الرئيسية | على بصيرة | سحب دكناء، فوق سمائنا الزرقاء/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

سحب دكناء، فوق سمائنا الزرقاء/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

من غريب المفارقات في وطننا، وعبر كامل أرجاء أمتنا، أن تتلبد سماؤه، بالغيوم في عز الربيع، وأن يشعر الناس، في نهاية الربيع وبداية الصيف ببرد الصقيع.

فهذه رعود تصم الآذان، وهذه سحب دكناء، في جميع الأركان، وهذه سيول وفيضانات تقشعر لها الأبدان؛ فهل كان غضب الطبيعة هذا، لونا من ألوان العقاب الإلهي ضدنا – بما فعل السفهاء منا؟!

إن الغريب- في كل هذا- هو أن تتحالف الأوضاع الطبيعية الفيزيقية، مع تدهور الأوضاع الإنسانية، بجميع مكوناتها وتبعاتها. فالمتأمل لواقع وطننا وأمتنا تهزه هذه الزعازع، التي تَؤز بلادنا العربية بدءا بحدود البحر الميت، وانتهاء بضفاف المحيط الأطلسي…

إنها تقلبات على أكثر من صعيد، حيث الكبت الذي يكمم الأنفاس، والقتل للأبرياء، يأتيه نفر من الأرجاس، والاعتقال التعسفي والاختطاف القهري لمجرد الوشاية من الوسواس الخناس.

فسماء الخليج العربي التي لا تعرف الأمطار إلا لماما، غشيت سماءها وأرضها غيوم دكناء، ورياح هوجاء، سمّمت كل علاقات الإخاء، وبددت أواصر الود والصفاء، فتنكر الأخ لأخيه، وأغار على فصيلته التي تؤويه، ولم يعد له في أرضه من يحميه أو ينجيه.

فما هذا الذي يجري في سماء وأرض البلاد الخليجية، وقد عهدناها واحة وئام، وانسجام؟

ما الذي جعل العقارب تدب بين الأقارب، وبينهم كل وشائج الإخاء والإباء والدماء؟ هل هو غضب الله على الربوع؟ وما عهدنا هذه الربوع إلا مهد إسلام وسلام تنعم فيه الجموع؟

إنها البذرة السياسية الخبيثة، والنعرة الطائفية المقيتة، والذات المصلحية المميتة..

ألم يأن – إذن- لأبناء الخليج العربي المسلم، أن يدفنوا أحقادهم، وينهضوا فيعيدوا بناء اللحمة، ويتخلصوا من كل ألوان الشحنة، ويبرؤوا إلى الله من كل نقيصة أو فتنة؟ إنّ قوتهم في اتحادهم لا في شتاتهم، وإن مصلحتهم في جمع كلمتهم، لا في اتباع شهواتهم، ففي ذلك كسر لشوكتهم وبيضتهم.

وما يقال عن سماء الخليج، ينسحب على اليمن الذي أخنى عليه الزمن، فأصبح لقمة سائغة، في أفواه مَن، ومن؟

إن الوطن اليمني غفور رحيم، وهو يتسع لكل الطوائف اليمنية الزيدي منها واليزيدي، والشيعي والماتريدي، واليمني الأصل والخليجي السعودي.

فإذا عرجنا، على أرض الكنانة مصر النيل والأهرام، والفنان والفنانة، هالنا ما يحدث في مصر، من تأزم اقتصادي قاتل، ومناخ سياسي خاذل، وشتات طائفي عازل، فأين غابت حكمة سعد زغلول، وعبد الناصر، وحسن البنا، ومهندسو فك المعادلات، وإيجاد الحلول؟

إن الحل – للخروج من أزماتكم- يا بني مصر الأعزاء، يكمن في ما نجحت فيه الجزائر، بنظام المصارحة والمصافحة والمصالحة، فالوطن المصري ليس مُلكا لطائفة أو طبقة أو طغمة، مهما تكن قوتها ومكانتها، وإنما هو وطن للجميع، وينبغي أن يتعاون على بنائه الجميع. لتكن لديكم الشجاعة في أن تتجاوزوا أسباب ضعفكم، لتخرجوا إلى العلن، فتبددوا السحب الدكناء، التي ما فتئت تلوث سماءكم وأرضكم، وتهدد وحدة أرضكم وعرضكم، وتعطل أداء واجبكم وفرضكم.

ولا ننسى في خضم هذه الرعود والسحب الدكناء، أرض ليبيا الشقيقة، العزيزة، السمحاء.. فقد غشيتها أمواج من الفتن، وعصفت بأمنها، جحافل من أهل المحن، فاختلطت في بحرها البوارج والسفن، بتعميق الإحن.. فيا لقسوة الإنسان والزمان!

وبينما ننعم نحن في الجزائر بالأمن والأمان والإيمان، ها هي علامات قيام الساعة تبزغ علينا من الغرب، المتآمر والمتواطئ مع المتآمرين، فيبعث إلينا بالنذر التي تلوث عقول شبابنا، وتهدد بزوال وحدتنا، وتلوح بالعصبية النتنة المقيتة، في جزء غال من وطننا، ما عرفنا أبناءه، إلا في طليعة التحرير المجيدة، والاعتزاز بشوكة الإسلام التليدة.

أليس من أشراط الساعة، أن ينعق ناعق في الجزائر اليوم، بمجرد التفكير في التجزيئية، وفصل جزء عن الأمة الجزائرية؟

إن كل جزائري – مهما تكن قناعته السياسية، أو الأيديولوجية أو العقدية- مطالب بأن يعلنها صريحة فصيحة، بأن التجزيئية الإقليمية أو الشعبية خط أحمر، وأن وحدة الوطن الجزائري هي الصخرة التي ستتحطم عليها، كل محاولات الأعداء والعملاء، رغم الداء والأعداء.

لسنا، في جمعية العلماء، من دعاة العنف أو القمع أو استخدام اليد الحديدية، إلا مع من تسول له نفسه ضرب وحدتنا، والاعتداء على أمتنا، والاستهانة بجبهتنا، فذلك أقسى أنواع العنف والعدوان، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة البقرة، الآية: 194].

فيا بنو وطني إنّ كل شيء، يمكن أن نتسامح فيه، وأن نتجاوز عنه، وأن يغفر بعضنا لبعض، إلا في قضية الوحدة الوطنية، فذلك رباط مقدس لا يجوز بأي حال من الأحوال المساس به، وإن..

كل من يبغي اعوجاجا             رجمناه كإبليسا

هذا هو النشيد الذي كنا نتغنى به ونحن صغار وسنظل نعمل به إلى أن نلقى الله.

﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ * إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة الأنفال، الآية: 63].

عن المحرر

شاهد أيضاً

وا محمداه!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

في ليل أمتنا المظلم البارد، وقد طال، فاشتد فيه كربنا، وادلهم دربنا، واشتعلت حربنا، فمن …