الرئيسية | بالمختصر المفيد | الإسلام وسط..!/كمال أبو سنة

الإسلام وسط..!/كمال أبو سنة

يتميز المنهج الإسلامي عن سائر المناهج الأخرى بأنه رباني، وسطي، معتدل لا يقبل الإفراط كما لا يقبل التفريط، خالٍ من الغلو والتقصير، متوازن في عقيدته وشريعته وأخلاقه وعبادته. فكانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة الوسطية التي هدتها إلى الاستقامة فنالت الخيرية، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، وقال عز وجل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6-7]، وقال أيضا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

لقد ابتلي الإسلام في عصرنا هذا بفئتين من الدعاة أساؤوا إلى الدين الإسلامي من حيث لا يعلمون، فزادوه رهقا، وحملوه من أثقال الهموم ما هو في غنى عنها بالأخص وأن قذائف خصومه الأذكياء تُرمى نحوه من كل جانب لعلهم يصيبونه في مقتل، ولكن الله عز وجل، دائما يجعل كيدهم في نحرهم، ويحفظ دينه وشريعته.

أما الفئة الأولى من هؤلاء الدعاة فهم الذين اتخذوا من التنطع مذهبا، ومن التشدد طريقة يعرضون بها الإسلام حتى شوهوا وجهه الحسن وشكله الجميل، والغلو دائما لا يأتي بخير، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من انتهاج طريق الغلو والتنطع الذي سار فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقال: “إياكم والغلوَ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين” أخرجه أحمد وابن ماجه. وأرشد أتباعه إلى ترك التشدد، ودعا إلى التيسير فقال: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة” [متفق عليه].

قال الإمام ابن حجر رحمه الله: قوله: (“فسددوا” أي: ألزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط). وقال في قوله: “ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه” (أي: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيُغلَب..)؛ كما أنه صلى الله عليه وسلم توعد الغلاة المتنطعين بالهلاك، فقال: “هلك المتنطعون” قالها ثلاثا. [أخرجه مسلم]. قال الإمام النووي رحمه الله: (“المتنطعون”: المتعمقون المشدِّدون في غير موضع التشديد). وقال أيضا: (“هلك المتنطعون” أي: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم).

ولما علم الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بأن أناسا من أصحابه عزموا على هجر النساء وعدم الزواج، وترك النوم وقيامه كله بالصلاة، ومواصلة الصوم، غضب وتبرأ من هذا الغلو والتشدد الذي ما أنزل الله به من سلطان، فقال: “والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني: أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” [متفق عليه].

والفئة الثانية هم الدعاة المتسيبون باسم التيسير والعصرنة الذين يحاولون عرض الإسلام كما يريده الآخرون وترتضيه شهواتهم، والأصل أن ينقاد الناس لما تدعو إليه الشريعة لا أن تنقاد هي لهم تبعا لأهوائهم حتى يرضوا: ﴿ أَرَأَيْتَ مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43].

والحق أن الإسلام دين تيسير كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وأحكامه في الأصول الثابتة محكمة البناء، صالحة لكل زمان ومكان، لأن الذي وضعها رب الأرض والسموات وخالق الإنسان، وهو أعلم بما يصلح له ويصلحه، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في (الموافقات): “إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على الطريق الوسط العدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط والاعتدال، ورأيت التوسط فيها لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه”، أما مساحة الأحكام الفرعية أو الجزئية فهي أوسع، بحيث يستطيع المسلم أن يختار منها القوي الصالح لعصره ومصره.

إن الإعراض عن هذه الوسطية – كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي – هو الهلاك بعينه، والضياع في الدين والدنيا معا. إذا كان هذا الإعراض جنوحا إلى جانب التسيب والانفلات، وهو جانب التفريط والتقصير، بـإضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والسير في ركاب شياطين الإنس والجن، وباعة الفجور، ومروجي الإلحاد والانحلال، ودعاة المادية المجحفة، والإباحية المسرفة: فهلاك هؤلاء محتم وفق سنن الله تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: 69].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين) (2/496): “وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد…”.

فما أحوجنا إلى اتباع الصراط المستقيم، صراط أهل الوسطية والاعتدال الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نعمة الشباب..!/ كمال بوسنة

النصوص القرآنية والنبوية كثيرا ما تمدح الشباب الواعي برسالته في الحياة، ولم تدفعه نزوات نفسية …