الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | آخر كلمه كتبها العقاد

آخر كلمه كتبها العقاد

لو أن أحدا سئل آخر كلمة كتبها العقاد، وكان يعرف جهاده الفكري والقلمي زهاء ستين سنة، والمجالات المختلفة التي صال فيها وجال، ويعرف الجبهات التي واجهها في حياته، ويعرف خصائصه المميزة، وخوارقه الفطرية، ويعرف أصدقاءه وأعداءه. لما تردد في القول بأن آخر كلمة ككتبها هي الفلسفة والعبقرية، أو عن الصحافة والسياسة، أو عن الاستعمار والتبشير، أو عن الأدب والثقافة والنقد، وهكذا من مختلف المناحي والميادين، ولا يخطر بباله أن آخر كلمة كتبها العقاد وودع بها المحبرة والقرطاس، ولم يكتب بعدها ولو حرفا واحدا، هي عن الحب! أجل عن الحب، والكلمة هي هذه:
“عند الحب سهر أحلى من حلم النوم، ونوم أيقظ من سهر الخلود، عند الحب نور يطوى الشمس والقمر، موعد ينسى الليل والنهار، عند الحب حياة يهون من أجلها الموت، وموت تباع من أجله الحياة”[عن كتاب: آخ كلمات العقاد ص67].
كتب العقاد هذه الكلمات قبل وفاته بيومين اثنين، كما ذكر شقيقه الأستاذ: عامر العقاد، ولم يكتب بعدها كلمة واحدة، أي أن القلم الذي ظل يسيل بسخاء قرابة ستين سنة، والذي بقي يصول ويجول في مختلف الميادين الأدبية، والفلسفية، والسياسية، والتاريخية، والدينية، والاقتصادية، هذا الأمد الطويل كانت رشحته الأخيرة عن الحب!!
وكانت هذه الرشحة عن الحب، لأن الحب هو كل شيء في الحياة، فلولا الحب ما كان شيء في هذا الوجود، بل الحب هو الذي يربط هذا العالم المادي بعلم الغد!
فالحب بكلمة وجيزة مقتضبة، هو السبيل إلى عبادة الله تعالى ونيل رضاه والفوز بجنته، هو السبيل إلى تعلم العلم ونشره، إلى حرث الأرض وغرسها وزرعها، وتفجير الحياة في أطباقها وأجوافها، إلى التآخي، والتراحم، والتناصر والتزاور، إلى حماية الوطن وإعلاء كلمته، إلى الزواج وإنجاب الأطفال وتربيتهم وتعليمهم، والحب ميل قوي تدعمه لذة الفوز والامتلاك، فإذا استحوذ الحب على المشاعر والأحاسيس انطلق الإنسان في طريقه إلى المحبوب غير مكترث بما يلاقيه من متاعب ومشاق، أو مخاطر ومهالك، همه الوحيد أن ينال المحبوب، ويحقق الهدف!
والحب يصنع العجائب، وكتب التاريخ والأدب مشحونة بمغامرات المحبين، ونجاحاتهم الباهرة، التي لولا الحب لكانت أحلام نائم، لكن الحب فجّر الطاقات، وهوّن الشدائد، وحفز الهمم، وظل يغذي الأمل، ويهتف من الأعماق: أن واصل السير والجهاد، وإياك والتوقف!
وبهذا الحب القوي الجارف كان العقاد وحده أمة في الصبر والجهاد، في المشقة والألم، في الثبات والصمود، ولم يكن يضعف أو يلين، ولم يكن يرهب أو يخاف، ولم يكن يخضع لتحدي الجبابرة، وطغاة الاستبداد!
وبهذا الحب القوي الجارف، كان العقاد لا يحس بالحياة لذيذة وممتعة إلا في عذابه وشقائه، ولا يشعر بالراحة إلا في المجاهرة برأيه، وإعلان الحق صريحا واضحا مهما كانت الظروف والأحوال التي تواجهه، أو تحيط به وتحاصره!
وبهذا الحب القوي الجارف ظل حياته كلها منهلا عذبا، ومصباحا منيرا، وودع هذه الحياة وهو يدعو إلى الحب، ويغني به، ويقرر أن لا حياة إلا به.
بقلم: أ. محمد الصالح الصديق

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإنسان والحيوان/ محمد الصالح الصديق

  سألتني إحدى المعلمات هذا السؤال: ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ والسؤال في ظاهره واضح …