الرئيسية | في رحاب الشريعة | مختصر تفسير ابن عاشور

مختصر تفسير ابن عاشور

2-{رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}: أي قد يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، ولكن بعد الفوات، فقد مضى وقت التمكن من القيام به، وهذا مستعمل في التمني، أي طلب ما هو مستحيل وقوعه.
3-{ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}: لما استمروا على الإعراض والإشراك فإنهم رضوا لأنفسهم بحياة الأنعام من الاقتصار على اللذات الجسدية من أكل وشرب، والانغماس في ذلك، فأُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتركهم لقلة الجدوى لإصلاح حالهم، وعدم الرجاء لرجوعهم عن الإعراض، فالتباعد عنهم لليأس منهم، فهم قد ألهاهم الأمل وأنساهم ما حقه أن يتذكروه ويرغبوا في حصوله، وختمت الآية بالوعيد ” فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ” وإذا أملهوا فإن إمهالهم لأجل معلوم.
4/5-{وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}: أي وما أهلك الله أمة إلا وقد منحها زمنا، وكان لهلاكها أجل محدد، وذكر هذه القرية أو المدينة المقصود أهلها لتذكير هؤلاء بسنة الله في إمهال الظالمين، لئلا يغرهم ما هم فيه، من التمتع، فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد، ولا يقتضي هذا استئصالهم جميعا، فقد هدى كثيرا منهم إلى الإسلام، وإن كان أهلك سادتهم يوم بدر.
والكتاب هو القَدَرُ الذي حدده الله وكتبه، أي لا نقص فيه ولا زيادة، ومعلوم عنده لا ينساه، ومعنى ” مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا” أي لا تفوت أجلها ولا تتجاوزه قبل حلوله، وما تستأخر عنه.
6/7-{وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}: ذكرت الآية السابقة انهماكهم في الملذات والآمال، تضمنت هذه توغلهم في الكفر وتكذيبهم للرسالة المحمدية، فصرحوا للرسول صلى الله عليه وسلم ونادوه بأنه مجنون، ويزعم أنه أنزل عليه الذكر، والذكر هو الكلام الموحى به ليتلى ويذكر، ويعاد لما فيه من التذكير بالله واليوم الآخر، فتسمية القرآن ذكرا تسمية جامعة عجيبة لم يكن للعرب علم بها من قبل أن ترد في القرآن وتسميته قرآنا، لأنه قصد من إنزاله أن يقرأ ويدرس ويفهم، وهو مغاير لغيره من الكلام كالشعر والأساطير، وصفوه بالجنون لتوهمهم أن ادعاءه نزول الوحي عليه لا يصدر عن عاقل، ولا تقبله عقولهم التي عليها غشاوة، والجنون فساد في العقل من مس الجن كما يزعمون، ولذلك حثوه وحضُّوه بأن يأتي بالملائكة، ويحضرهم عندهم، ليشهدوا بصدقه إن كان من الناس الصادقين.
8-{مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ}: هذا جواب لمقترحهم أن يحضر لهم الملائكة ليصدقوه، فأراد الله أن يصرفهم إلى معرفة التمييز بين آيات الرسل وبين آيات العذاب، ونزول الملائكة هنا قصد به نزولهم لتنفيذ عذاب يسلطه على الكافرين، كما أنزلوا إلى مدين ولوط، وليس هو مثل نزول جبريل بالوحي، والمراد بالحق الشيء الحاقّ المقضي وهو العذاب الحاق، كما قال تعالى:{وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج/18] أي لا ننزل الملائكة للناس غير الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا بالعذاب الحاق عليهم، كما نزلت على قوم لوط بالاستئصال، وإذن ما كانوا منظرين أي مؤجلين، والمعنى ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عنهم عذابهم، وفسر بالحق بأنه تنزل ملتبسا بالحكمة. يشهدون بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فتصبحوا مضطرين للإيمان، كما ذهب إلى ذلك الزمخشري.
9-{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}: هذا رد لزعمهم أن القرآن ليس وحيا، وإنما كلام مجنون، فأكد الله أنه ذكره نزله على رسوله، وأنه هو الحافظ له من أي تغيير أو ضياع أو زيادة ونقصان، فهو متواتر من جيل إلى جيل في كل مصر من أمصار المسلمين، فحفظته الأمة عن ظهر قلوبها منذ حياة الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فانتشر وسيبقى على مر الزمان.
سئل القاضي إسماعيل (ت 382هـ) عن السر في تطرق التغيير للكتب السابقة، وسلامة القرآن من أي تغيير فأجاب بأن الله أوكل حفظ تلك الكتب للأحبار فقال:{بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ}[المائدة/44] وتولى الله بنفسه حفظ القرآن، فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فحفظه الله علينا فلم يضع منه شيء.
وجعل حفظ التوراة والإنجيل إلى الأحبار فضاع، وكان ذلك سبب إسلام يهودي في عهد المأمون، فلأنه لو كان من قول البشر لتطرقت إليه الزيادة والنقصان واشتمل على الاختلاف {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}[النساء/82].
10/11-{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: أي ولقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى شيع إلى جماعات وفرق أي إلى أمم الأوائل، وكلما جاءهم رسول استهزؤوا به وكفروا.
