الرئيسية | أقلام القراء | رمضان في المهجر – واهتمام الجزائر بالبعد الإسلامي بجاليتها/ سعدي بزيان

رمضان في المهجر – واهتمام الجزائر بالبعد الإسلامي بجاليتها/ سعدي بزيان

كانت الجزائر أول بلد مغاربي يولي اهتمامه بجاليته في المهجر وفرنسا خصوصا، وذلك قبل الاستقلال وبعده – فكان “لجمعية العلماء والمسلمين الجزائريين” السبق في هذا المضمار، حيث أرسلت الطلائع الأولى من الوعاظ والمرشدين إلى فرنسا في 1936 وذلك بقيادة المجاهد الفضيل الورتيلاني، وظلت الجمعية تسير على دربه إلى منتصف الخمسينيات، حيث غلق معهد  ابن باديس ومنعت جمعية العلماء من النشاط. وعند استقلال الجزائر اضطلعت “ودادية الجزائريين بأوروبا” بمهمة تأطير الجزائريين وربطهم بالوطن -وطنا ودينا وهوية- غير أنها وإن وقفت في تأطير عمالنا على الصعيد العمالي والوطني، فإنها لم تكن مؤهلة للقيام بعمل ثقافي ونشر الثقافة الإسلامية وسط جاليتنا التي كانت تفتقد إلى وعاظ مرشدين وأئمة.

تعيين الشيخ عباس بن الشيخ الحسين كأول عميد لمسجد باريس:

فقد تسلم الشيخ عباس مهام منصبه كأول عميد لمسجد باريس وهو يحمل الجنسية الجزائرية في سنة 1982، حيث دشن عهدا جديدا لم تعهده جاليتنا قبله، فقد قاد العمل الإسلامي في فرنسا بجدارة واستحقاق، واستطاع خلال فترته القصيرة “1982-1989” أن يزرع العشرات من الوعاظ والمرشدين في كامل أنحاء التراب الوطني الفرنسي، وأن يستقبل مسجد باريس في شهر رمضان مزيدا من الوعاظ والمرشدين ومن المقربين من مصر أيضا، ولا تزال الجزائر على العهد باقية، وفي هذه السنة قبيل مغادرتي باريس استقبلت فرنسا حوالي 109 أئمة ومرشدين وحفظة القرآن للقيام بالوعظ والإرشاد وأداء صلاة التراويح، وقد تم توزيعهم على كافة التراب الفرنسي، واحتفظ مسجد باريس بمرشد ومصل للتراويح، غير أن وصول هؤلاء الأئمة من الجزائر ومثل هذا العدد من المغرب لم يرتح له الإعلام الفرنسي وخاصة الإعلام اليميني وبالأخص جريدة “لوفيغارو” LE FIGARO – الصادرة عن مؤسسة ديشون للطيران، وهو من أصل يهودي وكوكبة من صحافييه “يهود صهاينة” يتزعمهم إريك زمور، وهو من يهود الجزائر، وبالضبط من مدينة العلمة ولاية سطيف. وتتعجب صحيفة لوفيغارو وهي ترى هؤلاء الأئمة يصلون تباعا بموافقة الحكومة الفرنسية العلمانية التي تتحدث عن الإسلام الفرنسي LISLAM DE France  بعيدا عن النفوذ الأجنبي، وتعمل العكس!

