الرئيسية | اتجاهات | احتلال فلسطين بين الوكيل والأصيل/ محمد الحسن أكيلال

احتلال فلسطين بين الوكيل والأصيل/ محمد الحسن أكيلال

في بداية القرن قررت بريطانيا العظمى وضع يدها على جنوب الشام بالاتفاق مع حليفتها فرنسا وقسمتها إلى قسمين، مساحة كبرى خصصتها للأمير “عبد اللـه” الذي حرم أهله من عرش الحجاز والعراق والشام، ومساحة كبرى كانت تسمى فلسطين، وهي المساحة النافعة خصصتها ليهود العالم، دولة خاصة، تعامل معاملة خاصة لأنها دولة تبنى على أرض شعب خاص جرد من السلاح منذ البداية ليمنح ذلك السلاح لليهود المستوردين في البداية من قارتي أوروبا وأمريكا، هذا يعني أن هؤلاء الذين سيوكلون بهم شعبا خاصا بدولة خاصة سيكون هذا الشعب محاربا بالوكالة عن الإمبراطوريتين الحليفتين بريطانيا وفرنسا.

الوكالة والأصالة لعبة ذكية أتقنتها الدول الاستعمارية، لقد كانت الأدوار تتغير حسب الظروف والحاجة، في البداية، في سنوات 1920 و 1922 و 1936 التي عرفت بداية بروز حركة للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، اقتضت الحاجة والظروف تشكيل عصابات إرهابية من اليهود المهاجرين ومدها بالسلاح الأقوى والأحدث لضمان انتصارها على العرب المقاومين والعملية بمثابة تدريب تطبيقي لهؤلاء المحتلين الوافدين، وقد كانت العمليات الإرهابية التي تقوم بها هذه العصابات بهدف ترويع ونشر الرعب بين أبناء فلسطين ليفروا من أراضيهم وبيوتهم إلى البلدان المجاورة لتوسيع رقعة الاستيطان التي تبنى عليها الدولة اليهودية المنشودة، العملية كانت تتم بالتناغم والانسجام مع جهود دبلوماسية أثمرت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بمنح أرض فلسطين دون تحديد جغرافي وطنا قوميا لليهود دون الحديث عن الشعب الفلسطيني. وبتحرك المقاومة بمشاركة بعض جيوش الدول العربية التي كانت شبه مستقلة في ذلك الوقت تحولت العصابات الثلاثة (شتيرن، الهاجانا، إرجون) إلى جيش نظامي يشكل في وقت قياسي منظم ومهيكل ومسلح، وهو يفوق عددًا وعتادًا كل الجيوش العربية التي اشتركت في حرب عام 1948، وكان ذلك سببا رئيسيا في إلحاق الهزيمة النكراء بكل الجيوش العربية التي تفتقر إلى كل الحدود الدنيا لتوازن القوى مع العدو.

حين حدث أول تغيير للحكم في المنطقة بإزالة الملكية الدستورية في مصر عن طريق الضباط الأحرار وقرروا تبني مشروع نهضوي ووحدوي تحرري بدأ بتأميم قناة السويس عام 1956 قررت كلا من بريطانيا وحليفتها فرنسا التدخل عسكريا وبإشراك قوات الجيش الصهيوني على سبيل التدريب، وقد كانت العملية تشبه إلى حد بعيد ما قامت به أمريكا ضد العراق في بداية القرن الحالي، فقط لم تتواصل العملية لتصفية الرئيس “جمال عبد الناصر” رحمه الله لأن أمريكا التي كانت تفاوض الدولتين الحليفتين على عملية استلام المهام منهما لم تتأكد بعد من مدى الصلاحيات التي تستلمها منهما ومن مساحة المجال الحيوي الذي تتولاه في المنطقة؛ لذلك تدخلت بقوة وأرغمت الدول الثلاثة على إيقاف الحرب ضد مصر وعودة القوات المهاجمة إلى قواعدها.

