الرئيسية | المرأة و الأسرة | ملحق الفاضلة | كيف نحفز أبناءنا على الدراسة؟ بقلم حشايشي غنية

كيف نحفز أبناءنا على الدراسة؟ بقلم حشايشي غنية

 

في ظل زمننا الصعب المليء بالتحديات تضاعفت مسؤولية الآباء في تربية الأبناء، وصار من الضروري البحث والتقصي عن أفضل وأنجع السبل التي تتبع للحفاظ عليهم وحمايتهم من أخطار وفتن العصر، والوصول بهم إلى هدف أو رؤية استشرافية  يمكن أن نلخصها في إعداد ابن متعلم وصالح صاحب شخصية ناجحة، قادر على تحمل المسؤولية وعلى تأسيس أسرة مستقبلا وأداء مهنة شريفة تضمن له حياة كريمة، وقد يكون طموح الاولياء أكبر من ذلك كتنشئة الابن ليكون عالما أو قائدا، ومهما اختلفت الأهداف فإنه يمكن القول أن من الأولويات التي يحرص عليها كل أب وأم هي تعليم أبنائهم، لما في ذلك من شرف، ولكونه بات ضرورة ملحّة في عصر المعرفة ، ولا يخفى على أحد كون العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، غير أن التعليم في حد ذاته أصبح يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للأولياء رغم حرصهم الكبير على اغتراف أبنائهم من هذا النبع المبارك، بل يشكل تحديات ومن بينها سنتحدث عن عزوف الكثير من الأبناء عن التعلم وما يجدون فيه من ملل وانعدام الرغبة وصعوبة في الاستيعاب والتركيز، وعدم وجود الدافع إليه فتجدهم مكرهين على الذهاب إلى المدرسة مدفوعين إليها دفعا، ولو كان الأمر بأيديهم لما وطأتها أقدامهم، فكل سعادتهم حين تحل العطل والإجازات وحين يتغيب معلموهم، وهذا ما يجعل الآباء في قلق وحيرة وتعب.

سؤالنا اليوم كيف يمكن أن نحول الدراسة إلى شيء محبب للأبناء؟ كيف نخلق فيهم الدافع والحافز حتى يقبلوا عليها ذاتيا دون انتظار في كل مرة الدافع الخارجي؟ ما هي مهمة الأولياء بالتحديد اتجاه الطفل المتمدرس؟

طبعا الموضوع شائك وله الكثير من الجوانب التي يمكن إثراؤها ومن الصعب حصرها في مقال واحد، لذلك سنقدم لكم أعزاءنا القراء خمس مهام تقع على عاتق الأولياء اتجاه أبنائهم المتمدرسين باختصار، ونتمنى أن تكون مفيدة وبمثابة مفاتيح تربوية عميقة الأثر.

وأول ما نفتتح به للحديث عن هذه المهام، توضيح نقطة أساسية وهي أن مهمة الأولياء ليست جعل أبنائهم يأخذون المراتب الأولى وأعلى المعدلات، بل الأولى من ذلك، تكمن مهمتهم في توفير وخلق بيئة مثالية تفجر طاقات الأبناء وتساعدهم على التعلم، فالدراسة فن وإبداع، وقبل الاشتغال والعمل وبذل الجهود وصرف الأموال على الدروس الخصوصية من أجل تفوق الأبناء، حري بهم أولا أن يجعلوهم يستمتعون بالدراسة، وذلك عن طريق تقديم المساعدة في شرح الدروس لهم وإيصال المعلومات بطريقة يحبها الطفل، والإبداع في ذلك عن طريق القصة والصورة والنكتة والتجريب العملي ومشاهدة أشرطة فيديو تعليمية ممتعة مع الطفل ومناقشة محتواها بطريقة تثير الذهن وتبعث على التشويق، وكذلك الخروج أيام العطل في رحلات تثقيفية يتعلم خلالها الطفل وتتوسع مداركه، وغيرها من استراتيجيات التعليم الحديثة يمكن لأي مربي الاطلاع عليها وتجريبها والأمر كما ترون يتطلب بذل جهد واهتمام واسعين وتوفير وقت للأبناء، أما من لا يريد أن يكلف نفسه عناء البحث والتقصي والاجتهاد في سبيل إعداد أبنائه الإعداد الأمثل وتفضيل الخروج مع الأصدقاء وتضييع الساعات خلف أجهزة التواصل الاجتماعي فنقول له هذا المقال لن يفيدك في شيء.