ورأينا مؤخرا ونحن نعيش في باريس ونتعايش يوميا مع الإعلام الفرنسي الذي ما انفك يواصل هجماته على الوجود الإسلامي الفرنسي، ويتحدث بإسهام عن الإسلام السلفي الذي يغزو المساجد، وأن بعضا من هؤلاء الأئمة تم طردهم من فرنسا، كما هو الشأن مع أحد الأئمة في أحد المساجد في مرسيليا، وهو من أصل جزائري تم طرده من التراب الفرنسي بدعوى تحريضه على قتال الكفار واليهود..! إن موضوع الأئمة في فرنسا أصبح الحديث عنه هو الشغل الشاغل للإعلام الفرنسي في حين لم يستطع نظام ماكرون الحسم في قضية “تنظيم الإسلام الفرنسي”. وقد وعد ذلك في حملته الانتخابية بأنه يعمل على حل الإشكالية في السداسي الأول من عهدته وهو حاليا في السداسي الثالث ودار لقمان على حالها، كما يقال، وأن صديقه كريم القروي قدم له قراءة جديدة في تنظيم الإسلام الفرنسي في كتاب له بعنوان LISLAM UNE RELEGION FRANCAISE  “الإسلام ديانة فرنسية” ولكن كيف؟ أي إطارات مسلمة فرنسية قادرة على التكفل بالإسلام دينا وعقيدة، وإقامة مساجد ومعاهد لتكوين الأئمة؟ ومن يدفع أجور هؤلاء؟

وفرنسا بحكم قانون العلمانية لا تمول المشاريع الدينية ولا تدفع أجور رجال الدين، ولا ترمم كنائسهم ولا معابدهم..! والغريب أن فرنسا تقدم مساعدات للمدارس الدينية المسيحية واليهودية ولا تقدم مساعدات للمدارس الإسلامية كما تفعل بلجيكا وهولاندا والسويد، وقد عاينت ذلك شخصيا خلال زيارتي للبلدان المذكورة وتحدثت فيها مع شخصيات إسلامية، وقد أكد لي ذلك رئيس الجمعية الإسلامية في السويد وعميد مسجد ستوكهولم المركزي ومدير المركز الثقافي الإسلامي في بروكسيل عاصمة بلجيكا، وها هو كاتب إسلامي يشارك في هذا الجدل “الحامي الوطيس” فيقول الأستاذ هواري بويسا في مقال مطول له:” إن الإسلام تاريخ فرنسي يجب أن يتم تدريسه، ذلك من أجل الاندماج لهذه الديانة التي هي جزء من تاريخ فرنسا”. وقد رأيت ونحن في شهر رمضان وصمنا أيامه الأولى في باريس ووقفنا على مواقف الإعلام الفرنسي من وصول 300 إمام من أقطار ثلاثة إلى فرنسا غداة بدء شهر رمضان، وكانت “لوفيغارو” أول جريدة فرنسية تستنكر وصول هؤلاء الأئمة بموافقة الحكومة الفرنسية وبالتفاوض والتفاهم مع 3 دول أجنبية في الموضوع، وهي: الجزائر والمغرب وإلى حد ما تركيا، وها هي ابنة حركي تدعى جانيت بوغراب المسكونة بكره الجزائر تعلن استنكارها لاستقدام هؤلاء الأئمة في شهر رمضان، وتعتبر ذلك “بدعة” وهرطقة ما لها نظير! وقالت الجريدة أن أسرة جانيت بوغراب دفعت ثمنا غاليا من أجل الدفاع عن فرنسا، وتساءلت بوغراب قائلة:”كيف استصاغ وزيرا الداخلية والديانات الفرنسي الموافقة على استقبال هؤلاء الأئمة الأجانب إلى فرنسا في شهر رمضان؟ أليس غريبا أن نتحدث عن “إسلام فرنسي” ونستقبل أئمة أجانب في فرنسا في شهر رمضان؟! وتنويرا لقراء جريدة “البصائر” وضعنا أمامهم صورة لجريدة لوفيغارو وبحروف كبيرة تتحدث عن استقبال 300 إمام أجنبي في فرنسا في شهر رمضان وهو مزعج، بل مرعب بالنسبة لجريدة عودتنا من خلال ملحقها الأسبوعيLE FIGARO MAGAZINE الهجوم على أبناء المغرب العربي والإسلام، ويتزعم هذه الحملة أحد كتاب المجلة وهو إريك زمور ومعه فينكل كراوت وهما يهوديان صهيونيان، وقد سبق الحملة ضد الأئمة حملة أخرى وهي “معاداة السامية” واتهم أبناء المسلمين بأنهم وراء “معاداة السامية” انطلاقا من دينهم وخاصة القرآن.

