الرئيسية | قضايا و آراء | ما يحدث في الغوطة جريمة مكتملة الأركان…/ محمد العلمي السائحي

ما يحدث في الغوطة جريمة مكتملة الأركان…/ محمد العلمي السائحي

إن ما يحدث في الغوطة، أمر يستعصي على وصف الواصفين، ولا يمكن لذي ضمير أن يوافق عليه ويتغاضى عنه، فضلا عن كونه مناف للقوانين الدولية ومخالف للشرائع الإنسانية سماوية كانت أو أرضية، إن قصف المدنيين بحجة تواجد مقاتلي المعارضة بينهم ليس بالمبرر المعقول ولا المقبول، وهو يستحيل عليه أن يفسر لنا استهداف الأسواق والمخابز والمستشفيات ورجال الحماية المدنية، إن ما تقوم به روسيا وإيران والنظام من قصف ممنهج بالطيران، والبراميل، والصواريخ الموجهة، والمدفعية الأرضية، يشير بكل وضوح أن النيّة الخفية عند هذا الثالوث المقيت، هي جعل الحياة في الغوطة مستحيلة، وذلك قصد إكراه من فيها على الخروج منها طلبا للنجاة بأنفسهم من الجحيم المستعر فيها، يؤكد هذه النية الخبيثة، عرقلة ومنع المساعدات الإنسانية من مواد غذائية ومستلزمات طبية من الوصول إليها، وذلك حتى يسهم التجويع والعجز عن معالجة الجرحى بفعل انعدام الأدوية والوسائل الطبية في مضاعفة عدد الضحايا، وذلك من شأنه أن يولد جوا من فوبيا الحرب، مما يدفع بساكنة الغوطة إلى التفكير في مغادرتها حفظا لأنفسهم وذويهم، قد يتعللون بهدنة الخمس ساعات في اليوم التي سنتها روسيا مكرهة لا مختارة حتى تداري ما انكشف للمجتمع الدولي من كون ما تقوم به في الغوطة تحديدا جرائم حرب وجرائم إبادة إنسانية، ومحاولة منها لترقيع خرقها لقرار مجلس الأمن الذي قضى بوقف الأعمال القتالية وترسيم هدنة لمدة ثلاثين يوما في عموم سوريا.

إن ما يجري في الغوطة جريمة مكتملة الأركان، وهي جريمة إرهابية بكل ما في الكلمة من معنى، فقصف المدنيين، وتجويعهم، وحرمانهم من وسائل التداوي والعلاج، يدل دلالة قاطعة، على أن الهدف من العمليات التي تجري في الغوطة ترمي إلى الإبادة الجماعية لأهل الغوطة المنكوبة، وأن هناك نية لجعل مصيرها كمصير حلب من قبلها.

وإن ما يجري في الغوطة يتطلب اليوم من المجتمع الدولي بمختلف مؤسساته ومنظماته، التدخل الفوري لوقف الاقتتال في الغوطة قبل فوات الأوان، فلم يعد هناك وقت لمجاملة هذه القوة أو تلك، إن الأمر يتعلق بحقن دماء مئات الآلاف من النساء والأطفال والرجال.

إن ما يجري في الغوطة اليوم، يتطلب من الأمم المتحدة أن تعيد النظر في قوانينها وهياكلها ووسائل عملها، بما يحد من تمرد بعض الدول على قراراتها، كما هو الشأن مع روسيا وأمريكا وإسرائيل، فلم يعد مقبولا أن تستعمل بعض الدول حق الفيتو لمنع سريان قرار أممي، ولو كان يهدف إلى حقن دماء أبرياء، لا ناقة لهم ولا جمل في الحروب الدائرة هنا وهناك على ظهر  هذا الكوكب العجيب، فبقاء الوضع على ما هو عليه في الأمم المتحدة، لن يسهم إلا في تكريس قوة الأقوياء، وإضعاف الضعفاء أصلا، لقد حان الوقت للأمم المتحدة أن تجري مراجعة دقيقة لقوانينها ومعاودة صياغتها على النحو الذي يكفل للدول الأعضاء فيها التساوي في الحقوق والواجبات، وإن تم ذلك فإنّنا لن نجد أنفسنا في مواجهة جرائم إبادة جماعية كما هو الحال عليه اليوم في الغوطة واليمن وإسرائيل.

لابد لهذه المنظمة الأممية من مراجعة القوانين المنظمة للتدخلات العسكرية ووضع ضوابط واضحة تمنع الدول من التغوّل على المدنيين العزل، حتى نمنع تكرار جرائم الإبادة الجماعية كتلك التي حدثت في البوسنة والهرسك أو ما يحدث اليوم في سوريا عموما والغوطة خصوصا، أو ما يجري في اليمن وسيناء مصر وليبيا.

إنه لم يعد من المقبول من الناحية الأخلاقية ولا حتى القانونية، استخدام محاربة الإرهاب كذريعة لترويع الآمنين، وقتل الأبرياء من المدنيين، وتدمير ممتلكاتهم وتهجيرهم قسريا من مدنهم وقراهم، وإكراههم على اللجوء، وحياة التشرد والمسكنة، بعدما كانوا كراما أعزاء في مدنهم وقراهم تلك.

لم يعد خافيا أن ذريعة محاربة الإرهاب ليست إلاّ ستارا لتمرير مشاريع ترمي إلا تمزيق الأوطان، واستعباد الإنسان، والتفرد بالهيمنة والسلطان…

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من معاني العيد في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي/ د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها …