الرئيسية | قضايا و آراء | صباتييه وماسكري وبدايات تنفيذ “السياسة البربرية” على أرض الواقع في الجزائر/ سيفاوي عبد اللطيف

صباتييه وماسكري وبدايات تنفيذ “السياسة البربرية” على أرض الواقع في الجزائر/ سيفاوي عبد اللطيف

مع صباتييه وماسكري ندخل في المرحلة الثانية الأساسية لتعامل فرنسا مع المسألة البربرية في الجزائر.

وللتذكير فإنّ الاستعمار الفرنسي من حيث تعاطيه مع المسألة البربرية، قدعرف ثلاثة محطات أساسية، المحطة الأولى هي محطة وضع الأسس والتأكيد عليها، المحطة الثانية هي محطة الدراسات المتخصصة ووضع السياسات، والمحطة الثالثة، هي محطة الاستمرار والتورية والحذر.

المحطة الأولى تمتد من أواخر العشرية الأولى من الاحتلال إلى غاية انتفاضة المقراني سنة 1871، وأهم ما يميزها هو تشكيل اللجنة العلمية لاكتشاف الجزائر سنة 1939، وأعمال كاريت وودونوفو التي تمخضت عنها، ثم مشروع نابليون الثالث المعروف بالمملكة العربية، ورد فعل المناوئين لتلك السياسة والذي كان أبرزهم  السيد وارنييه.

والمحطة الثانية ، تمتد من إحلال الحكم المدني بالجزائر إلى الثلاثينات من القرن العشرين، وأهم ما ميز تلك الفترة، هو الحكم المدني والمدارس العليا وسياسة التعليم واحتلال المغرب ثم الظهير البربري، وهي المرحلة التي تمت فيها كبرى المحاولات لوضع السياسات القائمة على الأسس النظرية التي تمّ بلورتها والمتعلقة بالمسألة البربرية.

والمحطة الثالثة تمتد من بداية الثلاثينات إلى سنة 1962، وتميزت بانتهاج سياسة حذرة، خفية لكنّها مؤكدة للنهج الذي تمّ وضعه في الحقبة السابقة.

 

كميل صباتييه Camille Sabatier، يعد من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالسياسة البربرية الفرنسية، وهو يعتبر وريث وارني الذي تحدثنا عنه في مقال سابق، من حيث الاستماتة في الدفاع على طروحاته الحدية، ولقد كان تأثيره بالغا سواء بمؤلفاته أو بقدرته في التأثير على أصحاب القرار أو بحكم المناصب التي تقلدها خاصة كمستشار للحاكم العام لافيريار سنة 1898 على وجه الخصوص وكمسؤول على إدارة البلدية المختلطة فور ناسيونال من سنة 1880 إلى سنة 1885.[1]

ولقد كتب مجموعة من الكتب حول مواضيع عدة ذات الصلة بالبربر والقبائل، دافع من خلالها على الأصل السلتيceltique للبربر، وفكرة عدم تدينهم، وتفوق العنصر القبائلي على باقي العناصر البربرية[2].

والذي يثير الانتباه، أنّ شخصية كهاته المعروفة بطروحاتها الحدية وفر لها المجال لتجسد أفكارها على أرض الواقع، بموافقة من الحاكم العام تيرمان ومباركة علمية من بول برت، وكذلك كان الأمر بالنسبة لزميله رينوكس ببلدية جرجرة.

إيميل ماسكري Emile Masqueray، يعد أيضا من الشخصيات البارزة وخاصة في المرحلة التي تعتبر حاسمة بالنسبة للمسألة البربرية أي الثمانينات من القرن التاسع عشر الميلادي، ولقد كتب عنه أوغستين برنار بالمجلة الإفريقية لسنة 1894[3]  فبين أنّه قدم إلى الجزائر سنة 1872 حيث تحصل على بعض المخطوطات الهامة ومن بينها تاريخ أبو زكريا كتاب النيل .

ويرى سعد الله أنّ ماسكري هو الذي أوصى باحتلال ميزاب سنة [4]1882، كما مكث سنتين بالأوراس1875  وهو من الأوائل الذين كتبوا عن قبائل الأوراس[5]، وهو أول من قرر أنّ قبائل الأوراس تعربوا بسبب الإدارة الفرنسية التي فرضت عليهم الاحتكام إلى القضاة المسلمين سنة [6]  1866ومكث أيضا ثلاثة أشهر بوادي ميزاب 1878 [7]،  ولقد تميزت مساهمته في كونها جمعت بين الجانب النظري والجانب العملي الميداني.

أمّا نظريا فلقد ألف مجموعة من الكتب ذات الصلة بالبربرية، ومن أهمها مذكرته لنيل شهادة الدكتوراه حول تكوّن المدن عند المجموعات السكانية المستقرة، والذي تم طبعه سنة 1886.

والملاحظ أنّ في كتابه هذا رجع إلى أهم ما كتب حول البربر قبله مع إبداء ملاحظات سريعة حول كل كتاب ، وهي في أغلبها كانت حول منطقة القبائل، كما أنّه نوه فيه بكاريت وعمله الذي قال عنه أنّه رغم كونه كتب 10 سنوات قبل السيطرة الكاملة على القبائل الكبرى، إلا أنّ الكتاب يتضمن كثيرا من الحقائق، ثم نوه بدراسة لتورنو واعتبرها أهم دراسة على الإطلاق رغم اقتصارها على الاهتمام بمنطقة القبائل دون غيرها من المناطق البربرية.