وقد ذهب الأمر ببعضهم إلى المطالبة بحذف السور التي تتحدث عن اليهود في القرآن الكريم بصورة عدائية! وتدخل أحد المختصين في الإسلام من الجزائريين، وقال:” لا ينبغي الحديث عن حذف بعض السور بل علينا قراءة القرآن قراءة نقدية وصدق المثل القائل:”جاء كحلها عماها”!

وفي غمرة مما قيل وكتب يمكن لي القول بأن الإسلام في الغرب واقع يجب التعايش معه، واعتباره جزءا من النسيج الحضاري للغرب رغم ما كتب وقيل، وقد شاءت لي الظروف أن أعيش واقع الإسلام في فرنسا أكثر من نصف قرن، ولاحظت أن هناك تقدما واسعا حصل في الساحة الإسلامية في فرنسا، وتجلى ذلك في منتصف السبعينيات وأذكر أنني في سنة 1963، صمت أياما في مدينة ليون وسط أبناء منطقتي فلم يكن هناك يومئذ ولا قاعة للصلاة في ليون! واليوم هناك أكبر مسجد وأنشط المساجد في فرنسا يقوده مسلم جزائري من خنشلة، ويدعى كمال قبطان، وشارك معنا في الجزائر في ملتقى دولي حول الجالية الإسلامية الجزائرية في أوروبا، ولازالت أذكر أنه لا يوجد محل لبيع لحم الحلال، بل أن تاجرا يهوديا من تونس طبع في تونس بالعربية والفرنسية مواقيت الصلاة والإفطار والإمساك ويوزعها مجانا على زبائنه!

وللحق والحقيقة أنه لولا جهود وتبرعات بعض الدول العربية لما وجد هناك مسجد ما عدا مسجد باريس ولا حتى قاعة للصلاة..!

إذ لم تهتم الحكومات الفرنسية طيلة العهد الاستعماري بالبعد الديني الإسلامي لمسلمي المغرب العربي في فرنسا، فهم نسيا منسيا.

وقد عشت شخصيا جهود الجزائر منذ الاستقلال حتى الآن بالبعد الديني لجاليتنا، ورافقت ذلك منذ الاستقلال حتى الآن، وتضاعف الاهتمام في السنوات الأخيرة وخاصة منذ تولي المرحوم الشيخ عباس عمادة مسجد باريس سنة 1982، الذي أعاد الحياة إلى مسجد باريس وتفعيل دوره كمرجع أساسي للعمل الإسلامي بالنسبة للجزائر، ومسجد باريس هو الذي يتولى توزيع الأئمة على مختلف المناطق الفرنسية، حيث الوجود الجزائري وتمركزه في هذه المناطق، وهناك اليوم حوالي 150 إماما ومرشدا موزعين عبر كامل التراب الفرنسي، يُضاف إليهم في شهر رمضان عدد مماثل تقريبا. وبفضل هذه المبادرات أصبحت جاليتنا في المهجر تعيش دينها وبعدها الروحي، وتشعر بانتمائها الوطني الجزائري العربي الإسلامي، وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الجزائر تنفق مصاريف كبيرة لفائدة وخدمة الجالية. والمطلوب فقط إعطاء أهمية للعنصر الذي توكل إليه مهمة العمل الديني والوطني، واختبار العناصر المؤهلة والمخلصة، وهو ما ينقص جهود الدولة الجزائرية، وهي حقا لم تبخل ماليا رغم “الظروف المالية الصعبة”، فمن الضروري إعادة النظر في سياسة العمل الإسلامي في المهجر وخاصة وأن هنالك تنافسا من جهات أخرى تسعى لشل جهود الجزائر في هذا المجال بل إقصاءها تماما.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحراك والبعد الثقافي/ عبد القادر قلاتي

ما نمر به اليوم من أحداث مؤشر على عملية تحوّل حقيقي، قد لا يفضي إلى …