الرئيسية | أقلام القراء | في ذكرى وفاة الشيخ الغزالي/ عبد القادر قلاتي

في ذكرى وفاة الشيخ الغزالي/ عبد القادر قلاتي

يمثل الشيخ محمد الغزالي –بالنسبة لجيلي والأجيال السابقة- حالة متفردة من نموذج العالم والداعية والمفكر، فالشيخ بما وهبه الله تعالى من صفات وملكات وقدرات، ثم من خبرة في مجال الدعوة التي عاش لها وضاق من أجلها السجن والمطاردة والهجرة، كلّ ذلك جعل من تجربة الشيخ حالة خاصة في سياق نضال الحركة الاسلامية المعاصرة، التي بدأت مع جهود الافغاني وعبده ورشيد رضا، وتحوَّلت إلى فعل وتجربة نضالية مع حسن البنا في مصر، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع ابن باديس والإبراهيمي في غرب العالم الإسلامي، ومع الجماعة الاسلامية في شبه القارة الهندية.

لقد تمكن الشيخ محمد الغزالي من توظيف كلّ ذلك المجهود الكبير الذي انتجته الحركة الاسلامية بعمومها، وساق منه خطابا متميزاً جسده في مجموعة من الكتابات الرائدة التي كانت بالنسبة لأبناء الحركة الاسلامية في العالم الاسلامي الزاد الكافي للحصانة الفكرية والسلوكية، كما كانت تقدم الاجوبة الوافية لأهم الاسئلة التي واجهت ذلك الجيل، الذي عاش مرحلة الاستعمار وما شكلته من عبء نفسي وفكري ترك آثارا واضحة في سلوكه وتوجهاته، كما عاش مرحلة الدولة الوطنية، وما شكلته- أيضاً – من عطب وتشوه في البنية النفسية والفكرية، فأحلام ذلك الجيل بالانتصار وهزيمة المشروع الاستعماري الغربي في العالم الإسلامي وبناء الدولة الوطنية الحديثة، انتهت الى مجرد أحلام واهية، فالاستعمار لم يخرج إلاّ ليدخل من ابواب أخرى، ونموذج الدولة الوطنية، التي تسلمت قيادة البلاد والعباد، بعد خروج الاستعمار، لم تحدث التغيير المنشود الذي انتظره ذلك الجيل، بل كانت سياساتها صورة طبق الاصل من سياسات تلك الدول الاستعماري، وفي لحظة فارقة من تاريخنا المعاصر، وجد هذا الجيل ضلته في الاسلام كغطاء حضاري، فكانت كتابات الشيخ الغزالي، من أوعى الكتابات التي عالجت مشكلات الحياة السياسية والدينية والاجتماعية، فاتصل بها شباب الحركة الاسلامية في عموم العالم الإسلامي، يلتهمونها التهاما، وامتد تأثيرها حتى الجيل الذي انتمي إليه، وأرى انه الجيل الذي ختمت به الحركة الاسلامية قدرتها على التأثير والفاعلية الفكرية، لقد حوّل الشيخ محمد الغزالي جيل الثمانينات، -عندما نزل بالجزائر التي كتب عنها كثيرا في كتاباته المتقدمة، وعرف علماءها الذين عاشوا في مصر مثل الفضيل الورتيلاني والعلامة محمد البشير الإبراهيمي إلى جيل واعي بقضايا امته ووطنه، فكان الجيل الاكثر وعيا والأشد عزيمة.

إنَّ التشوه الكبير الذي ألحقه بعض المنتسبين للإسلام اليوم، يجعلنا نستدعي كتابات الشيخ محمد الغزالي، إلى فضاء الفكر الإسلامي كما يدفعنا إلى شرح خصوصية هذا الكتابات –أي الأفكار التي ابدعها الشيخ الغزالي- لهذا الجيل حتى يتمكن من استيعاب جملة التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية الراهنة، وهذا الامر يتطلب إعادة قراءة كتابات الشيخ على ضوء مجمل تلك التحولات ومراعاة الخصوصية التاريخية، ليتمكن الجيل الجديد من استعابها وتوظيفها توظيفاً سليماً، وهو ما يتطلب مقدرة كبيرة في حسن الاختيار والشرح والتوظيف، حيث ينتخب لهذه المهمة ثلة من السادة العلماء والمفكرين الواعين الذين تربوا على كتب الشيخ وخاضوا تجارب متنوعة في مسارهم الفكري والدعوي، وهذا جزء من جملة حلول تتطلبها المرحلة الراهنة بخصوصياتها وتحولاتها الكبيرة. والله المستعان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رمضان في المهجر – واهتمام الجزائر بالبعد الإسلامي بجاليتها/ سعدي بزيان

كانت الجزائر أول بلد مغاربي يولي اهتمامه بجاليته في المهجر وفرنسا خصوصا، وذلك قبل الاستقلال …