الرئيسية | قضايا و آراء | أسير ولا كل الأسرى!/ علي حليتيم

أسير ولا كل الأسرى!/ علي حليتيم

كان محكوما عليه بالإعدام ومسجونا في جناح السجناء الذين يشكلون خطرا على أمن إسرائيل وهو القسم الذي تسميه الإدارة: جناح حماس.

السجون انفرادية في معظمها وواقعة تحت الأرض حيث لا نور إلاّ ضوء مصباح أصفر يضيء بالليل والنهار فلا ليل في الزنزانة ولا نهار، غير أنّ إدارة السجون تخرجهم بين الفينة والأخرى إلى الساح ساعة من نهار حتى لا يصيبهم العمى وحتى يقال إن إسرائيل تحفظ للإنسان بعض الحقوق.

كان محمود يلقى عناية خاصة جداً من إدارة الاحتلال لأنه شارك في العملية التي قتل فيها ثلاثة جنود إسرائيليون وشهد لها ضباط العدو بالنوعية والإتقان.

كان محمود يوضع في “الثلاجة” أربع ساعات في اليوم حتى يصبح جلده مثل الورق ويفقد كل إحساس “لو أنَّ أحدهم قطع جلدي بالمقص وأنا في تلك الحال لما أحسست بشيء” يقول محمود، ثم يُسحب وهو في ذلك الحال من يديه ورجلاه تخطان الأرض إلى ساح السجن فيعرض عاري الظهر لأشعة الشمس وخلفه رياشة هواء ساخن تعين الشمس على صهر ظهر محمود الساعات الطوال وعلى عينيه سلط منوار (كشاف ضوئي) وفي أذنيه مكبر صوت يبعث ضجيجا لا يُطاق. يدوم العرض أربع ساعات أحيانا وينتهي أحيانا أخرى بكيس من البلاستيك يوضع فيه غائط أحد الجنود اليهود يُلف حول رأس محمود ثم يقاد إلى الزنزانة تحت الأرض.

– هل كُنتُم يائسين من الخروج؟

– لم يكن أحد يفكر في الخروج وكلهم كانوا من أصحاب المؤبدات حتى إنّ بعضهم كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد ستة عشر مرة لكننا كنا نعيش مع القرآن نقرؤه كلَّ يوم ونتنافس على حفظه وننال فيه الإجازات بالسند المتصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم!

– وماذا حصل بعد ذلك؟

– صلينا الجمعة مرة، وكنا نصليها حين يخرجوننا إلى الساح فقال لنا الإمام:” إني داعٍ فأمنوا!” وأخذ يدعو قائلا:” اللهم إنَّا نقسم عليك أن نخرج من سجننا هذا العام وأن نحج بيتك الحرام هذا العام” فأمّن بَعضنَا أملا في الله الرحيم الذي لا يعجزه شيء وأمّن آخرون حياء من الشيخ وهم لا يتصورن أنفسهم قد خرجوا وحجوا بيت الله الحرام في ذات العام!

وجاءت صفقة الأحرار التي تبادلت فيها حماس الأسرى مع العدو وخرج هؤلاء السجناء المحكوم عليهم بالمؤبد عدة مرات من سجون إسرائيل وخرج محمود بعد عشرين سنة قضاها في سجون العدو. كانت حافلتان على أهبة الانطلاق لتنقلهم إلى وجهتهم خارج السجن: الأردن ومصر ومنها إلى تركيا، وعلى باب الحافلة وقف ضابط يهودي يتأمل، للمرة الأخيرة، في السجناء الذين كان يسومهم سوء العذاب فقال لمحمود وهو يهم بالركوب:

– يكفي يا محمود! لقد عملت ما عليك! خذ لك شقة في لندن أو باريس واسترح قليلا! (كانت إشارة واحدة من أحد القادة الفلسطينيين تكفي كي يوفر له اليهود شقة في أي عاصمة أوروبية يختارها مع وثائق إقامة صحيحة).

فقال له محمود:

– لقد اغتصبتم أرضنا بالقوة وسجنتمونا فيها! لكن أقسم لك أنه سيأتي اليوم الذي نحرر فيه أرضنا وندفنكم فيها!

فقال له الضابط:

– لو أن الأمر بيدي لأرجعتك إلى السجن الآن عشرين سنة أخرى!

فقال له محمود:

– الحمد لله أنَّ الأمر ليس بيدك لكنه بيد الله!

في تركيا استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفقة وزير خارجيته آنذاك أحمد داود أوغلو الوفد الفلسطيني في أفخم قصر في إسطنبول، وحول طاولة الرخام الخالص والخشب النفيس التي كان يجتمع حولها الخليفة وحاشيته قال لهم أردوغان:

– ماذا تطلبون وبم نخدمكم!

فقال له محمود:

– يا سيادة الرئيس! نشكرك على كرمك لكن الفلسطيني لم يتعلم أن يطلب من أحد شيئا! وإذا كان لابد من طلب واحد فإننا نطلب أن نعود إلى أرضنا لنحررها أو نقضي فيها شهداء!

التفت الرئيس التركي إلى وزير خارجيته أحمد داود أوغلو وقال له:

– ألم أطلب منك يا أحمد أن تحضر أولادك ليتعلموا الرجولة من هؤلاء الفلسطينيين!

في ذلك العام حج كل الأسرى المحررين إلى بيت الله الحرام.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ضباب في التربية!/ علي حليتيم

‏‫في رواية عائد إلى حيفا للروائي الفلسطيني غسان كنفاني الذي قتله الموساد الإسرائيلي يحكي لنا …