الرئيسية | حديث في السياسة | اللغة العربية في الجزائر: وعاء وهوية وانتماء/التهامي مجوري

اللغة العربية في الجزائر: وعاء وهوية وانتماء/التهامي مجوري

 

صادفني هذه الأيام وأنا أفكر في موضوع اللغة بمناسبة اليوم العربي للغة العربية، أن شباب الجمعية اختاروا مقطعا من مقال نشرته في الشروق منذ مدة متعلق بالموقف مما يجري من صراع لغوي في بلادنا، ونشروه على الفايسبوك، حيث اعتبرْتُ فيه أن الصراع المتعلق باللغة الواقع في بلادنا وَهْمٌ وليس حقيقيا، إذ المقصود منه هو التمكين للغة الفرنسية، وليس نقاشا حقيقيا لمعرفة موقع اللغة أو اللغات في المنظومة الثقافية والاجتماعية الجزائرية، فلو كان النقاش مبرأ من أي خلفية، لحسم النقاش لصالح ما يخدم البلاد؛ لأن البلد، أي بلد، لا يحتاج إلى أكثر من لغة رسمية تمثل المجتمع والإدارة والسياسة بل هي وجه الدولة، وما بقي من اللغات يهتم به كغايات مكملة للمصلحة الوطنية، مادية أو معنوية.

على أن مواقف الناس وآراءهم في التعامل مع اللغات ثلاثة توجهات:

– توجه يرى أنها ليست أكثر من وعاء ينقل المعاني التي في نفوس الناس.

– وتوجه يرى أنها تمثل الهوية التي تعبر عن مميزات العنصر الذي يتكلم بها.

– وتوجه يراها تعبر عن انتماء ثقافي حضاري، وليست مجرد وعاء أو مجرد تعبير عن عنصر أو عرق.

وما يظهر من خلاف في نقاشاتنا للمسألة اللغوية لم يمكن له أن يخرج عن هذه التوجهات، في تقديمنا لهذه اللغة أو تلك، وتأخرنا لغيرها من اللغات.

وهذه التوجهات الثلاثة التي لا يمكن تجاوزها إلا بالتركيز على الجانب الوظيفي الحضاري الكلي للغة؛ لأن كل رأي أو توجه من هذه الآراء والتوجهات يستمد قوته من خلفيات لها ثقلها الجزئي الذي يكمل غيره ويكتمل به، وينبني عليه الكثير من المفاهيم الفرعية التي تتحول إلى مقررات جزئية حاكمة على المقررات الكلية، بينما منطق الأشياء يقتضي إخضاع الجزئيات لكلياتها والخلفيات المنبثقة عنها، أو الغايات المراد مراعاتها.

فاللغة العربية في الجزائر إذن، هي عند البعض ليست أكثر من وعاء؛ على اعتبار أن حقيقة الكلام ساكنة في النفس كما يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا

ومن ثم فهي حيادية غير مصطفة وراء أي مبدإ أو غاية، وهذا الاتجاه لا يفرق بين اللغة العربية واللغة الفرنسية والأمازيغية؛ لأنها وعاء والوعاء يمكن أن يَحمل فيه كل شيء، فالوعاء لا يفرق بين لغة وأخرى من حيث هي حاملة معاني، وعند فريق ثان هي هوية تعبر عن خصوصيات المتكلم بها، فالمتكلم باللغة العربية هو عربي وللعربي خصوصيات يتميز بها، والمتكلم بالأمازيغية أمازيغي، وللأمازيغي خصوصيات يتيمز بها، والمتكلم باللغة الفرنسية فرنسي وللفرنسي خصوصيات يتميز بها، وهذا التوجه يتبناه الاتجاه القومي الذي يصنف الناس على أساس لغوي وعرقي، كالقومية العربية والحركة البربراتية وغيرها من القوميات، وهذا التوجه بوصفه محدود الغايات، يربط تقدمه وتخلفه بمدى تعلقه باللغة وتخليه عنها، في حين أن الواقع يرد هذا التوجه، ابتداء من القوميات الألمانية والعربية وغيرهما؛ بل أضحى هذا التوجه ينعت بالعنصرية بسبب محدودية آفاقه الحضارية.

