد الرجل على المرأة إلا في عصور ما قبيل النبوة، لغرض الطعن في تراتبية النسب المعروفة لديهم، وإثبات أنهم أمة عديمة الأصل والنسب، ونسبهم إلى أجداد التوراة كذب وزور.

كما يتيسر لهم نفي النبوة والرسالة، والوحي والإسلام عن نبي الإسلام. فهم بهذا التلفيق والتزوير المتعمدين لحقائق التاريخ والواقع المشهود له من الأمم المجاورة لهم، يريدون تصوير العرب أمام العالم بأنهم أمة لقيطة، لا أصل لهم ولا فصل ولا نسب، ولذلك لا يستحقون شرف الانتساب إلى عائلة التوراة ولا إلى النبوة ورسالة السماء المقدسة، وتعميما للفائدة، ونحن بصدد الحديث عن هذا التزوير المشين والمقبوح، أن أشير إلى مطاعن المستشرقين التي وجهوها نحو تاريخ هذه الأمة المجيد.

– التشكيك في أنساب العرب الأوائل، فهم قبائل طوطمية وأمومية.

– نفي النبوة عن نبي العرب.

– اعتبار الإسلام منقولا عن اليهودية والمسيحية.

– اعتبار القرآن كلاما بشريا، ولا علاقة له بالسماء.

– الذين أبدعوا واخترعوا عبر التاريخ الإسلامي ليسوا عربا.

– نفي الأدب الجاهلي برمته، فهو منتحل، ومن وضع حماد الراوية وحماد عجرد، وهما راويتان كبيران في العصر العباسي الأول.

– الأدب العربي الإسلامي ساذج وبسيط بساطة العقلية العربية. شعر غنائي لا توجد به ملاحم ولا بطولات ولا شعر مسرحي ولا أساطير.

– التاريخ الإسلامي لم ينتج حضارة لها شأن كبير، وكل ما ورد فيه من علوم وفنون وفلسفة، ليس إلا ترجمة واجترارا من حضارات الإغريق والرومان والفرس والهند.

– تاريخ الإسلام حافل بالصراعات المسلحة الدموية، وقد قام على القوة والقهر والبطش والاعتداء وسفك الدماء. (نسوا أو تناسوا بحار الدماء التي أراقها أقوامهم باسم الصليب في الحروب الرومانية المقدسة، وحرق قرطاجنة على أهلها أحياء في الحروب البونيقية، والحربين العالميتين، وحروب نابليون في أوروبا وحرب المائة سنة بين فرنسا وبريطانيا، وحروب بروسيا والحروب الصليبية، وقتل مسلمي الأندلس وإجبارهم على الردة، – الموريسكيون- وقتل الهنود الحمر في أمريكا وحدها 11 مليون، وفي كندا واستراليا، وأمريكا الجنوبية وإجبارهم على النصرانية، وأخذ أموالهم والقناطير المقنطرة من الذهب بعدما أحرق عليهم الأسبان والبرتغاليون مدنهم وقراهم، وما فعلوه بعبيد إفريقيا والفلبين وجنوب شرق أسيا، وكذا الحروب الدموية التي وقعت بين الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وحروب الثورات الإصلاحية كالثورة الفرنسية، وغير ذلك كثير جدا يفوق الحصر).

فدماء الفتن بين المسلمين لا تساوي واحدا  بالمائة، من بحار الدماء التي أراقها الغرب فيما بينهم أو فيما بينهم وبين الأمم التي احتلوها بالقوة في القرن التاسع عشر. دماء فتن المسلمين وفتوح البلدان على مر التاريخ لا تساوي ما أراقته فرنسا وحدها طيلة 132 سنة في الجزائر فقط.

– ونبي الإسلام هرطيق همجي، يعشق متعة النساء – حاشاك بأمي وأمي أنت يا رسول الله، ما قدروك حق قدرك- وقد رددت عليهم بإسهاب وبقوة، وبمعايير علمية وشواهد تاريخية معلومة في مظانها، في كتابي “الرد على شبهات المستشرقين”.

والسيرة النبوية ليست ترجمة مقتضبة تناولت ظروف النشأة والتكوين النفسي والعقلي للنبي صلى الله عليه وسلم، على نحو ما هو جار به العمل مع مشاهير الرجال من العلماء والمفكرين، والأدباء والفنانين ورجال السياسة والمصلحين والمغامرين والطامحين، وإنما هي تدوين شامل وكامل لحياته صلى الله  عليه وسلم، من الميلاد إلى الوفاة، تضمنت دقائق أخباره وحياته، تناولت أصله وفصله ونسبه وحسبه وقبيلته، ومولده ورضاعه ومسترضعيه، ونشأته ويتمه، ورعيه وتجارته وزواجه وأسرته وربائبه، وخلقه وشمائله ولباسه وأكله وشربه ونومه، وتعامله مع زوجاته وأبنائه وربائبه، وجيرانه وأصحابه وأعدائه، ونزول الوحي عليه، وهجرته وتأسيس دولته وغزواته وسراياه وبعوثه، ورسائله إلى الملوك، وتعامله مع طوائف اليهود والقبائل وسادة العرب، وقساوسة النصارى ورهبان اليهود، وغير ذلك مما هو محفوظ في سيرته صلى الله عليه وسلم.

k.henni12@gmail.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

مسجد فوبي اصاب اللائكيين عندنا

الشيخ نــور الدين رزيق / الإعلام العلماني اللائكي الذي تجاهل هذا المشروع الحضاري منذ تاسيسه …