الرئيسية | وراء الأحداث | هل تفتح الجزائر للأقدام السوداء؟ عبد الحميد عبدوس

هل تفتح الجزائر للأقدام السوداء؟ عبد الحميد عبدوس

طفت من جديد قضايا الذاكرة وملفات التاريخ المفتوحة بين الجزائر وفرنسا على الساحة السياسية والإعلامية بعد دعوة الوزير الأول، أحمد أويحيى في نهاية الشهر المنصرم، المصدرين الجزائريين للاستعانة بفئة “الأقدام السوداء” من أجل تعزيز دخول الصادرات الجزائرية إلى الأسواق الأوروبية والفرنسية، بصفة خاصة.

هذا التصريح المثير للجدل جاء بعد يومين من عودة أحمد أويحيى من زيارة لفرنسا بتكليف من الرئيس بوتفليقة، لحضور اجتماع دولي خصص لمعالجة الأزمة الليبية، وقد استقبل الوزير الأول أويحيى خلال هذه الزيارة من  طرف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون.  واعترف أويحيى أن لقاءه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تضمن انشغالات باريس فيما تعلق بالجانب التاريخي وحيثيات فتح الباب أمام الأقدام السوداء للعودة إلى الجزائر التي تعتبر بلد الولادة بالنسبة لهم.

وبعد الهزة التي أثارها في أوساط الرأي العام الوطني تصريح أويحيى الذي أدلى به في حفل توزيع جائزة أحسن مؤسسة جزائرية للتصدير خارج المحروقات لسنة 2017، سارع على غير العادة غريمه السياسي أو حليفه السياسي اللدود جمال ولد عباس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني إلى تبرير كلام أحمد أويحيى وتغليفه بطابع اللياقة السياسية معتبرا أن “تصريحات الوزير الأول حرفت عن معناها” وأن أويحيى لم يقصد التعامل مع الأقدام السوداء بل التعامل التجاري مع الفرنسيين.

ولكن حركة مجتمع السلم، قرأت بعدا آخر في تصريح الوزير الأول، وأدانت ما أسمته “الجرأة على الاستعانة بالأقدام السوداء وفتح المجال لمن غدروا الشعب الجزائري وعذبوه ورعبوه أثناء الاستعمار الفرنسي”.

كما استنكرت المنظمة الوطنية للمجاهدين تصريح أحمد أويحيى في بيان لها جاء فيه:” تستنكر مثل هذه التصريحات التي تمس بكرامة الشعب الجزائري وتسيء إلى تاريخ ثورته من قبل مسؤولين في القيادة العليا”.

والمعروف أن اتفاقية إيفيان التي أوقفت الحرب بين الجزائر وفرنسا ضمنت للفرنسيين الراغبين في الحصول على الجنسية الجزائرية حق البقاء والاحتفاظ بأملاكهم، إلا أن غالبية الفرنسيين المولودين في الجزائر(الأقدام السوداء)  فضلوا المغادرة الطوعية للجزائر غداة الاستقلال بسبب الخوف أو بهدف حرمان الجزائر المستقلة من الاستفادة من خبراتهم الإدارية والاقتصادية والعلمية لإيقاعها في الفراغ والفوضى ونقص الإطارات المؤهلة لقيادة حركة التقدم. حتى أن الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان من أقل ضباط الثورة الجزائرية توافقا مع الاحتلال الفرنسي، وكان من المعارضين لاتفاقيات إيفيان بصفته قائدا لأركان جيش التحرير الوطني، أدلى في 19 مارس 1969 بتصريح للأسبوعية الفرنسية (لونفال أوبسرفاتور) قال فيه:” لقد فقدنا مليونين من الجزائريين، مليون من الأموات (الشهداء) ومليون من الذين غادروا البلاد (الأقدام السوداء)”.  أي أن الجزائر كانت تعتبر الأقدام السوداء الذين غادروا الجزائر بإرادتهم ولأسباب تخصهم هم من أبناء الجزائر الذين فقدتهم بعد الاستقلال.