أمّا من الناحية العملية فلقد أشرف على عملية إنشاء أولى المدارس الابتدائية بمنطقة القبائل، كما كان على رأس مدرسة الآداب التي تحولت فيما بعد إلى كلية وكان أول مديرها[8]، والتي كان لها اهتمام خاص بالدراسات البربرية، ورئيس الجمعية التاريخية من 1893 إلى 1894 خلفا لرين صاحب الدراسة حول انتفاضة 1871.

ولقد زار منطقة القبائل لأول مرة سنة 1873 ومكث بها ثلاثة أشهر سنة 1882 في مهمة كلفه بها وزير التعليم العمومي جول فيري والمتمثلة في إجراء الدراسات التمهيدية التي سمحت بإنشاء المجموعة الأولى من المدارس بمنطقة القبائل الكبرى، بني يني، تيزي راشد، ميرا، جمعة سهريج …[9] ، واسم ماسكري بقي مرتبطا بإنشاء المدارس الفرنسية بمنطقة القبائل والتي سوف يكون تأثيرها كبيرا على مستقبل المنطقة وعلى الجزائر كما سوف نرى.

وفي سنة  1876 ماسكري الذي يصنفه بعض الباحثين بالمعتدل في طروحاته والموضوعي في أعماله يقول عنه الدكتور سعد الله أنّه كان يؤمن بنظرية الأعراق إلاّ أنّه كان أقل حماسة للموضوع من زميله صباتييه[10]،  كتب في مجلة» سياسة وأدب «، طرح مجموعة من الآراء التي تؤكد على الأقل أنه في تلك الفترة كان من المدافعين على ضرورة سياسة تفضيلية تجاه القبائل ومناهضة للإسلام الذي اعتبره العدو الأبدي وذلك عن طريق العمل بالقوانين القبائلية التي حسب رأيه ستوسع من الفجوة القائمة بين العرب والقبائل، مضيفا أنّه إذا أردنا في غضون جيلين، أن تصبح بلاد القبائل فرنسية، فذلك يتطلب معلما في كل قبيلة [11].

ويقص ماسكري كيف أمام الصعوبات التي تلقاها في جمع الوثائق بمنطقة ميزاب سنة 1876، لجأ إلى الحيلة بالقول أنّه سيستخرج من وثائقكم الحجج التي تنفي ما يقولونه عنكم العرب بأنكم خرجتم من الدين بجهلكم [12].

ومع تنظيم التعليم العالي بالجزائر سنة 1880 كلف بإدارة مدرسة الأداب وتدريس التاريخ بها [13] ، واحتفظ بالمنصب حتى وفاته سنة  1894 أي 14 سنة.

و في تقديمه لكتاب ليونل  » الأعراق البربرية ،بلاد القبائل الجرجرة  « الصادر سنة 1892، والذي اعتبره  ماسكري من الكتب التي تقدم  نبذة ملخصة عن كل ما يجب أن يعرف عن منطقة القبائل، ومن خلال تساؤلاته حول مستقبل هذا الشعب الجاهل والخائف على حد تعبيره، فإنه يرى في وجود مدارس فرنسية بأعداد تفوق عدد المساجد، فإنّ ذلك مدعاة للتفاؤل[14].

وليونل هذا  في حقيقة الأمر يتبنى أهم الطروحات المتداولة حول القبائل وكان يؤمن بضرورة سياسة تفضيلية إزاءهم ولقد كتب في مقدمته » علينا أن نملك القبائل ماديا ومعنويا « [15] .

 

[1] Charles –Robert Ageron , Les Algériens musulmans et la France 1971-1919, Edit Edif , Tome 2 P873

[2] Ageron , Les Algériens musulmans et la France 1971-1919, Edit Edif , Tome 1 p 275

[3] Rev. Af., 1894, p. 371

[4]سعدالله  ،أبو القاسم , تاريخ الجزائر الثقافي،دار البصائر ،م 8 ،ص 34

[5] سعدالله  ،أبو القاسم , تاريخ الجزائر الثقافي،دار البصائر ،م 6 ،ص 363

[6] Ageron , op cité p 884 note 4

[7] idem

[8]  سعد الله ،تاريخ  الجزائر الثقافي م 6،ص35

[9] Émile Masqueray , Formation des cités chez les populations sédentaires de l’Algérie ,Page19

[10] سعد الله، أبو القاسم الحركة الوطنية الجزائرية،ج1،ص530

[11] Ageron ,op cité, p275

[12] Revue africaine vol 100 année 1956gabriel esquer /souvenir…,p 206

[13] idem

[14]  Jules Liorel, Races berbères Kabylie du Jurjura / ; préface de M. Émile Masqueray

[15] idem

عن المحرر

شاهد أيضاً

ضباب في التربية!/ علي حليتيم

‏‫في رواية عائد إلى حيفا للروائي الفلسطيني غسان كنفاني الذي قتله الموساد الإسرائيلي يحكي لنا …