الرئيسية | في رحاب الشريعة | الصالحون المصلحون الذين يبنون ويجددون ولا يفسدون/ محمد مكركب

الصالحون المصلحون الذين يبنون ويجددون ولا يفسدون/ محمد مكركب

 

لقد كثرت فتن النزاع والصراع، وعادت إلى ساحة العالم الإسلامي حمية الغلاب، وتحول الحوار إلى حراب، فالواجب يقتضي من المسلم أن يكون ذا يقظة قوية يتفطن للأخطار التي بدأت تبرز قرونها بعد أن حامت حول حمى الإسلام والمسلمين منذ سنين، بل شرعت الآن في الهجوم المباشر على الأسرة، والأخلاق، والدين. وقوة الكفر تفكر في الضربة القاضية، بعد أن نجحت في التفريق، بين الشعوب، ووصلت إلى جعل أسباب توترات أججت بسببها حروبا أهلية بين أبناء هذه  الشعوب.كما ظهر على الساحة منذ عقود واستفحل هذه السنوات أكثر، حروب فكرية جديدة تمثلت في الطعن في الدين باسم الحرية، وتهديد أوطان المسلمين باسم محاربة العنف.

وقلنا إذن: ما هو المطلوب؟

نعم هما أمران خطيران: محاولة فصل حياة المسلم عن دينه وأخلاقه بتشكيكه في السنة النبوية، وتشكيكه في القرآن الكريم، وتشكيكه في الصحابة الكرام والعلماء والأئمة الأعلام، ومحاولة فصله عن وطنه وإخوانه، بدس نار الفتنة بين الحكام والمحكومين، والمذاهب والطوائف.

فالمسلم الصالح المصلح، مطلوب منه أن يثبت على الاستقامة التي هو عليها، وأن يكون حريصا على حفظ أولاده وأهله ومجتمعه، ومتفطنا لما يحاك حوله من المؤامرات ضد أمته وما يهدد مستقبله، وأن يغلب المصلحة العامة للوطن والأمة على مصلحته.

عناصر البحث: 1 ـ من هو المسلم الصالح المصلح الذي آمن واستقام؟  2 ـ أسباب الإصلاح واتقاء الفتن من الوسائل والأدوات. 3 ـ استثمار النعم لإقامة مدنية متكاملة حضارية ليتم الأمن والاستقرار، ثم البركات والازدهار.

والباب الأول من هذا البحث: من هو المسلم الصالح المصلح الذي آمن واستقام؟

قال الله تعالى في خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ولكل المؤمنين :﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾[هود:112/113] فتدبر قول الله تعالى: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي أن الصلاح والاستقامة لا تكونان بمناهج غربية ولا شرقية ولا أهوائية، وإنما بمناهج قرآنية سنية. بماذا أُمر محمد صلى الله عليه وسلم؟ أُمر بما جاء في القرآن الكريم، وما هو الخلق العظيم الذي كان عليه خاتم النبيين؟ هو خلق القرآن العظيم، وبم تتم الاستقامة الدينية والأخلاقية والأدبية والاجتماعية والسياسية بضوابط وأحكام القرآن العظيم.

لماذا لا يكفي أن يستقيم المسلم في نفسه وسلوكه في العبادة فقط ويترك أمر المجتمع؟ ذلك لأنه إن سكت عن الفساد من حوله، في الأسرة، أو في الحي، أو في القرية، أو حتى في أي مكان على الأرض فإنه يلحقه أذى ذلك الفساد، وقد يحاسب عليه إن كان يستطيع تغييره بالصلاح. قال الله تعالى:﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ اتقوا العذاب الذي يصيب الظالمين، فإن سكتم عن الظلم ورضيتم بالخبائث عمكم العذاب. قال القرطبي: قال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب) قال: (وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي، يستن بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار)[ الجامع لأحكام القرآن] وفي الحديث. عن زينبَ بِنْتِ جحشٍ أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: [نعم إذا كثر الخبث]( ب.ك.أ. الأنبياء: 3346) وما حديث السفينة عنكم ببعيد.

قال محاوري: لكن من هو المسلم الصالح؟ أو ما معنى قولنا: هذا شيء صالح أو فاسد؟ ومنه ما معنى العمل الصالح؟ الصلاح ضد الفساد، ومنه الصالح غير الفاسد، والفاسد ما نقص من مكوناته أو من أجزائه أو من خصائصه ما به يتم كماله ليقوم بدوره كاملا. فالشيء الفاسد الناقص الذي يظهر فساده من عجزه عن القيام بدوره. والمسلم الصالح هو الذي أسلم وجهه لله وهو محسن، لأنه عبد خلق للعبادة وفق ما شرعه الله تعالى، فإذا صار العبد لا يقوم بواجبه وفق النظام الذي شرعه الله، كان ذلك دليلا على فساد فيه، فإذا تعمد مخالفة الشرع صار مفسدا. فقولنا هذه الآلة صالحة لأنه جاهزة للقيام بدورها متى احتجنا إليها، وتلك الآلة فاسدة لأنها غير صالحة للقيام بدورها. وعندما أخبر الله تعالى الملائكة ببداية الحياة البشرية الآدمية على هذه الأرض فتحوا أبواب الحوار على مداخل هذه القضية الكبيرة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:30) فالصالح المصلح، يقوم بواجبه، مؤديا كل حق لأهله، ثم هو يعين الناس ويحمي حقوقهم حتى لا تضيع.

