الرئيسية | على بصيرة | في عيد المرأة: ظلموك، أيتها الفتاة بجهلهم/ أ.د عبد الرزاق قسوم

في عيد المرأة: ظلموك، أيتها الفتاة بجهلهم/ أ.د عبد الرزاق قسوم

 

 

رحم الله، معروف الرصافي، ذلك الشاعر العراقي المبدع، الذي تخصص في تصوير، قضايا مجتمعية، فأعطى الأولوية في ذلك، لقضايا المرأة.

انفرد الشاعر العراقي، فرسم بالدموع والعَبرات، ما تعيشه المرأة العربية المسلمة من مأساة ومعاناة، عكس ما فعل الشاعر السوري نزار قباني، الذي رسم بالكلمات والعبارات جغرافية جسد المرأة، مسلطا الضوء، على مفاتنها، وما تحتويه من مغريات.

فبدل جغرافية الجسد هذه، قدّم لنا معروف الرصافي، تاريخ النكد الذي تعيشه المرأة في مجتمعنا، فأبرز نماذج من صور المطلقة والمحرومة واليتيمة، وأم اليتيم، والبئيسة..إلخ.

وها نحن نقدم نماذج من شعره عن المرأة البئيسة، والتي لا تزال معاناتها تسري إلى اليوم، حتى وهي تحتفل، بعيدها العالمي.

فعن المرأة البئيسة المحرومة، يقدم لنا الرصافي، هذا الرسم المؤلم، المعبّر فيقول:

لقيتها، ليتني ما كنت ألقاها

تمشي، وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابها رثّة، والرِّجلُ حافية

والدمع تذرفه في الخد، عيناها

مات الذي كان يحميها ويطعمها

فالفقر من بعده، باليتم أضناها

إنّ هذا المشهد المأساوي، هو الذي تَصفع به ضمائرنا اليوم، المرأة السورية، والعراقية، واليمنية، والمصرية، والليبية، والصومالية، وغيرهن من اللواتي، أفزعهن العنف، وأخرجهن الظلم، وشردتهن الحرب.

وعن المطلّقة، المقطوعة الوصل يقدّم لنا الشاعر العراقي معروف الرصافي، هذا الإبداع المبحوح، المتقطع الآهات، فيقول على لسانها:

لماذا، يا نجيب قطعتَ حبلي

وهل أذنبت عندك، يا نجيبُ؟

وما لك قد جفوت جفاء قالٍ

وصرتُ، إذا دعوتُكَ، لا تُجيبُ؟

أَبِنْ ذنبي إليَّ، فدتكَ نفسي

فإني عنه – حينئذٍ، أتوبُ

لقد ألف مجتمعنا، هذه القصص التي تلقي بها، إلينا المحاكم، كل يوم حتى أصبح بعض الظرفاء يتندرون به فيَضحكون ويُضحكون، ولكنه ضحك كالبكاء، فيقولون “في الصيف القاطو وفي الشتاء البوقاطو”.

وعن اليتيم أو اليتيمة، يصعد الرصافي زفرة حارة، يشعل بها ضمائر كل الأحرار، فيقول “عن اليتيم في العيد”:

أطلّ صباحُ العيد في الشرق يسطع

صباحا به الأفراح تمضي وترجع

صباح به يكسو الغنيُّ وليده

ثياباً، لها يبكى اليتيمِ المضيع    

ألا ليت يوم العيد، لا كان، إنه

يجدد للمحزون، حزنا فيجزع

هكذا –إذن- غاص معروف الرصافي في واقع المأساة الاجتماعية التي تعيشها المرأة العربية المسلمة، هذه التي قال عنها إمامنا محمد البشير الإبراهيمي: “إنّ المرأة عندنا تنتحب، وهم يريدونها أن تنتخب”.

تذكرت هذه النماذج البشرية الاجتماعية ونحن نحتفل، هذه الأيام، بالبدعة الاجتماعية، التي ابتدعوها، وسمّوها “عيد المرأة العالمي”.

لقد أتيح لنا، أن نشارك هذه السنة بهذه المناسبة بمنطقة زواوة، بدعوة كريمة من شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بمدينة عزازقة، فاستطعنا، أن نحوّل البدعة إلى سنة حسنة، لما أضفاه المنظمون، للحفل عليها من طابع علمي.