ثاني مهمة سنتحدث عنها هي قضية استغلال العطل والإجازات في تقوية نقائص الابن، فالعطلة ليست للعب الذي لا طائل وراءه ونقصد خاصة الألعاب الإلكترونية المضرة للذهن وللجسم، وأما اللعب مع الرفاق  فلا بأس به، إذا كان في بيئة آمنة وتحت رقابة الأهل لما فيه من اكتساب لروح الفريق ومهارات التواصل وكونه رياضة جسمية وحتى قد يتضمن قيما مختلفة، على أن لا تمضي العطلة كلها في اللعب، فلا بد من الحرص على تشجيعه على المطالعة وعلى تعلم اللغات وحفظ القرآن وحتى ممارسة هوايات كالرسم أو الإنشاد والمشاركة في أنشطة جمعوية تهتم بمواهب الطفل، وبذلك نكون قد دعمنا قدرات ومعارف الطفل وأسهمنا في خلق توجهات إيجابية لديه وحتى زيادة ثقته في نفسه التي تزيد كلما زادت معارفه ومهاراته.

ثالث مهمة هي الحرص على تعريف الطفل بقدوات المتفوقين والمخترعين والعلماء والمتميزين، وهناك طريقتان لتحقيق ذلك، الطريقة المباشرة والطريقة غير المباشرة وتتمثل الطريقة غير المباشرة في نقل سيرة هؤلاء للطفل عن طريق القصة والحكاية أو عن طريق مشاهدة فيلم عنهم، وكلما كان الأسلوب مشوقا كلما انجذب الطفل وتأثر بهم وبقيت سيرتهم ماثلة في ذهنه ووجدانه، أما الطريقة المباشرة وهي الأفضل في رأيي تكون عن طريق جعل الطفل يلتقي بالناجحين الأحياء وجها لوجه، ومن الأفضل أن تكون جنسيتهم جزائرية أو عربية وذلك باغتنام فرص حضورهم إما لإلقاء درس أو محاضرة أو أي مناسبة فذلك يكون أثره أوقع في النفس، كما أنه يزيل فكرة موجودة في أذهان الكثير من الأطفال، أن الناجحين هم من الغرب فقط أو أنهم من العرب الذين عاشوا قديما وماتوا، وأن أمتنا ليس فيها شخصيات مميزة، فمهمة الآباء هنا زرع القدوات المؤثرة في نفوس الناشئة من أبنائهم وإبهارهم بما أنجزوه وبما نالوه من جوائز ومن حظوة ومكانة، فيخلق لديهم دوافع اقتفاء الأثر والإنجاز والنجاح.

