الرئيسية | اتجاهات | “فلسطين السلم والحرب” رب صدفة أفضل من ألف ميعاد…! / محمد الحسن أكيلال

“فلسطين السلم والحرب” رب صدفة أفضل من ألف ميعاد…! / محمد الحسن أكيلال

هل هي من محاسن الصدف أم من مساوئها؟ أم هما معا؟ يجتمعان لإجراء الامتحان العسير للعالم في هذه الأيام؛ العالم الذي تدخلت العولمة في إعادة بناءه وتوضيبه و تنصيبه على أسس كانت تعتبر من أرقى ما وصلت إليه عبقرية الفكر الأمريكي المعاصر بزعامة المحافظين الجدد والصهاينة الذين لم يتوقف إبداعهم وابتكاراتهم في شتى ميادين الثقافة والفكر والإعلام والسياسة والدبلوماسية والاقتصاد بكل ما يحتويه من تكنولوجيا وصناعات حربية ونفطية وتسيير مالي وتجاري خلال العقود السبعة الماضية عن الحرب العالمية الثانية.

لقد بدأت دولة الكيان الصهيوني مسارها من الصفر في عام 1948م، وشكلت جيشها الذي لا يهزم كما أراد الذين أنشؤوها من العصابات الإرهابية الثلاثة (شتيرن، الهاجانا، الأرجون) التي كانت تزرع الرعب في أوساط المواطنين الفلسطينيين العزل الآمنين، فتقتل من تقتل، ويهرب من يهرب تاركا بيته ومتاعه وأرضه إلى البلدان المجاورة، ولم تمض أحد عشر سنة من عمر هذا الجيش حتى أصبح مالكا للتكنولوجيا والقنابل الذرية بفضل مساعدة الدولة الفرنسية التي كانت تواجه في تلك الفترة جيش التحرير الجزائري الذي أبان لها عن قدرات الشعوب المقهورة إذا أرادت الانتصار لكرامتها وحقوقها المسلوبة.

الدولة الصهيونية النشاز خَلقا وخُلقا مثلها مثل النعجة “دوللي” التي خلقت في أنبوب اختبار في مختبر، والتي أثارت ضجة كبرى في أوساط علماء البيولوجيا والاجتماع وفلاسفة الأخلاق في العالم، إنهم حذروا من مواصلة التجارب حتى لا تصل البشرية يوما إلى كارثة خلق إنسان مثل “هتلر” أو “موسوليني” ومع ذلك فالغرب واصل تجربته العلمية في خلق دولة في أنبوبة اختبار تم وضعها في حاضنة زجاجية موصولة بمختلف أنابيب التغذية والعلاج المقوي، أنابيب امتدت لها من الدول الاستعمارية الغربية الثلاثة: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن اشتد عودها وأصبحت تستنفر الجميع بشذوذها المتوحش بما في ذلك تلك الدول التي صنعتها؛ بتضخم جسم هذا الكائن، وشعوره بضيق الحاضنة الاصطناعية التي هو فيها كسر جدرانها، وتمدد في كل الاتجاهات والأبعاد ليعوض الهواء الذي يضخ له بالهواء الطبيعي فارتعش كل جسمه من الخوف والرعب منه. إن مجتمعا كهذا أُخذت بذوره من أتربة ومناخ غير التربة، والمناخ الذي وجد نفسه فيها، ما جعله يتخبط ويضرب بأيديه الكثيرة كل من يحيط به وبكل الأسلحة التي يمتلكها والتي وفرتها له الدول التي خلقته، إنه لم يكن مقتنعا بما أعطي له وما يعطى، لقد ألف الطلب، طلب كل شيء جديد يراه لديهم، ولم يرفض له طلب في يوم من الأيام، والطلبات تتزايد وتزداد إلى أن بلغ به الحال إلى طلب تدمير كل ما يقع حوله من دول وشعوب وعمران وشجر وحجر، حتى لو كان ذلك من أملاك شعوب ودول محسوبة على صانعيه كحال مصر وتركيا ودول الخليج…!

لقد أحاط نفسه بجدار اسمنتي عازل ظنا منه أنه يقيه من الزوابع الرملية وعواصف الصحاري التي لم تألفها جيناته المأخوذة من بلدان تختلف مناخها وأتربتها عن مناخ وتربة المنطقة.

