الرئيسية | في رحاب الشريعة | القـــرآن الكريــم … ثــــواب وفضائــل / الشيخ الدكتور: يوسف جمعة سلامة

القـــرآن الكريــم … ثــــواب وفضائــل / الشيخ الدكتور: يوسف جمعة سلامة

 

يقول الله تعالى في كتابه الكريم : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبيرًا* وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}(1).

جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآيتين السابقتين: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} أي: إنَّ هذا القرآن العظيم يهدي لأقوم الطرق وأوضح السُّبُل، ولما هو أعدل وأصوب، {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبيرًا} أي: ويبشر المؤمنين الذين يعملون بمقتضاه بالأجر العظيم في جنات النعيم، {وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أي: ويبشرهم بأنَّ لأعدائهم الذين لا يُصدقون بالآخرة العقاب الأليم في دار الجحيم، وقد جمعت الآية بين الترغيب والترهيب.(2)

إن القرآن الكريم مصدر العزة والكرامة للأمة الإسلامية، ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: (كنّا أذلاء، فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله)، ومن المعلوم أن القرآن الكريم كتابٌ ختم الله به الكتب، وأنزله على نبي ختم به الأنبياء، برسالة عامة خالدة ختم بها الرسالات، فالقرآن الكريم كلام رب العالمين ، وهو الوحي الإلهي والنور المبين، والمصدر الأول للتشريع الإسلامي الحكيم، والمعجزة الناطقة الخالدة إلى يوم الدين، وهو كله فضل وخير، وبركة وهداية للمسلمين، مصداقاً لقول ربنا العظيم:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*  صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ}(3).

كما ويسَّر سبحانه وتعالى تلاوته وحفظه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (4)، ورتَّب على تلاوته الثواب الجزيل والأجر العظيم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}(5)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ (ألـَم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ) (6).

كما وذكر سبحانه وتعالى أنّ من صفات المؤمنين أنهم: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}(7)، ومن حق تلاوته: أن يُقرأ مُرتلاً مُجوداً كما أُنزل، وعلى الطريقة التي تلقاها الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عنهم أئمة القراءة، حتى وصل إلينا كاملاً سالماً على تلك الكيفية: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(8)، وللقرآن الكريم منزلة قدسية رفيعة، وفضائل جليلة مهيبة، منشؤها أنه كلام الحق سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو العاصم من الضلال لمن تمسك به، واعتصم بحبله المتين.

وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على تلاوة كتاب الله الكريم ومدارسته؛ لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الكبير، ونذكر في مقالنا اليوم بعض الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن فضل بعض السور في القرآن الكريم:

فضل فاتحة الكتاب

* عَنْ أَبي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: (كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: “أَلَمْ يَقُل اللَّهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال:24]؟” ثُمَّ قَالَ: “أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ؟” فَأَخَذَ بيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) (9).

فضل سورة البقرة

* عَنْ أَبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (10).

* كما وقد ورد في فضل آية الكرسي من سورة البقرة، ما رُوي عن  أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) (11).

فضل سورة آل عمران

سورة آل عمران شقيقة سورة البقرة، وقد جاء في فضلها أحاديث عديدة، منها ما رُوي عن أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ”) (12)، قَالَ مُعَاوِيَةُ بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ.

فضل سورة الكهف

* عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: (كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَإِلَى جَانِبهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: “تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالْقُرْآنِ”) (13).

* عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ) (14).

فضل سورة الفتــح

* عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: ثكِلَتْكَ أُمُّكَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بي، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: “لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ”، ثمَّ قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبينًا} (15).

 فضل سورة الملك

تسمى سورة الملك: (الواقية) و (المنجية) لأنها تقي قارئها من عذاب القبر، لما روي عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ ثلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بيَدِهِ الْمُلْكُ) ( 16).

 فضل سورة الإخلاص

عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: (أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثلُثَ الْقُرْآنِ”) (17).

(جاء في الحديث الشريف: “أنها تعدل ثلث القرآن”، وذلك لأن علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وأحكام، وقصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ثلث القرآن) (18).

 فضل المعوِّذات

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) (19).

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا يا رب العالمين .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

 الهوامش:

1- [سورة الإسراء الآية: 9-10]             2- صفوة التفاسير للصابوني 2/ 153.

3- [سورة الشورى: 52-53]      4- [سورة القمر: 17]               5- [سورة فاطر: 29-30]

6- أخرجه الترمذي                   7- [سورة البقرة:121]             8- [سورة الحجر: 9]

9- أخرجه البخاري     10- أخرجه مسلم            11- أخرجه مسلم           12- أخرجه مسلم

13- أخرجه البخاري      14- أخرجه الحاكم         15-  أخرجه البخاري       16- أخرجه الترمذي

17- أخرجه البخاري      18- إيجاز البيان في سور القرآن للصابوني ص(321).    19- أخرجه البخاري.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجالس السيرة النبوية دراسات تحليلية لأهم أحداث السيرة النبوية ما هي السيرة النبوية؟/ خير الدين هني

قبل تعريف السيرة النبوية والنسب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وأهميتهما في التشريع والعقائد …