المهمة الرابعة العمل باستمرار على تهيئة الأبناء نفسيا وعقليا وزمنيا ومكانيا وجسديا وحتى روحيا، ونقصد بالتهيئة النفسية شحذ همة الطفل وتوفير الجو النفسي الآمن البعيد عن القلق والمشاحنات والمليء بالإيجابية والتشجيع والمديح بعبارات تسعده، أي باختصار التفنن في بناء علاقات إيجابية مع الأبناء، أما التهيئة العقلية فيمكن أن تتم عن طريق إطلاعه على استراتيجيات عمل الدماغ وقدراته، وتتمثل التهيئة الزمانية بمساعدته على معرفة ساعة النشاط البيولوجية فالعلماء يقولون أن هناك أهل النهار، أي ذروة نشاطهم تكون نهارا، وهناك أهل الليل عكس الفئة الأولى، التهيئة المكانية ونقصد بها الحرص على وجود مكان مريح للدراسة يتمتع بالإضاءة ويمكن تزويده بالألون المريحة خاصة الأخضر المحفز على الإبداع، ويمكن اقتناء نبات أخضر في غرفة الدراسة على أن يخرجه ليلا، التهيئة الجسدية نقصد بها التغدية الصحية، وننصح -كغذاء مفيد- لتنشيط الدماغ بالتمر أو الزبيب أوالجوز وطبعا الماء النقي، وهي تعد من الأغذية الأساسية للطفل ويقول العلماء أن (21) حبة زبيب صباحا تغني عن وجبة كاملة، أما التهيئة الروحية فتتمثل في تعويد الأبناء على قراءة الأدعية وذكر الله والاستعانة به دوما وفي كل خطوة.

المهمة الخامسة هي العمل على معرفة ميول الأبناء وتشجيعها وتحفيزها وتوجيهها توجيها سليما، وأن لا نفرض عليهم ميولاتنا نحن، فالكثير من الآباء لديهم فكرة خاطئة عن التفوق والنجاح فيربطونه بتحصيل العلامات الكاملة في المواد الدراسية، كما يربطونه بتخصص معين، والصحيح أن المواد الدراسية تعبر عن نوع واحد من الذكاء وهو العقلي فقط، بينما قد يتمتع الأبناء بأنواع أخرى من الذكاء تؤهلهم للنجاح في مجال آخر غير الذي يتوقعه الآباء، فهناك الذكاء الاجتماعي الذي يؤهل الابن للنجاح في مهن قائمة على التواصل والذكاء البيئي الذي يؤهل للنجاح في مهن كالزراعة والذكاء الحركي الذي يؤهل للحرف وغيره من الذكاء الذي حدده العالم الأمريكي “هوارد جاردنر” بثمانية أنواع وننصح الآباء بالاطلاع عليها.

وفي الأخير يحضرني نماذج تطبيقية واقعية لشخصيات ناجحة هي: شخصية العالم المصري “أحمد زويل” والعالم الجزائري “عبد الحميد ابن باديس ” والمخترع الجزائري “محمد دومير” ويمكن لسيرتهم وعوامل نشأتهم والعوامل المفجرة لطاقاتهم أن تكون قدوة للآباء والأبناء في مسيرتهم، ويمكن للقراء الاطلاع عليها وهناك غيرها الكثير من النماذج التي تستحق إلقاء الضوء عليها.

وأشير فقط أن ما جاء من توجيهات قد يصلح لتطبيقه على الأطفال الصغار في الابتدائي  وحتى للطلبة في المتوسط والثانوي ولأي طالب علم، ويبقى التطبيق هو الفيصل والذي يحتاج إلى قناعة الشخص وإيمانه بأن التفنن في التربية هو منهج حياة نعيشه بكل استمتاع مع أبنائنا ويحتاج إلى إبداع وتجديد واستفادة من التجارب الموجودة في الدراسات الحديثة عن الدماغ والإنسان، دون إهمال ما يحويه تراثنا من درر تربوية زاخرة صالحة لزماننا، وكلما كان المربي يفتقد لهذه القناعة بضرورة تبني منهج جديد كلما وجد المهمة صعبة وثقيلة ومرهقة؛ وكما يقول المثل:

“فاقد الشيء لا يعطيه” وهذا ما لا نأمله.

مع تمنياتي بالتوفيق لجميع الآباء في مهمتهم الشريفة والنبيلة والمقدسة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب”لا بطعم الفلامنكو “

أ. غنية حشايشي / باللهجة المصرية الحلوة يقدم لنا الدكتور محمد طه خلاصة تجربته في …