نُظمت –بهذه المناسبة-، ندوة علمية، مثّل فيها جمعية العلماء الأستاذ امهنا رئيس شعبة جمعية العلماء لولاية تيزي وزو، ومن المكتب الوطني، كاتب هذه السطور كرئيس للجمعية، والأستاذ قدور قرناش، عضو المكتب الوطني، المراقب لمنطقة الغرب الجزائري.

هذا إلى جانب نخبة من المشاركين يتقدمهم السيد رئيس دائرة عزازقة، وأمين عام الدائرة، والأستاذ الخضيري منشط الندوة، ومؤرخ أزواوة الأستاذ لهبيري والشيخ محمد الطيب، مترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية وغيرهم من نساء الأمن، والمواطنين والمواطنات.

كانت الندوة من تنشيط الأستاذات الدكتورة سامية قطوش، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، والداعية الإسلامية المتميزة بلغتي الضاد والصاد كما يقول أحد علماء الجمعية، أي العربية والأمازيغية، والأستاذة جميلة بشور، والشاعرة الأمازيغية المتميزة الأستاذة مسعودة.

لقد تميزت الندوة، بالإبداع والتجديد في الطرح، وفي الاستنتاج، فسمت عن المعلومات المحنّطة، التقليدية التي ألفناها في مثل هذه المناسبات، وخارج جمعية العلماء، حيث يقع التباهي بإنجازات المرأة، ومكانتها في المجتمع، وهو أمر مألوف يعرفه العام والخاص.

قدّمت المحاضِرات، لنا، تحليلا واقعيا لحالة المرأة المسلمة عموما، والجزائرية على الخصوص، فكان، النقد الموضوعي، البنّاء لدور المرأة والرجل، والتكامل بين دوريهما، ونكتفي بتقديم نماذج من ذلك.

قالت الدكتورة سامية قطوش، إنّ القوامة رمز قوة للمرأة، وحماية لها، وليس عنوان تسلط عليها، أو أداة إضعاف لها.

ولذلك أكدت المحاضِرة على ضرورة وضع ماكياج عقلي للمرأة، لتمكينها من أداء دورها باقتدار وكفاءة.

أما الداعية المسلمة الأستاذة جميلة بشور فقد نحت نفس المنهج، حينما أكدت على أنّ دور المرأة في البيت، هو عنوان إثبات لوجودها، وليس عنوان إضعاف. داعية الرجل، بأعلى صوتها: أيها الرجل كن رجلا، حتى لا تتجاوزك المرأة، فإن تجاوزتك، يكون ذلك إفسادا لها، وإذا فسدت المرأة، فسد المجتمع.

وتغنت الشاعرة الأمازيغية، بمعالم الجزائر، ورموزها، مؤكدة على دور المرأة، فأطربت الحاضرين وأَعجبت وأُعجبت.

وفي تأملنا لعيد المرأة عندنا، وعند الغرب، نجد كيف أننا أخذنا بالقشرة، وتركنا البذرة. ففي فرنسا مثلا، التي يسبح بحمدها بعضنا، لا تُمنح المرأة إجازة نصف يوم في العمل، حفاظا على فعالية الإنتاج في اقتصاد صلب، ومساواة لها بالرجل في الحقوق والواجبات، بينما تُمنح المرأة عندنا نصف يوم، في مجتمع اقتصاده هش كبـَيْت الزجاج.

فإذا كنا، كما نتبجح دائما، بأننا نقلد فرنسا في كل شيء، فلماذا لا نقلدها في الشيء الحسن، كاقتطاع مرتب يوم كامل في السنة من مرتبات العمال والموظفين، لمساعدة المعاقين وذوي الحاجة تضامنا معهم؟

إنّ الحقيقة هي أننا، عندما نقحم المرأة في هذه التقاليد، فإننا نظلمها باسم التقليد، وباسم التقدم المزعوم، وكما يقول الرصافي دائما:

وكم مدّعٍ فضل التقدم ما له

من الفضل إلا أكله، بالملاعق

عن المحرر

شاهد أيضاً

القول المدروس في تهافت دعاوى الشيخ فركوس/أ.د. عبد الرزاق قسوم

ما كنت أحسبني، أحيا إلى زمن، أُظطر فيه إلى التردي في هذا الدرك الأسفل من …