الرئيسية | قضايا و آراء | في تربيتنا.. الجنون فنون!/ علي حليتيم

في تربيتنا.. الجنون فنون!/ علي حليتيم

أي ضرب من الجنون أصاب وزارة التربية في بلادنا حتى أخذت تخطط لإعادة الفرنسية كلغة تعليم للمواد العلمية في الثانويات الجزائرية؟!

يوماً ما ستندثر اللغة الفرنسية من عالم العلوم في فرنسا وفي كل مدارس العالم الثالث حيث تُدَرّس وتبقى فقط في الجزائر، لأن حراس الهيكل لا يؤمنون بالمنطق الذي يُؤْمِن به العالم. المنطق الذي يقضي بأن التعليم يكون باللغات الوطنية أو بلغة العلم السائدة في العالم!

عندما سأل أحد الدعاة المسلمين فتيات بلجيكيات عن سرّ إتقان كل الشباب البلجيكي للإنجليزية أجبنه: نحن بلد صغير وبحاجة إلى لغة تخبرنا عما يجري في العالم!

في فرنسا يعترفون أن لغتهم إلى أفول كبير وبعضهم بدأ يتحدث عن موت اللغة الفرنسية لحساب اللغة الإنجليزية التي غدت حاضرة في فرنسا أكثر من حضور الألمانية إبان الحقبة النازية في فرنسا!

ويُرجع الفيلسوف الفرنسي الشهير لوك فيري أفول اللغة الفرنسية إلى سببين رئيسيين:

السبب الأول: هو أن لغة العالم الحديث قد أصبحت لغة علمية وتجارية وفي هذين المجالين لا وجود للغة الفرنسية بتاتا والبنوك الفرنسية وكبرى الشركات الفرنسية جل معاملاتها بالإنجليزية حتى في فرنسا نفسها!

السبب الثاني: أن خمسا وثلاثين بالمائة من الأطفال الفرنسيين في السنة السادسة من التعليم لا يحسنون قراءة وكتابة اللغة الفرنسية ولهذا فهي في تراجع مستمر ويكفيك للوقوف على هذه الحقيقة أن تراجع تصريحات مرشحيْ الرئاسة الفرنسية إيمانويل ماكرون ومارين لوبين اللذين اتفقا أن المنظومة التربوية الفرنسية تعاني من خلل كبير بدليل أن عشرين في المائة من الأطفال لا يحسنون القراءة والكتابة ويكفيك للاطلاع على الكتاب المشهور: la détresse du petit pierre qui ne sait pas lire !

ماذا بقي لنا كي نقنع وزارة التربية والحكومة أن هذه الخيارات هي بكل بساطة تحطيم معرفي واقتصادي للبلد، وحكم بالأمية على الأجيال القادمة لعقود طويلة؟!

بأي لغة سيتواصل جزائريو المستقبل إذا تعاملوا أو سافروا إلى آسيا أو أمريكا الشمالية أو الجنوبية أو أستراليا أو أوروبا المجاورة إذا استثنينا فرنسا وجزءا من سويسرا وبلجيكا ومقاطعة الكيبيك في كندا ( وفي هذه الأربعة كلها يمكنك أن تتواصل بالإنجليزية بكل سهولة )؟!

بأي لغة يقرأ الجزائريون المقالات والنشرات العلمية إذا علمنا أن أكثر من ثمانين في المائة من الدوريات والمجلات العلمية المرموقة تصدر بلغة شكسبير وأن خمسة وأربعين في المائة من الباحثين الفرنسيين ينشرون بحوثهم بالإنجليزية؟!

بأي لغة يسيح الجزائريون على الشبكة العنكبوتية إذا علمنا أن الفرنسية تمثل أقل من أربعة بالمائة من لغة الإنترنيت بعيدا وراء الإسبانية والصينية والإنجليزية والعربية وغيرها من اللغات؟!

كنت في روما في العام الماضي فاتصل بي طبيب جزائري صديق حل بمدينة فلورنسا ودعاني لحضور أشغال المؤتمر الأوروبي للصحة النفسية الذي يعقد كل عام مرة في أحد البلدان الأوروبية ولغته الرسمية دوماً هي الإنجليزية مثله مثل كل المؤتمرات العلمية المحترمة في العالم وفي فرنسا نفسها، لكني لم أحضر بسبب انشغالي برواية جسور الموتى فلما لقيته في روما سألته عن الأطباء الجزائريين الحاضرين فقال لي: ما من أحد! وسألته عن الأطباء الفرنسيين فقال: يتقنون الإنجليزية كما نتقن نحن الفرنسية! ثم أخبرني أن أحد الأطباء الأجانب قال له حين علم أنه جزائري: عندما يأتي الأطباء الجزائريون إلى المؤتمرات العالمية الناطقة بالإنجليزية فإنهم يأتون فقط من أجل التسوق!

عندما تقام المشاريع الكبرى في فرنسا فإن دفتر الشروط يتضمن أن اللغة الرسمية هي اللغة الإنجليزية حتى لا يتعرض المشروع لأي سوء فهم؛ وتقول الإحصائيات إن تسعا وثلاثين في المائة من الفرنسيين يتكلمون الإنجليزية وفي الطور المتوسط يتعلم الأطفال الفرنسيون الإنجليزية واللاتينية ولغة ثالثة من خيارهم إلى جانب لغتهم الأم.

هل تفرض وزارة التربية الفرنسية على أولادنا لأنها لغة الوزيرة الأم كما صرّحت بعظمة لسانها لإحدى القنوات الوطنية، أم لأنها لغة علم، أم أنها لغة تواصل في العالم، أم لأنها لغة محتل، أم لأن من يفرضها يريد لهذا البلد الجريح أن يظل خارج دائرة العلم وخارج دائرة النهضة وخارج دائرة التاريخ وبعيداً عن رؤى العالم؟!

على أي أساس من منطق مستقيم أو مقلوب يمكن أن نفهم الكره الشديد الذي تكنّه وزارة التربية للغة الإنجليزية حتى غدت بعض الأوساط الإعلامية تتحدث عن خطر إنجليزي وعن انتهاك إنجليزي للحرمة الجزائرية كما تنتهك الأعراض تماما بتمام؟!

إن الأحداث الأخيرة قد بينت لكل الشعب أن المدرسة الجزائرية تتعرض لحرب إيديولوجية فرونكوفيلية غرضها إفراغ البرامج التربوية من كل محتوى ديني أو معرفي أو تاريخي أو سلوكي سوي وإحلال الفرنسية لغة وثقافة بقوة المنطق الكولونيالي بدل لغات الوطن والدين والهوية وبدل لغات العلم والعالمية ولو كان في وزارة التربية ذرة من تربية لتركت للأولاد الاختيار بين الإنجليزية والفرنسية أو لتعلمهما جميعا كما يتعلم الأطفال في النرويج ( وهي إحدى الدول الثلاث الرائدة في التربية في العالم ) لغة أجنبية من اختيارهم في المدرسة الابتدائية.

والوزيرة تعلم جيداً أن الأولياء عندما يرجعون في المساء إلى بيوتهم فإنهم يعاينون بكل حسرة وألم كوارث عمل الوزارة في أولادهم الصغار الذين راحوا ضحية غدر الكبار.

وللجزائر يا صديقي مع فرنسا شجون وشجون.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من معاني العيد في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي/ د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها …