الرئيسية | على بصيرة | دروس من الفاجعة

دروس من الفاجعة

كتب على أمتنا أن تعيش في ليل مظلم من أعراضه الفواجع، والمزعجات من الليالي، فما نريهم من فاجعة إلا وهي أكبر من أختها.

ولعل الفاجعة الكبرى التي نكبت بها بلادنا، هي في سقوط الطائرة العسكرية، التي أودت بحياة ما يزيد على المائتين وخمسين شهيدا، كما نحسبهم عند الله تعالى، إن خطورة هذه الفاجعة تمثلت في عنصر المباغتة، وفي الشبان الذين كانوا على متنها، ووفاتهم وهم يؤدون الواجب الوطني، والأخطر أيضا، أن ربانها كان واعيا بالدور الوطني إلى آخر لحظة من حياته، فجنب الوطن مأساة أخرى بعدم سقوط الطائرة على حيٍّ سكني.

ما ينبغي أن نتعلمه من هذه الفاجعة الوطنية أولا: هو أن الموت أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 40].

أما الدرس الثاني من الفاجعة: فهو أنّ على كل إنسان، والمسلم على الخصوص أن يستحضر الموت في كل لحظة، فالموت ليس بابا “جمركيا” لا يدخله إلا من بلغ مستوى معينا من السن، وإن هذا منتهى العدل.

الدرس الثالث: الوقع الذي أحدثته الفاجعة في نفوس شعبنا، وهو ما جعله يتناسى كل مشاكله اليومية، ليهب في هبة تضامنية تأسياً للضحايا، وتضامناً مع أسرهم لمسح دموعهم، ومواساة جروحهم، وتقديم التعازي لقُراهم ومداشرهم وربوعهم.

الدرس الآخر المستفاد من الفاجعة: هو طيبة طينة شعبنا الجزائري، هذا الشعب الذي عندما تحل أية مصيبة بالوطن، يتناسى خلافاته ومشاكله، ويهب لنصرة الوطن، بكل ما أمكن من وسائل.

إن ما تقدّمه الفاجعة من درس بليغ، هو مناشدة المسؤولين، العناية بهذا الشعب، وعدم الاستهانة بصمته، أو هدوئه، ذلك أن تحت الضلوع داء دويا.

أقول –إذن- أن هذه الفاجعة قد جاءت بعد سلسلة من الفواجع، نعيشها في كل يوم. فهناك الفاجعة الأليمة المتجددة في فلسطين، بدء بمحاصرة المسجد الأقصى في القدس الشريف، والتنكيل بالمقدسيين، والتضييق على المصلين، واستفزاز المستوطنين المرابطين.

وهناك القتل اليومي العمدي مع سبق الإصرار والترصد، لأبناء غزة، المحتشدين في مسيرة العودة، بمناسبة الذكرى المئوية المشؤومة لاحتلال فلسطين.

وهناك فاجعة الانقسام الفلسطيني المتواصلة، بالرغم من كل المساعي والمحاولات، هذه الفاجعة التي شجعت العدو الصهيوني على إبداء المزيد من الغطرسة والصلف، وما قوة العدو إلا من ضعف الفلسطينيين والعرب من الناحية السياسية.

وغير بعيد من فلسطين وغزة، والقدس الشريف، تحدث فواجع أخرى أقضت مضاجع الواعين من العرب والمسلمين.

فهذا الاغتيال بالكيماوي للصبية الرضع، وللشيوخ الركع، والبهائم الرتع، والنسوة الخُشع، إن هذا لهو البلاء المبين، الذي يفوق وصفه بالفاجعة.

ذلك أن فاجعة كفاجعة الطائرة العسكرية، هي من النوع الذي لا يمكن رده، لأنه من قضاء الله وقدره، وأما البراميل المتفجرة التي نصنعها بأيدينا، ونُلقي بها على المدنيين العزّل من أبناء شعبنا بإرادتنا، فذلك ما يمثل فاجعة الفواجع.

ولا تسأل عما يحدث في اليمن وفي ليبيا وفي بورما، وغيرها من أجزاء الوطن العربي والإسلامي، الظاهر والباطن منه، فكلها فواجع تتم بمرأى ومسمع دعاة حقوق الإنسان، وبتواطؤ وتشجيع بعض الحكام والزعماء العرب.

لقد كنا نريد -علم الله- أن يتخصص حديثنا لإحياء يوم العلم، وللقيام بالنشاط الإعلامي الجامعي، حول صحافة جمعية العلماء بجامعة قسنطينة، والقيام بدراسة أنجع الأساليب وأفضل المناهج في ملتقى التعليم القرآني، الذي تنظمه شُعبة جمعية العلماء بوادي سوف، ونعيش نشوة تدشين دار القرآن الكريم لجمعية العلماء المسلمين بمدينة “المغَيَّر”، كنا نريد أن ننعم بكل هذا في ضوء الاستقرار، والأمن والإيمان، الذي تنعم به بلادنا الجزائر، لكن ذوي النوايا السيئة من الساسة والمغامرين، أبوا إلا أن يفسدوا علينا فرحة العلم والتعليم، ويدخلونا في دوامة الفواجع والمآسي التي تعيشها جماهيرنا العربية، والإسلامية، في أكثر من جزء من أجزاء وطننا.

فما هو – والحالة هذه- الدرس الأخير، الذي يمكن أن نستخلصه من كل هذه الفواجع؟

إن الدرس الأخير المتكون من دروس، يمكن أن نلخصه في جملة من النقط، ندعو الجميع إلى تأملها بعمق.

  • النقطة الأولى: هي عدم الاستهانة بصمت الشعوب وهدوئها، فالفاجعة الشعبية يمكن أن تحدث في كل وقت، وهي ليست كالفاجعة الطبيعية، أو العسكرية، وإنما هي إن وقعت فلن تترك أخضرا أو يابساً، وإنما ستسوق الكل إلى نهر العدم.
  • النقطة الثانية: أن القائد الذكي الحكيم، هو من يحسن الإصغاء لصوت شعبه، قبل فوات الأوان، فلو حدث في تونس أو ليبيا أو مصر، أو سوريا، أو اليمن، أو العراق، أو فلسطين، لما حدثت كل هذه الفواجع التي خربت الديار، ويتمت الأبرار، وشردت الأحرار، وأذلت جباه الأخيار.
  • النقطة الثالثة: هي ضرورة تحسين أوضاع أماكن الغليان لدى الشعوب، والبحث عن أسبابه، والاستماع إلى الجماهير، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل فوات الأوان.

إن أكبر درس على الإطلاق، يجب أن نستفيده من واقعنا العربي المليء بالفواجع، هو أن الأرض العربية تميد بأهلها، وأن جوفها يتميز بالغليان، ويا ويحنا، إن نحن لم نسمع صوت هذا الغليان، ولم نر تحرك الأرض من تحتنا، فذلك معناه، أننا سنكون مسؤولين عما سيحدث من انفجار، ويومها سنندم، حين لا ينفع الندم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإغاظة في مزج السياسة بالرياضة/أ.د عبد الرزاق قسوم

بعد صليل الأقلام في الامتحانات، وعصارة الأفهام في المناقشات والمسابقات، ها هي ذي حمى ركض …