الرئيسية | وراء الأحداث | زيارة أردوغان للجزائر وقراصنة الضغينة والتغريب !!/عبد الحميد عبدوس

زيارة أردوغان للجزائر وقراصنة الضغينة والتغريب !!/عبد الحميد عبدوس

كانت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للجزائر والتي دامت ثلاثة أيام (26  ـ27ـ 28 فيفري2018)، من أنجح الزيارات التي تمت إلى الجزائر في السنوات الاخيرة وقد توجت، كما تم الإعلان عن ذلك، بسبع اتفاقات شراكة وتعاون ومذكرات تفاهم، في قطاعات السياحة والمحروقات والثقافة والفلاحة والطاقة وكذا الدبلوماسية. ورافق الرئيس التركي في زيارته للجزائر أكثر من 200 رجل أعمال، ناشطين في مختلف المجالات خاصة ما تعلق منها بصناعة النسيج والتغذية والبتروكيمياء والإلكترونيك والأجهزة الكهرومنزلية. ودعا الرئيس أردوغان رجال أعمال بلاده إلى الاستثمار بقوة في الجزائر، قائلا:” إن الجزائر التي تعتبر جزيرة استقرار سياسي واقتصادي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا تنعم بفرص استثمار متنوعة وهامة وعلى رجال أعمال تركيا ومؤسساتها أن تطور نشاطها بهذا البلد الشقيق”.

ورغم أن تركيا  تعتبر أول مستثمر أجنبي في الجزائر،  بـ 138 مشروعا لشركات تركية من مختلف القطاعات، مسجلة لدى (وكالة تطوير الاستثمار)، منها 39 مشروعا تم استكمالها، بالإضافة إلى وجود 800 شركة تركية بين كبيرة وصغيرة ومتوسطة، تعمل في السوق الجزائري، وتوظف عمالة تزيد عن 28 ألف من  الجزائريين، فإن السلطات العليا في الجزائر وتركيا تتفقان على أن مستوى العلاقات الاقتصادية الجزائرية التركية والمبادلات التجارية الحالية بين البلدين، لا ترقى إلى مستوى العلاقات السياسية والتاريخية المميزة التي تربط الجزائر وتركيا.

ولذلك قال الرئيس التركي أردوغان: “أعد ببذل كل الجهود بمعية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، قصد رفع مستوى التبادلات التجارية بين البلدين من 3.5 مليارات دولار حاليا إلى 5 مليارات دولار في أقرب وقت ثم إلى 10 مليارات دولار كمرحلة ثانية”.

كما اعتبر الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى أن تركيا “شريك استراتيجي في سياسة الجزائر الاقتصادية”، مشيرا إلى كونها “الزبون السابع والمورد السادس للسوق الوطنية، فضلا عن كونها الدولة التي تحتل المرتبة الرابعة في حجم توفير مناصب الشغل بأزيد من 800 شركة تنشط حاليا في الجزائر”.

ورغم كل هذا، فإن هذه الزيارة الهامة والناجحة أثارت رعب ورفض أذناب فرنسا من الجزائريين، الذين مازالوا يصرون على إبقاء الجزائر مجرد سوق للسلع الفرنسية، ومنطقة محجوزة  للنفوذ الثقافي والسياسي للمحتل القديم. ولذلك كتب الروائي الفرانكوفيلي كمال داود عشية زيارة الرئيس التركي أردوغان رسالة يقول له فيها: “أنت غير مرحب بك في الجزائر”.

لم تكن هذه الخرجة المسيئة لتقاليد الضيافة التي تميز الشعب الجزائري هي أول سقطات كمال داود، فقد سبق له أن تطاول في كتاباته حتى على القرآن الكريم، فقال عنه:” أحيانا أتصفح كتابهم، الكتاب الذي أجد فيه لغوا غريبا، ونحيبا، وتهديدات، وهذياناً، تجعلني أشعر بأنني أستمع إلى حارس ليلي عجوز وهو يهذي”. كما أنه لا يقتصر في ادعاءاته الحاقدة على اعتبار الحقبة العثمانية في الجزائر مرحلة استعمارية، فهو يطلق على الوجود العربي في الجزائر مصطلح (الاستعمار الأفقي) الذي يدعو إلى محوه حيث يقول: ” إن الاستعمار الأفقي العربي خلق منا مستعمَرين للعروبة ” ويقول أيضا:” العربية ليست لغتنا في المغرب الكبير، وإنما هي لغة السلطة ورجال الدين في هذه المنطقة من العالم”.