ورغم أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ذكر في جويليه 2016 بمناسبة الذكرى الـ 54 للاستقلال، رفض الجزائر طلبات إعادة الممتلكات أو التعويض عنها للمستوطنين الفرنسيين والأجانب (الأقدام السوداء) الذين تركوها عقب الاستقلال وعلى مشروعية تصنيفها ضمن أملاك الدولة،  مؤكدا في رسالته أن الجزائر:” اتخذت إجراءات مشروعة، لاسترجاع هذه الممتلكات الفردية والجماعية ضمن ملكية الدولة”.

إلا أن بقايا “الأقدام السوداء” مازالوا متمسكين بمشروع العودة إلى الجزائر، بل إنهم يعتبرون ذلك حقا طبيعيا وقانونيا، كما يطالبون باسترداد ما يزعمون أنها ممتلكاتهم التي تركوها بعد فرارهم وتركهم لها بعد الاستقلال. وتشكل فئة الأقدام السوداء إلى اليوم أحد اللوبيات الضاغطة في سياسة فرنسا  خصوصا في ما يتعلق بالعلاقات الجزائرية الفرنسية وهم يستعملون الأدوات القانونية والإعلامية والسياسية والتشريعية للضغط على الجزائر للقبول بعودة الأقدام السوداء واسترجاع “أملاكهم” في الجزائر.

وفي 21 ديسمبر 2016 قدم 15 نائبا فرنسيا مشروع قانون جديد لرئاسة الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) يعترف بمسؤولية فرنسا في التخلي عن المرحلين من الجزائر أو من يعرفون بفرنسيي الجزائر من أقدام سوداء وغيرهم، بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في إيفيان، واتهم الجزائر صراحة بارتكاب ما زعم أنها مجازر وتعذيب واغتصاب وابتزاز واضطهاد في حق من سماهم فرنسيي الجزائر غداة الاستقلال في 5 جويلية 1962.

وورد في نص مشروع القانون:”المجازر التي تعرض لها مواطنون فرنسيون في الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 لا تحتاج إلى أن يتم إظهارها وإبرازها، لقد كانت هناك اغتيالات عديدة وعمليات اضطهاد، واغتصاب وتعذيب ونهب واختطاف، وإلى اليوم بقيت من دون أي عقاب، والدولة الفرنسية اختارت ألا تحمي مواطنيها وهذا القرار وجب أن يتم تصليحه”.

وفي 27 سبتمبر 2017 قدمت مجموعة نواب فرنسيين مشروع قانون للجمعية الوطنية يزعمون فيه أن الجزائريين ارتكبوا ما سموه “مجازر مروعة وعمليات انتقام وإعدام علنية بالساحات العامة”، في حق الفرنسيين والأوروبيين بمدينة وهران في 5 جويلية 1962، مطالبين الدولة الفرنسية بالاعتراف.

وفي عرض الأسباب قال أصحاب المبادرة إن تاريخ هذا اليوم -5 جويلية 1962- كتب بدماء أبرياء تم سحلهم في الساحات العامة وقتلوا بالبنادق والسكاكين، مشيرين إلى أن الشهادات التي تم جمعها تفيد بقتل المئات بل الآلاف من الفرنسيين والأوربيين في ذات اليوم بوهران، التي كان فيها 100 ألف فرنسي عند إعلان استقلال الجزائر..

إن عودة الحديث، وعلى المستوى الرسمي، عن ضرورة الاستفادة من الأقدام السوداء “بما لهم من ثقل يمكنهم من أن يوفروا السند لولوج الأسواق الدولية”  قد تكون  مؤشرا على طبخة جديدة لوضع مقاليد الاقتصاد الوطني في أيادي من لا يضمرون الخير للجزائر، والذين فضلوا التخلي عنها في وقت الشدة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا وراء قرار سعي الاتحاد الأوروبي لتغيير قانون الأسرة؟/ عبد الحميد عبدوس

لم تتوقف الضغوط الغربية ومناورات الحركات التغريبية في الجزائر على المرأة الجزائرية وعلى قانون الأسرة …