الرئيسية | في رحاب الشريعة | فقه العيد من الخروج إلى الصلاة، وإتمام الواجبات/ محمد مكركب

فقه العيد من الخروج إلى الصلاة، وإتمام الواجبات/ محمد مكركب

الحياة الدنيا عمل متواصل، وجهاد مستمر، وحركة متصلة الحلقات، وما الراحة في فهوم العامة إلا في الجنة، وكما يقال: لا راحة في الدنيا، ولا مفر من الموت، ولا هروب من الحساب. فالمسلم من الصلاة إلى المعاملات ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ومن الصيام إلى زكاة الفطر، وصلاة العيد. قال الله تعالى:﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وإكمال العدة يتم بقضاء الأيام التي أفطرها الصائم في رمضان، وأمر بالإكمال ليأتي بعدة أيام الشهر كاملة، وفي ذلك الإكمال سر من أسرار العبودية الخاصة لله تعالى. ومضت السنة في الإسلام أن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد، ويكبر الإمام أيضا في خطبة العيد.عملا بقوله تعالى:﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى مَا هَداكُمْ﴾.

شرع الله يومي العيد؛ عيد الأضحى، وعيد الفطر، لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. عن أنس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر]( أبو داود.1134).

ما هي صلا العيد؟ وما حكمها؟ صلاة العيد ركعتان تصليان صبيحة يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى، بعد طلوع الشمس بنحو نصف ساعة إلى الزوال. وحكمها سنة مؤكدة، واظب عليها الرسول عليه الصلاة والسلام، والصحابة رضي الله عنهم، والمسلمون جميعا إلى يومنا هذا. ويستحب الغسل  للخروج إلى الصلاة، والأكل قبل الخروج إلى المصلى يوم عيد الفطر، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا. وأما يوم عيد الأضحى، فحتى يعود ويأكل من الأضحية، وفي الأمر سعة.

ويستحب أن تصلى صلاة العيدين في المصلى في ساحات المدن والقرى ليشهدها الناس جميعا، وليكون المظهر الشعائري أبلغ في نفوس الحاضرين والناظرين، وليشهدها من وراء المصلين النساء اللواتي على غير طهارة، ليسمعن الموعظة [ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ](البخاري.956) وعن حفصة، عن أم عطية، قالت:[كنا نُؤمرُ أن نَخْرُجَ يَوم العِيدِ حَتى نُخْرِجَ البِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فيكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ](البخاري.971) وعن أم عطية، قالت:[ أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن نخرج في العيدين، (العواتق، وذوات الخدور)، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين] (مسلم.890)

ولا يؤذن لصلاة العيد، قال إمام الحديث البخاري رحمه الله:[أخبرني عطاء، عن ابن عباس، وعن جابر بن عبد الله، قالا:[لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى](960).

ولا صلاة قبل صلاة العيد ولا صلاة بعدها. عن ابن عباس: [أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها]( البخاري.964) التكبير في الصلاة. عن عائشة رضي الله عنها [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى، في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا]( أبو داود.1149).

ويستحب التجمل يوم العيد، وإن كان التزين للعبادة والخروج إلى المساجد كل يوم مستحب:﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(الأعراف:31) وفي الحديث.عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ] قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال:[ إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ] (مسلم. كتاب الإيمان.91) كما يستحب أيام العيد تبادل الزيارات.

ويستحب في شهر شوال صيام ستة أيام سنة مندوبة لزيادة الأجر، وهذا للمستطيع، إذ أن هذه الستة أيام من شوال ليست واجبة مع رمضان، إنما حكمها أنها نافلة أي أنها من صوم التطوع. ويحسن أن تكون بعد الأسبوع الأول من شوال، فأيام العيد أيام أكل وشرب، ويحرم صوم يوم العيد، لا من أجل السنة ولا من أجل قضاء دين. عن الزهري، قال: حدثني أبو عبيد، مولى ابن أزهر: أنه شهد العيد يوم الأضحى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال:[ يا أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم عن صيام هذين العيدين، أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون من نسككم] (البخاري.5571) وعن سعيد الخدري رضي الله عنه، يحدث بأربع عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:[ لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب ولا تشد الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام، ومسجد الأقصى ومسجدي](البخاري.1197).

التكبير في العيدين: يبدأ التكبير في عيد الفطر من ليلة العيد، حتى تنتهي صلاة العيد. ووقت التكبير في عيد الأضحى من بدء يوم عشرة ذي الحجة إلى غروب شمس يوم الثالث عشر منه. بصيغة.[ الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر، الله أكبر. ولله الحمد].

ومن فقه ما بعد العيد قضاء الدين لمن أفطر في رمضان. أولا: هل يشترط في قضاء الدين في فريضة الصيام التتابع؟ لا يشترط التتابع، من أفطر عددا من الأيام فليقضها متتابعة أو متفرقة، والله تعالى أعلم.

ثانيا: هل القضاء على الفور أم على التراخي؟ كل فرض حان وقت أدائه، وكل دين تعبدي حل وقت استطاعة قضائه، وجب القيام به. فالقضاء على الفور. والله تعالى أعلم. ثالثا: وهل يبدأ من عليه دين قضاء رمضان بسنة شوال أم بقضاء الدين؟ والجواب يبدأ بقضاء الدين، ثم إن استطاع أن يصوم التطوع فعل وله الأجر وإن لم يستطع فلا يحاسب على السنة وإنما يحاسب على الفريضة. وفي الحديث القدسي:[ وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه] (البخاري.6502) وفي الحديث أيضا[ فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى]( البخاري.1953).

رابعا: من نسي زكاة الفطر، ولم يخرجها قبل صلاة العيد فهي دين عليه يخرجها متى تذكرها فور الاستطاعة، ولا إثم عليه، للآية الكريمة﴿ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ وللحديث الشريف:[ إِنَّ اللهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ](ابن ماجة:2043) أما من تعمد تأجيل زكاة الفطر حتى بعد صلاة العيد فعليه إثم. عن ابن عمر، قال: [أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة]( أبو داود.1610).

خامسا: من سافر إلى بلد في رمضان، ووصل إلى البلد المقصود، ونوى اللبث فيه أربعة أيام أو أكثر، وجب عليه الصوم، كما في موطنه، ووجب عليه إتمام الصلاة كما في موطنه أيضا. والله تعالى أعلم.

سادسا: إذا نصح الطبيب المريض بعدم الصيام فهل يعمل بنصيحة الطبيب المسلم؟ نعم إذا فحص الطبيب المريض وقال له يجوز لك الأكل لحفظ صحتك والله هو الحفيظ، جاز للمريض العمل بالرخصة، ثم يقضي متى زال المرض، فإن كان المرض مزمنا، يفطر ويطعم عن كل يوم مقدار نصف صاع من الطعام، وأقله مد.

سادسا: الفتى والفتاة اللذان تركا الصوم بعد البلوغ جهلا، ثم علما أنه بعد ظهور علامات البلوغ وجب عليهما الصوم، كالفتاة التي حاضت ولم تعلم أنه يجب عليها أن تصوم. الواجب عليها أن تقضي تلك الأيام التي أفطرتها. والله أعلم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجالس السيرة النبوية/ خير الدين هني

دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية الحكمة من تفضيل بلاد العرب برسالة السماء (5)   …