ومنذ أن سخّر كمال داود قلمه لمحاربة الإسلام والعربية وتمجيد الصهيونية والقيم الغربية، بدأت  حملة تلميع الكاتب كمال داود تنشط بشكل لافت في  وسائل الإعلام الفرنسية وتحظى بتعاطف اليمين الفرنسي، وعتاة الفكر الصهيوني، وقد مهد الكاتب اليهودي الفرنسي پيير أسولين عضو مجلس التحكيم لجائزة غونكور الطريق للمجد الأدبي الذي حصل عليه كمال داود في فرنسا والعالم الغربي حيث منح في سنة 2015 جائزة غونكور التي يتنافس عليها كبار الأدباء الفرنسيين. وللعلم فإن پيير أسولين هو مناضلٌ صهيوني ناشط في (مجلس تمثيل المؤسسات اليهودية بفرنسا). ومشاركٌ في تحرير أسبوعية (الوقائع اليهودية) وزوجته أنجيلا يغداروڤ هي عضو نشط في المنظمة العالمية للنساء الصهيونيات..

وبعد حصول كمال داود على جائزة غونكور الأدبية، اعتقد أنه مطالب بالتزلف أكثر للغربيين والتجمل في أعين الإعلام الغربي، فنشر في سنة 2016 في صحيفة (لوموند) الفرنسية مقالا بعنوان “كولونيا مدينة الأوهام”، شن فيه هجوما حقيرا ومسعورا على المهاجرين وعلى قيمهم وتربيتهم العربية الإسلامية، هذا المقال العنصري الوضيع أثار اشمئزاز قطاع واسع من النخبة الفرنسية المستنيرة التي رأت في ما كتبه كمال داود بـأنه يساهم في “تغذية أوهام معادية للإسلام تعتقد بها شريحة متنامية من السكان الأوروبيين”. واعتبروا دعوته لسلخ المهاجرين عن قيمهم العربية الإسلامية التي تجعل منهم ـ حسب افتراءات كمال داود ـ مجموعة من الهمج المغتصبين وإعادة تربيتهم بالقيم الغربية بأنه “مشروع  مخز، ولا يعود ذلك فقط إلى تضمنه هراءا قديما بشأن دور الغرب في نشر الحضارة وقيمه السامية”.

وكان من الذين سارعوا لمساندة كمال داود والدفاع عنه ضد بيان المثقفين الفرنسيين، الوزير الأول الفرنسي الأسبق مانويل فالس الذي حذر النخبة الفرنسية قائلا: “التخلي عن كمال داود ليواجه مصيره بمفرده هو التخلي عن أنفسنا”.

ورغم أن كمال داود هاجم في 2017 إيمانويل ماكرون الذي كان مرشحا للرئاسيات الفرنسية بعدما أدلى في الجزائر بتصريحات اعتبر فيها الاستعمار الفرنسي “جريمة ضد الإنسانية”، وصنف تصريحات ماكرون في خانة النفاق السياسي، لأن كمال داود يعتبر ـ على غرار مناصري  الفكر الاستعماري ـ الاستعمار الفرنسي “مهمة تمدينية” جاءت لتخليص الجزائر من الاستعمار العربي والعثماني، إلا أن إيمانويل ماكرون الذي أصبح رئيسا لفرنسا لم ينس على ما يبدو الولاء التام الذي أظهره الروائي كمال داود لفرنسا ولثقافتها فجعله من بين أصدقاء فرنسا الجزائريين الذين حرص على دعوتهم لمشاركته مأدبة العشاء التي أقيمت على شرفه بمقر سفارة باريس بالجزائر لدى زيارته الجزائر في شهر ديسمبر الماضي (2017).

وللإشارة، فإن الاستقبال الشعبي للرئيس التركي طيب رجب أردوغان في الجزائر لم يكن في نفس مستوى الاستقبال الشعبي الذي حظي به على سبيل المثال في السودان، وتونس، وموريتانيا، إلا أن ذلك ليس راجعا، فيما نعتقد،  إلى فتور في مشاعر غالبية الجزائريين تجاه أشقائهم الأتراك وقيادتهم الغيورة على مصالح المسلمين، ولكن الاستقبالات الشعبية للرؤساء الأجانب في الجزائر أصبحت على ما يبدو منذ عدة سنين مقتصرة فقط على رؤساء فرنسا من جاك شيراك إلى إيمانويل ماكرون، مرورا بـ نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، مما يدل أن من يقاسمون كمال داود في أفكاره مازالوا يتمتعون بنفوذ وأدوار لا تنكر في قيادة سفينة الجزائر نحو مرافئ التبعية والتغريب.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عادت الذكرى … وتراجع مطلب الاعتذار..!/ عبد الحميد عبدوس

أقيم هذا العام (2018م) فعاليات إحياء الذكرى الثالثة والسبعين لمجازر الثامن ماي 1945م في مدينة …