12/13-{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}: أي هكذا نسلك القرآن، أي ندخله في عقول المشركين، فهم يسمعونه ويفهمونه إذ هو من كلامهم، ولكنه لا يستقر في عقولهم ولا يصدقونه، وبهذا تقوم الحجة عليهم، بإسماعهم القرآن بتبليغه إليهم، سماعا يتكرر ويتجدد، فيجدد إبلاغ القرآن لهؤلاء على سنة إبلاغ الرسالات لمن قبلهم {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} والسنة هي العادة المألوفة المتجددة؛ وفيه تعريض بأنه سيحل بهم ما حل بالأمم السابقة، وهي سنة الله فيهم أيضا.
14/15-{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}: هذا كلام مبطل لجميع معاذيرهم، فإنهم لا يطلبون الدلالة على الصدق فهي دلائل واضحة، ولكنهم ينتحلون معاذير واهية، فلو فتح الله لهم بابا من السماء سألوه فاتصلوا بالعالم القدسي، ورأوا ذلك رأي العين لاعتذروا بأن ذلك تخيلات، وأن أعينهم قد سكّرت أي أغلقت، وأنهم قد سحروا كما قال تعالى:{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}[الأنعام/7]، فكأن أعينهم سدت، وجحدوا أن يكونوا رأوا شيئا، وأن الرسول صلى الله عليم وسلم قد سحرهم، فهم قوم مسحورون تمكن السحر منهم أيّما تمكن.
16/18-{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}: لما كانوا أنكروا الألوهية والبعث، فجاء هذا النص لبيان تفرد الله تعالى بالألوهية، فذكرت الدلائل الواضحة من خلق السموات والأرض ثم دلائل إمكانية البعث من خلق الحياة والموت، وانقراض أمم ونشأة أخرى تخلفها.
أطلق البرج على بقعة معينة من سمت طائفة من النجوم الثوابت متجمع بعضها قرب بعض في أبعاد بينها لا تتغير فيما يرى من الجو، تتخذ صورة حيوان أو آلة، فتسمى باسم ذلك، ورسموا لها رسوما، وأول من فعل ذلك الكلدانيون ولها مواقع الحسن في الأنظار، وحفظت من العناصر الخبيثة، وفي هذا تنويه بالوحي الذي يأتي من العالم العلوي وعصمته من كل زيادة أو نقصان، ومعنى الرجيم هو الذميم المحقر، فالعرب كانوا إذا احتقروا شخصا رجموه، أي رموه بالحجارة أو الحصباء، والرجم عادة قديمة عرفتها الأمم. ومعنى استراق السمع سماع الحديث من المتكلم خفية، كأنه يسرق منه الكلام، الذي يخفيه عنه، وأن الشهب التي تشاهد متساقطة في السماء هي رجوم الشياطين المسترقة لها عن استراق السمع، ولما أراد الله عصمة الوحي منعهم من الاطلاع على ما أراده الله، وعدم اطلاعهم عليه، ودلت سورة الجن على أن الاستراق منع تماما بعد البعثة، لحفظ القرآن من أن يلتبس لدى الناس بالكهانة، فالحق لا يخالط خواطر البشر عادة، والشياطين توسوس لهم، دل على ذلك الكتاب والسنة، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري لما سئل عن الكهان “ليسوا بشيء أي لا وجود لما يزعمونه” فقيل يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة ” قرت الدجاجة، أي أخفت صوتها، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة” وأكثر قصص الكهان وأخبارهم أكاذيب.
19/20-{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}: هذا انتقال من الاستدلال بالآيات السماوية إلى الاستدلال بالآيات الأرضية، وذلك بمد الأرض وجعل الرواسي من الجبال فيها كما جعل فيها معايش للناس، كما جعل معايش لمن ليس الناس لهم برازقين، أي لمن لستم تتولون إطعامهم من الكائنات التي في الأرض ولا يعلمها الناس، أو يعلمونها ولا يتولون إطعامها بأنفسهم مما تقتات به من نبات الأرض، وكل شيء من النبات موزون بمقادير مضبوطة.
21-{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}: مثلت قدرة الله وصلوحيتها لتكوين الأشياء النافعة بهيئة إخراج المخزونات من خزائنها، ويشمل ذلك الأشياء المتفرقة في العالم التي تصل إلى الناس بأسبابها، مثل: نزول البرد من السحاب، وانفجار العيون من الأرض بعمل عامل أو بنبعها تلقائيا من منبعها، وقوله:{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي أن الله لا ينزّله أي لا يمكن منه الناس إلا بقدر مضبوط، من الأمور التي خلقها الله لنفعهم، شُبِّه تمكين الناس منه بإنزال شيء من علو، وبقدر معلوم تقديره لله.
22-{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِين}: هذا استدلال بما بين السماء والأرض من كثرة الهواء وبفعل الرياح وما فيها من فوائد، لواقح وهي الرياح الحبلى بالماء كالناقة الحبلى بجنينها، فهي رياح تلاقح السحب كما تلاقح الأشجار، فالرياح تلاقح السحاب بالماء فينشأ بذلك البخار الذي يصير ماء في الجو ثم ينزل مطرا على الأرض، وكذلك تلقح الرياح الشجر المثمر بأن تنقل إلى زهره غبرةً دقيقة من زهر الشجر الذكر، فتصلح ثمرته وهو ما يسمى بالتأبير، وبعضه يحتاج إلى تعليق الطلع الذكر (الذكار) على الشجرة المثمرة مثل التين، فأنزل الله من السماء ماء وجعله سقيا، وما أنتم له بـحافظين، وهو معنى “بخازنين” ولا أنتم بمبدعيه إذا شئتم.
بقلم: الدكتور عمار طالبي

عن المحرر

شاهد أيضاً

الانتماء الذي يجمعنا بأبناء وطننا وشعوب أمتنا وعالم إنسانيتنا

أ. محمد مكركب لقد نهى الله تعالى عن التفرق والانقسام، وأن من سعى لتقسيم مجتمع …