نظام الكون الذي خلقه الخالق عز وجل يخضع لنواميس الأفلاك والمدارات والدورات، ودورة قرن من الزمن معروف عنها أنها تأتي بتغيرات غير مألوفة في الطقس وكل ما يرتبط بها من سلوكات المخلوقات التي تعيش على سطح الكوكب بما في ذلك البشر، والنظام الذي أوجدته الرأسمالية العالمية بتحفيز وحقن الصهيونية العالمية نسي هذا النظام الإلهي الذي لا يخضع للبشر وأراد أن يواصل دورانه حسب مشيئته هو عكس مشيئة الله تعالى، فوجد نفسه أمام خطر داهم، خطر عدم التحكم في قراري الحرب والسلم الذين سن لهما قانونه الخاص، فوجد نفسه في نفس المربع من نفس الموقع عاجزًا حائرًا لا يدري ما يفعل، والتهديدات بالتدمير متبادلة بين المعسكرين الشرقي والغربي والضحية الأولى دون شك ذلك الكيان الذي يقف بينهما والذي سعى بسلوكه الوحشي إلى الدفع بالأحداث والأوضاع إلى هذا الخطر المحدق بالجميع.

“الصدفة تكون في كثير من الأحيان وراء حدث تاريخي”

لقد كتب أحد المفكرين السياسيين الأمريكيين في أحد كتبه: “أن الصدفة في كثير من الأحيان وراء حدث يغير مجرى التاريخ”، في هذه الأيام بالصدفة يحدث في أمريكا وفي دولة الكيان الصهيوني أن فتحت تحقيقات من طرف الأمن والمخابرات في البلدين ضد شخصين كلاهما تورط في قضايا فساد ورشوة. ففي أمريكا فتح التحقيق ضد “جارد كوشنر” صهر الرئيس الأمريكي “ترامب” وكبير مستشاريه المكلف بملف القضية الفلسطينية وهو صديق حميم لـ “نتانياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي فتح له ملف بدوره حول قضايا نفسها في دولته…!

الأول طرد من البيت الأبيض حماية لصهره من تمدد التحقيق إليه، والثاني بلغ الملف ضده الاكتمال وهو في انتظار الإقالة من رئاسة الحكومة.

صدفة أخرى لحدث آخر أخطر هو: تبادل التهديد بين أمريكا وروسيا بعد أن حاولت الولايات المتحدة فرض رأيها وقرارها بالقوة فيما يجري في سوريا، والصدفة في هذه المرة أن جعلت أصابع الرئيسين “بوتين” و”ترامب” على الزرين النوويين، والصدفة الثالثة والأخيرة أن يطير “نتانياهو” إلى أمريكا ليقابل صديقه الحميم “ترامب”، يقال: من أجل موضوع حول السلام في الشرق الأوسط وصفقة القرن…! بالمقابل يطير ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” إلى القاهرة لمقابلة الرئيس “السيسي” حول نفس الموضوع، وكلا الرجلين يعاني في بلاده، “السيسي” يعاني من معارضة وتشظي الجبهة الداخلية، وسمو الأمير يعاني أيضا من معارضة ولو كانت في بدايتها، ولكنها تنذر بنمو مخالبها، كما يعاني من حرب اليمن التي جندت ضده وضد بلاده الرأي العام العالمي، وتستنزف خزينته واقتصاد بلاده.

“فلسطين هي التي تصنع الحرب والسلام معا”

لقد بدأ تنفيذ القرار عام 1906م في فلسطين، وبعد قرن يعود القرار إلى الواجهة بفلسطين، حتى ولو أريد توقيعه في سوريا التي كانت أصلا بلدًا واحدًا يضم فلسطين والأردن ولبنان، المهم أن القرار هذه المرة يوقع بسبب فلسطين وفي فلسطين…! لأن السبب هو الكيان الصهيوني الذي يحتلها والذي طالب بتدمير العراق وسوريا، وربما حتى الدول الخليجية المجاورة لو لم يسارع حكامها إلى التزلف والتملق للكيان الصهيوني، القرار هذه المرة ليس لعبا، وهو قابل للتوقيع ما دامت أمريكا متمسكة بموقفها الرامي إلى احتلال منطقة شرق الفرات من سوريا وبناء قاعدة فيها، وروسيا متمسكة بالبقاء في قاعدة “حميمين” و”طرطوس” كآخر موقعين لها في البحر الأبيض المتوسط.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

احتلال فلسطين بين الوكيل والأصيل -2-/ محمد الحسن أكيلال

لم تعد سرًّا تلك العلاقة العضوية بين الدولة الـمنشَأة والدولة الـمنشِأة، بل أصبحت أمريكا تتباهى …