أما العمل الصالح: فهو الكامل المواصفات شكلا وقدرا وزمانا ومكانا، ثم النية الصادقة، والإخلاص التام. فالعمل الصالح الصحيح يكون مقبولا بشرطين: كمال وتمام الشكل والأداء، وكمال الإخلاص لله تعالى.

إصلاح الأولاد: إن الذين يريدون أن يعالجوا آفة المخدرات، والحراقة والحوت الأزرق، والحرابة، والإرهاب بكل صنوفه ودسائسه، وغير ذلك من أنواع الفساد، نقول لهم: البداية من تربية الأولاد. وقديما قيل الوقاية خير من العلاج.

 المصلح يبدأ بإصلاح أولاده. قال الله تعالى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بالجاهلية بعد الإسلام، وبالمنكر بعد المعروف، وبالشر بعد الخير. وفي موضوع بحثنا هذا. فأنت قد استقمت، تريد أن تتزوج فابحث عن ذات الدين، حتى لا تفسد عليك حياتك فيما أصلحت. وما دمت أن صاحب دين وزوجك كذلك، فها هي الأسرة بدأت صالحة بزوجين صالحين، فالمطلوب الآن بعد إنجاب الأولاد. نعمل بقول الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ كيف تقومون بوقاية أولادكم من الموبقات المهلكات؟ بأن تأخذوهم وتعتنون بهم كما اعتنيتم بأنفسكم، بأن تربوهم بالتربية التي تجعلهم يستقيمون كما استقمتم، ويصلحون كما صلحتم.

وحراسة الأولاد في هذا الزمان: بمتابعة تعليمهم وتأديبهم، وفي الأثر [مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ نُحْلًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ]( أحمد مسند المدنيين.16710).

متابعة الأولاد ورعايتهم ومراقبتهم باستمرار في استعمال شبكة الأنترنيت، واستخدام شبكة التواصل الاجتماعي، والتلفزيون، والهاتف، والرفقة، وأماكن الدراسة، ومتابعة برامجهم الدراسية، وابتداء من الطور الثاني الابتدائي مناقشتهم فيما يقرؤون ويدرسون. ومطالعة الكتب المدرسية الخاصة بهم بالمادة والنص، لكل المضامين، والأسئلة التقويمية. إذ أن حسن تربية الأولاد هي الأساس الذي يبدأ منه الإصلاح، والقاعدة الكبرى لعملية استمرار الصلاح ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾(الأحقاف:15).

قال محاوري: ما علاقة تربية الأولاد بقاعدة الإصلاح المجتمعي، واستمرار الإصلاح لضمان الأمن والاستقرار حاضرا ومستقبلا؟ وهل الكوارث الانحرافية في الفكر والحرابة سببها إهمال الأولاد؟

قلت: فالمسلم الصالح المصلح هو الذي يزيل الفساد من طريق الناس، بعد أن أزاله من نفسه إذ خلصها من الحقد، والضغن، والكراهية، والجهل، وملأها بالعفو، والصفح، والإصلاح، والحب والسماحة. وينشر الصلاح بدل الفساد، ثم يحمي ما زرع من الصلاح.

وقلت: إن تربية الأولاد هي الأساس، لأن التربية هي حفظ إنسانية الإنسان بإذن الله تعالى، وبها يتم تنمية وتوجيه قدرات الطفل ثم الفتى، وترقية مهاراته ليكون إنسانا طاهر الروح، زكي النفس، قوي البدن، سليم القلب. والعملية التربوية التعليمية هي التي ـ إن كانت على يد معلم مخلص حكيم ماهر في تقنيات التدريس ـ تجعل الطفل الذي هو رجل المستقبل ـ مفكرا ناجحا، ومتخلقا صالحا، وتقيه موبقات المعاصي والانحرافات، من (الحوت الأزرق)، إلى (الحراقة)، إلى الحرابة، إلى الحروب الأهلية.

فإبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا ربه ليهبه من الصالحين. قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(الصافات:100) قال الله تعالى:﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} (الأنبياء:72) طلب إبراهيم أن يهبه الله من الصالحين ولداً، فالله تعالى وهب له الصالح وأكرمه، وجعله من سادات الصالحين، وأعطاه ولداً نبياً من الصالحين وحفيداً من الصالحين، وسبطاً ليوسف من الصالحين.

قال تعالى:﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ لم يقصر الله سبحانه الصلاح على ما طلب من الولد، بل جعل الأب، والابن، والحفيد، والسبط، كل واحد منهم صالحاً. قال علماء اللغة: وهذا التنوين في لغة العرب يقال له: تنوين العوض، فهو عوض عن كلمة، وقد يكون عوضاً عن جملة. فالمعنى أن الله تعالى جعل كل أولئك:[ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلهم من الصالحين] فقد خلقهم، ضمن الصالحين من عباد الله، من الرسل والأنبياء، وأتباعهم من المؤمنين الصالحين الصادقين.

ووجه الاستدلال بهذا الخبر أن المسلمين الصالحين لا يريدون أن يكونوا مصلحين هم وحدهم وإنما أن يتركوا من بعدهم ذرية طيبة صالحة مصلحة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فضل ليلة القدر … وصدقة الفطر/ يوسف جمعة سلامة

يقو ل الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا …