الرئيسية | على بصيرة | تصوير هول الورطة في فاجعة الشام والغوطة/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

تصوير هول الورطة في فاجعة الشام والغوطة/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ألا من يعيرني قلبا، صلبا، جلدا، يساعدني على تحمل فاجعة الغوطة الشرقية، وما يحدث فيها من مأساة فاقت كل تصور، وجسدت أشنع أنواع التهور.

أرجو من الله أن يمدني بأعصاب فولاذية، أتحمل بها مشاهد الدم والدمع والدمار الذي يصنعه المشهد المأساوي، الذي يصنعه الحاكم بشعبه في الشام، وفي غوطة دمشق، من أشلاء متطايرة، وأعضاء بشرية متناثرة.

لقد وهن العظم والقلب مني، ومن كل عربي شريف ومسلم عفيف، وإنساني نظيف، ولولا إيمان بالله يعصمني، وقناعة بعروبتي تحصنني، وتشبث بوطنية تمنعني، لخارت قواي، ولتبخّر أملي ومناي.

إنّ ما يحدث من مجازر، اليوم في الغوطة الشرقية، لهو اللعنة التي أصابت ضمائر الحكام في سوريا، وروسيا، وإيران، لما تقترفونه من إدمان، على قتل الشيوخ الآمنين، والصبيان والنسوان.

من يتحمل ضمائر كل هؤلاء، ومن ورائهم حكام الأمة العربية، والإسلامية ما يجري على مسرح الشام، من أهوال يندى لها جبين الإنسانية؟

ألا شُلّت العقول التي تصدر الأوامر، والأيدي التي تدير الطائرات لقتل الحرائر، والسياسات التي تبلد الضمائر، وتعمي البصائر!

أريد سياسيا، أو عسكريا، أو سوريّاً، أو روسيًّا، أو إيرانيًّا، يفسر لي، باسم المنطق السياسي، أو منهجية الكراسي، أو العرف الإنساني الدبلوماسي، ليبرر فصول هذه المآسي.

فما ذنب الصبية الذين تُنحر ظهورهم، والحوامل والأبرياء الذين تبقر بطونهم، والعجزة العزل، الذين تدك حصونهم؟

فمن أراد، أن يفقد وعيه، ويحبط سعيه، ويقرب نعيه، فلينظر إلى ما يجري في الشام، وفي الغوطة الشرقية بالذات. لقد بلينا، من قبل بمحنة حلب، وما صاحبها، من مآسي في أكثر من مدينة سورية، من همٍّ، وكرب، وعطب، ولكن ما يحدث من محرقة في غوطة دمشق، فاق كل تصور، وكل تهور.

فهل قدر، لشعبنا في سوريا – اليوم- أن يعيش في الخوف الدائم، ووسط تلوث الجو بالغاز السام الغاشم، وأسطول العدو الروسي القائم؟

وما ذنب الطفل الذي حرم الدراسة، بأمر من أوامر الرئاسة؟ وهل من أبسط القيم الإنسانية أن يعيش شعب بأكمله، تحت الرعب والخوف، ولم يقترف أيّ ذنب من الذنوب، ولم يطلب إلا أن يعيش آمنا، كما تعيش كل الشعوب؟

وهل يجوز لحكام العرب والمسلمين، بل ولحكام العالم قاطبة، أن يسكتوا عن هذا الظلم المشين، والقمع المهين، والقصف اللعين؟

فأين هي – إذن- بوادر النخوة العربية، وقيم المبادئ الإسلامية، ومفردات الحقوق الإنسانية، ولا شيء من كل هذا يبيح هدم البيت على ساكنيه، والمسجد على مصليه، والمحل التجاري على مرتاديه؟

لقد انقلبت الحقائق في أعيننا، واختلطت المفاهيم في عقولنا، وتبلدت القيم في ضمائرنا، فلم يعد لدينا، بصيص الأمل الذي نطل به على المستقبل، أمام الخطر الإبادي المستفحل.

اللهم إننا نبرأ إليك مما يفعله السوري بشعبه، والروسي بواسطة جنده، والإيراني بتسليح حليفه وحزبه!

إنهم جميعا شركاء في الحرب اللئيمة، ومتواطئون في كل فصول الجريمة، ويستحقون المحاكمة على ما اقترفوه في حق الشام اليتيمة.

حقا، إنّ المأساة السورية قد طالت، وإنّ عزائم السوريين قد خارت، وإنّ السياسة العرقية الإسلامية عموما، والسورية على الخصوص، قد جارت وبارت. فمتى يرفع الله الغبن عن هذا الشعب المظلوم، ويفرج عن همه المكلوم؟

فوالله لقد بلغ السيل الزبى، وما بعد هذا الليل من ليل أنكى وأكدى!

لم تعد تجدي نداءات الاستغاثة وطلب النجدة، فالجميع بات يتصامم عن سماع أنباء “الوخذة”. هل كتب على شعبنا في سوريا، أن يُقتل وحده، ويبكي وحده، ويدفن وحده، بعد أن غاب عنه الولي، ولم يبق له إلا الدعي، والبغي، والشقي؟

إنّ ما تعانيه الغوطة من ورطة، إنما هو امتداد، لسلسلة الفتن والمحن، التي تحاك في العراق، وفي ليبيا، وفي مصر، وفي الخليج، وفي اليمن. فإذا أردتم إنقاذ سوريا فعليكم باستئصال جذوة الحرب من كل أرجاء الوطن، لتتخلصوا – إن فعلتم- من مآسي المصائب والمحن.

إننا، نسلم – بكل ألم وأسى- أننا دخلنا مرحلة الجزر الحضاري، والتخلف المعياري، وعصر الزمن الانكشاري.

فأمتنا، التي كانت تزعم، أنها خير أمة أخرجت للناس، استبد بها الوسواس الخناس، وما الوسواس الخناس إلا سياسة حاكم الأمة الدساس، وعالمها الذي أصابه الإفلاس، ومواطنها الذي أصبح يتوارى خوفا وخجلا من الناس…!

إنّ كل لحظة يسقط فيها الضحايا، وفي كل بقعة من وطننا العربي، ولا نعرف نية المقاتل، ولا ذنب المقتول. فهل نستسلم لهذا القدر المأساوي؟ أم هل هي الإعاقة الحضارية التي منينا بها، فحالت دون القيام بأي شيء يخفف اللوعة، ويهدئ من السرعة، ويقضي على معالم الروع والروعة؟

إننا بالرغم من كل ما يحدث من مآسي، سوف نظل مؤمنين، بقرب نهاية المآسي، وزوال ما بني على ظلم من الكراسي. فسنن الله، وقوانين التاريخ، قد أنصفت شعوبا وأمما قبلنا، ولن يخلف الله وعده، ﴿… وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. [سورة الشعراء، الآية 227].

عن المحرر

شاهد أيضاً

القول المدروس في تهافت دعاوى الشيخ فركوس/أ.د. عبد الرزاق قسوم

ما كنت أحسبني، أحيا إلى زمن، أُظطر فيه إلى التردي في هذا الدرك الأسفل من …