الجزائر البيضاء

هكذا كانت تدعى جزائرنا الحبيبة: “الجزائر البيضاء”، وهل بقي اليوم من بياضها شيء؟ لا أتحدث اليوم عن بياضها المعنوي، فقد يكون الحديث عنه في مستقبل الأيام إن شاء الله، وإنما أتحدث عن بياضها المادي:

أذكر أنني كنت أزور الجزائر أيام الاحتلال، حينما كنت أدرس بجامع الزيتونة بتونس منطلقا منها في بداية السنة الدراسية، أو عائدا إليها عند نهايتها، وكنت انتهز فرصة مروري بالعاصمة فأتنزه فيها يوما أو يومين، وكنت أندهش لما تراه عيني من نظافة الشوارع وجمالها، وأنَّّى اتجهت ببصرك راعك ما فيها من ترتيب وتناسق وتوافق يعكس ذوقا رفيعا، وتقديرا للجمال، وإدراكا لقيمة الفن، وفهما عميقا لما يجب أن يكون عليه الإنسان المتحضر الذي يحرص أن يمثل أصالته وخصائص أمتهّ!.

وكنت أتجول في مختلف الشوارع بالعاصمة، فتنبعث في نفسي عاطفة الإعجاب، وأشعر في أعماقي بلذة الحياة، وأحس برغبة مشبوبة بين الجوانح تشدني إلى كل منظر أمر به، وأتمنى لو كنت شاعرا لرسمت لوحة شعرية لتلك اللوحات الجميلة الخلابة هنا وهناك، وكنت أفارق الجزائر إلى تونس أو إلى منطقتنا بالريف القبائلي، تاركا بها قلبي بشتى أحاسيسه، ومختلف عواطفه ومشاعره.

هكذا كانت الجزائر، في عهد الاحتلال حينما كانت تحت سيطرة المحتلين الدخلاء، كانت بيضاء نظيفة جميلة ساحرة، وكان المفروض عندما طرد منها المحتل البغيض، وعادت إلى أهلها، إلى أبنائها الشرعيين أن تكون أشد بياضا وأكثر جمالا، وأن يتنافس هؤلاء الأبناء في جعلها، مهوى القلوب، ومرتع الأبصار، وملهمة الشعراء والأدباء، لاسيما والجزائر حباها الله بموقع جغرافي ومناخ طيب منعش، ومتجلًى طبيعي ساحر لخص الله فيه جمال الطبيعة وجلالها، ولكنهم ما فعلوا ذلك، ولا قليلا منه، بل أكثر هم يتنافسون في تشويه محاسنها، وطمس معالمها، وإفراغها في المزابل والأوساخ، فأنى اتجهت في شوارع العاصمة، رأيت أوساخا مكومة، واستنشقت روائح كريهة، فعادت الجزائر “بفضل أبنائها” سوداء مشوهة كئيبة، بعد أن كانت بفضل أعدائها بيضاء مزينة مبتهجة، أما الذين تسيل بهم الشوارع من هؤلاء الأبناء فحدث عن أحوالهم وسلوكاتهم ولا حرج، هذا يغني بصوت عال كأنه وحده في الصحراء، وذاك يبصق يمينا أو يسارا بدون مراعاة لمن يصاب ببصاقه، وذاك يدهمك بصدره العريض ثم يمضي غير آبه لشيء، وهؤلاء يجتمعون وسط الطريق ويتحدثون، وأولئك يندفعون وراء العذارى الأوانس بلا حشمة، ألهذا جاهدنا سبع سنوات وحررنا الجزائر؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

تكاليف الدروشة..!/ محمد الصديق

الشيخ العربي في الستين من العمر تقريبا عندما رأيته أول مرة وآخرها سنة 1953م بالجزائر …