كانت حرب 1956 آخر حرب تديرها الدولتان العظيمتان فرنسا وبريطانيا بالوكالة عن الجيش الصهيوني بعدها مباشرة، في عام 1959 مكنت الدولة الفرنسية هذا الجيش الغني من امتلاك التكنولوجيا والسلاح النووي ليكون قادرا مستقبلا للقيام بحروب بالوكالة عنهم جميعا في المنطقة.

فترة عملية التسليم والاستلام بين الإمبراطورية الجديدة (أمريكا) والإمبراطوريتين اللتين كانتا تديران شؤون العالم والمنطقة خاصة، وهي الفترة الممتدة ما بين نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات تخللتها بروز دول مستقلة وحركات تحرر مناوئة بقوة للنظام الرأسمالي الاستعماري ومن ضمنها تطور حركة التحرير الفلسطينية ما تفطنت له هذه القوى الإمبريالية الكبرى لتعمل على وضع خطط سريعة للجمها أو وأدها في المهد إن أمكن، وهو ما لم تتفطن له هذه الدول والحركات التحررية التي كانت تتصرف بذهنية بعيدة عن التفكير الاستراتيجي، بل وحتى روح الثورة التي هي أصلا رؤية وفكر استراتيجي قبل أي شيء آخر.

 

حين تقرر منح أرض فلسطين وطنا قوميا لليهود في بداية القرن الماضي كان المخطط الجهنمي الذي وضعته الدول الإمبريالية الكبرى يقتضي إيصال الشعب الفلسطيني وكل شعوب المنطقة إلى حالة زرع الهزيمة في الشعور الجمعي والمزاج العام لكل هذه الشعوب لتكريس الأمر الواقع على الأرض وقبول الإذعان التام لمشيئة الاستعمار والصهيونية العالمية، لكن ردود الفعل المتزايدة بعد نكبة عام 1948 جعلتها تفكر في إلحاق هزيمة أقوى وأشد تأثيرًا على جيوش وشعوب المنطقة فكانت حرب جوان 1967، وهي حرب قام بها الجيش الصهيوني هذه المرة بالوكالة عن الدول الإمبريالية لكن بتأطير وتسليح قوي وتدخل للطيران الأمريكي في قواعد في ليبيا وفي الأسطول البحري السادس شرق البحر الأبيض المتوسط، وكانت هذه الحرب هي الفاصلة لزعامة مصر للمنطقة وللتكريس النهائي للقبول بكيان الدولة الصهيونية كعضو في جغرافيا المنطقة.

في أمريكا يتواجد أقوى وأكبر لوبي صهيوني يؤثر في صنع القرار للداخل الأمريكي ولسياستها الخارجية، هذه القوة ظهرت في منتصف ستينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس “جونسن” الذي منح الدولة الصهيونية حق استعمال السلاح المخزون في أرض فلسطين المحتلة دون حتى أخذ الإذن من الإدارة الأمريكية.

هذا اللوبي تعاظم شأنه وامتد للتدخل حتى في مفاصل العلاقات الدولية لأمريكا ومبادلاتها التجارية واستثماراتها في العالم، وأصبح دوره لا يتوقف في إملاء سياسات على الرؤساء المنتخبين، بل تعداه إلى وضع خطط واستراتيجيات للتدخل والهيمنة على بلدان كثيرة في العالم ومن ضمنها البلدان التي تقع في منطقة الشرق الأوسط حيث توجد الدولة الصهيونية التي أصبحت ضمن المصالح الحيوية الأمريكية ومجالها الجيوستراتيجي وحزامها الأمني الخارجي.

لقد أصبحت الحروب بالوكالة في منطقتنا تقوم بها جيوش أمريكا وكالة عن الجيش الصهيوني، فالمحتل لفلسطين إذن هو أمريكا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قمة هيلسنكي بين “بوتين” و “ترامب”/ محمد الحسن أكيلال

انعقدت بتاريخ 16 جويلية 2018 تنعقد قمة العملاقين الذين يتحكمان في مصير العالم، قمة بين …