***
كلمة حق
رحلة بسامية ذات مغزى
شددنا الرحال إلى البويرة، ثم عين بسام لافتتاح مدرسة قرآنية، يقصدها أطفال من بنين وبنات كأنهم ورود زاهية، وبراعم خير، ينشدون الأناشيد العذبة، ذات ألحان شجية، وأصوات ندية كالعصافير على الأغصان تغرد، وتزقزق بما حباها الله بها من تغاريد، لها معان لا يدركها إلا من تأمل عجائب خلق الله، وأبدع في هذا الكون، الذي يسبح بحمده، تسبيحا لا نفقه ما يشتمل عليه من محامد الله، وتمجيده، فالكون كله ناطق بتسابيح الله وجمال خلقه، وبديع صنعه، والأطفال إنما هم من قبيل هؤلاء الطيور التي تسبح الله بتلاوة القرآن وترتيله، بأصوات بريئة ندرك معاني ما يتلون، ونفهم مضامين ما يقرأون من كلام ذي العزة والجلال، في جمال ألفاظه ووفرة معانيه، ونظم فواصله، واتساق جملة وتراكيبه، بلغة بشرية عربية فاقت كل نظم، وعلت على كل كلام من كلام العرب، تحداهم به، وأعجزهم فلم يستطيع أي منهم بانفراده أو بجماعته أن يأتي بما يماثل ذلك النظم العذب المبين في جماله واتساق ألفاظه ومعانيه.
إن هذا الجمع الذي أقبل في ذلك الحفل البهيج الذي دعت إليه شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بهذه المنطقة مرافقين أبناءهم وبناتهم فرحين مبتهجين، إنهم أهل عين بسام، يبتسمون لزوارهم، فهم أهل ابتسام كاسم بلدتهم، يبتسمون في وجه من زار عين بسام، فهي عين ماء، وتزيد على مائها العذب ومروجها، وحقولها الولود لأرقى أنواع القمح، والحبوب، ذات الخصوبة والنعمة والأنعام.
إنها من أغنى مناطق الجزائر، وأعلاها إنتاجا للخير الذي لا يُعلى عليه، تزيد على ذلك كله بالابتسام الجميل والترحيب النبيل، إنها اليوم مزدهرة بأنواع النوار التي كساها حللا جميلة، وزرابي من مختلف الألوان، تزدان به متعة للناظرين، وعبرة للمعتبرين، يحب أهلها القرآن، ويرسلون أبناءهم وبناتهم لتعلمه وحفظه، وسلوك مسالك الأدب وقيم الإسلام وتعاليمه، ليكونوا جيلا قرآنيا يتشبع بقيمه، وأخلاقه، تعمر بها قلوبهم، منذ طفولتهم، وترسخ في نفوسهم رسوخا، وتطبع سلوكهم بطابعها الإلهي الذي يدعو إلى الحق، والعدل، والوسطية، والعفاف، والرحمة والرقة، ولطيف المعاشرة، لا غلظة فيها، ولا شدة، لا عنف فيها ولا عنت ولا فظاظة.
إنها عين بسام، يدل عليها اسمها تبتسم لأطفالها ابتسام القرآن، يشربون من معينه، ويتغذون بمعانيه التي تجري ألفاظها على ألسنتهم الفصيحة بفصاحة القرآن وبلاغته وعلو شأنه في الآداب، وطيب السلوك والمعاملة.
وهل أعذب من القرآن شرابا، وألذ من معانيه غذاء للأرواح والعقول إنه كلام الله ووحيه، والمعجزة الباقية في تحديها على مر الدهر، وتوالي الأجيال.
وسعت قيمه الإنسانية، وعمت رسالته العالم، فهو رسالة عالمية في مضامينها، تتجه إلى عقول البشر للتأمل فيها وفيما نبهت إليه من مظاهر الكون وآياته ليقرأها المؤمن قراءة تفهم، دليلا على مكونها ومبدع عجائب مخلوقاته.
إنها بشرى لأهل مدينة عين الابتسام، والترحاب، والبشاشة والكرم والأصالة.
إنها أرض أنبتت الرجال الصالحين العلماء أمثال مولاي السعيد صاحب العلم الرياض، والارتياض في القرآن وفي ملكوت الله، والعالم عبد الله عريبي وكلاهما من عين الابتسام والترحاب.
إن هؤلاء الأطفال الذين سمعنا أناشيدهم الشجية هم عدة المستقبل، وزهرة حياة البلدة والجزائر، ينهضون بها، علما وصلاحا، مبتسمين في وجوه الناس، لا عابسين ولا متجهمين، لأنهم من عين بسام، وأي عين إنها تنبع بالأبناء الصالحين القرآنيين الطيبين في أصولهم، وفروعهم، وصغارهم وكبارهم، في ذكورهم وإناثهم، يبحثون البحث العلمي، ويجتهدون في الاكتشاف بما ينفع أمتهم، ويخرج بها من التخلف والهوان إلى الحضارة والقوة والعزة، فعزة المؤمن من عزة الله ورسوله:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} عزة المسلم أنه لا يقبل الذل ولا الهوان، ولا الظلم، ينكر ذلك كله، ويأباه أشد الإباء.
يا أهل عين بسام لقد أكرمكم الله بهذه المدرسة القرآنية الجميلة، فحافظوا عليها، لتحفظوا أبناءكم وبناتكم من الجهل بدينهم، والأمية بثقافتهم، فإن أمية الناس بدينهم قد انتشرت، والعلم بها قل، لفقر المنظومة التربوية منها. بل من الضروري من العلم بها.
ساعدوا هذه المدرسة، وابنوا غيرها، ولا تبخلوا بأموالكم في سبيلها، فإنها هي الباقية بعدكم، وذكر لكم بعد حياتكم الدنيا، تجري عليكم أجورها، ويصلكم دعاء الناس، وأنتم في العالم الآخر طيبين بإذنه تعالى وكرامته.
كونوا في حسن ظن شيخنا ابن باديس الذي زاركم، وبارك مدينتكم علموا القرآن لأبنائكم، مصدر شريعة الله، ووحيه الأخير الذي ختم به النبوات والرسالات جميعها، من عهد نوح إلى محمد صلى الله عليه وعلى أنبيائه ورسله هداة الناس من الضلال، ومرشدو الأمم إلى الحق، ونور الله لهذا العالم، يكشف الظلمات ويزيل التيه والحيرة عن القلوب.
وإن لنا أملا في أهل عين بسام أدام الله بسماتهم، وبشاشتهم في وجوه من زارهم وغيرهم من البشر. فنعمت هذه العين البسامة، ونعم أهلها البسامون، والحمد لله رب العالمين.
بقلم: الأستاذ الدكتور عمار طالبي

عن المحرر

شاهد أيضاً

أين العالم الإسلامي مما يقع لفلسطين/ أ. د. عمار طالبي

يواجه الفلسطينيون قتلا جماعيا واغتيالات غادرة تقوم بها عصابات الصهاينة وهي ذات جيش إرهابي مسلح …