وهذان الرأيان إذا ما عرضناهما على التوجه الإنساني الحضاري العام، فإنهما يبدو عليهما القصور؛ لأن الأصل في اللغة ليست مجرد وعاء، أو مرتبطة ارتباطا عضويا بالناطق بها وحسب، وإنما هي أبعد في مراميها من ذلك بكثير، باعتبار علاقتها بحركة الحياة والوجود الإنساني وأبعاده الحضارية وتفاعلها المطرد.

قد تكون كذلك في مرحلة عمرية معينة للفرد أو في مهمة معينة للمجتمع، ولكنها بعد طروء تغير ما للفرد أو المجتمع، تصبح قاصرة في مراحل عمرية أخرى وفي مهام أخرى، فتحتاج إلى شيء آخر جديد تصطبغ به، بحيث يرتبط بالمتكلم بها ارتباطا وظيفيا، فيقال هذا عربي وذاك إنجليزي وذلك إسباني، وهذه النسبة هي نسبة إلى اللغة، ولكن بوصفها وطابعها العرقي وليس بوصفها الوعاء المحايد..، ولكن هذا الوعاء المضاف إلى النسب والعرق، يبقى ناقصا عندما نضعه في سياق الغايات الإنسانية الكبرى الدنيوية منها والأخروية، ويظهر ذلك في مفهوم المجتمعات الحديثة التي لم تعد تعبأ بالعرق واللغة كمميزين للمجتمعات والثقافات، ويظهر ذلك في الكثير من المجتمعات متعددة الأعراق المتنوعة اللغات، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها والمجتمعات الأوروبية، والمجتمعات الآسيوية، ذات الأبعاد الحضارية المختلفة التي تتجاوز اللغة كفارق وتميز بين المجتمعات.

ومع ذلك يبقى دائما للغة أهميتها وثقلها، الموصولين بطبيعة الانتماء التي جبل عليها الإنسان من حيث هو إنسان، حيث أن الإنسان ينتمي بطبيعته إلى أربع دوائر: دائرة الأسرة، ودائرة المجتمع، ودائرة الأمة، والدائرة الإنسانية.

فاللغة في الأسرة إضافة إلى كونها وعاء للمعاني التي تجيش بها خواطر في إطار التفاعل الأسري، من حيث هي حاملة للعواطف ومعاني الود والتراحم، هي في نفس الوقت تأسيس للمفاتيح المعرفية والأطر الذهنية التي سيعيش بها الإنسان في تفاعله مع الكون والحياة، أما في إطار المجتمع فتنتقل من الوعاء والمفتاح المعرفي، إلى وسيلة المجتمع التي يتواصل بها مع العالم، تواصلا متعدد الأبعاد، وليس تواصلا لغويا فحسب، فكلما كانت اللغة راقية وقادرة على التكيف مع تطور الإنسان وحاجاته،  كانت أرقى وأصلح وأنفع للمجتمع، فتكون بعد ذلك مرشحة لتغطية الحاجات الدينية والدنيوية، قادرة على استيعاب الدين والثقافة والفكر والفن والدبلوماسية..وما إلى هنالك من الحاجات الإنسانية التي لم يستغن عنها في مرحلة من مراحل حياته.

ولذلك كانت اللغات الرسمية في الدول والمجتمعات في العالم، تُقَرَّر وفق ما يحقق أهداف الانتماء الأربع التي جبل عليها الإنسان، فيراعى الانتماء العرقي والاجتماعي والديني والإنساني الحضاري العام. أما بالنسبة للبعد السياسي والاقتصادي للسياسة اللغوية، فيكون وفق ما يقوي الدولة وليس على حساب اللغة الرسمية، أو ما يضعفها.

أما المقارنة بين اللغات وأهميتها فيكون بمدى قدرتها على الاستجابة للتحديات الحضارية، حيث يكون التفاضل بينها مبنيا على مستوى قدرتها على التكيف والاستجابة وفاعليتها في الواقع، وليس لكونها لغة العرق والعنصر. فلو قارنا في الجزائر بين اللغتين العربية والإنجليزية ولا أقول الفرنسية، فإننا بلا شك نتعلق باللغة العربية، كلغة رسمية ولغة قادرة على التجاوب مع الواقع متى التفت إليها قومها، كما قال حافظ إبراهيم رحمه الله:

وسعت كتاب الله لفظاً وغــايــة ** وما ضقت عن آيٍ به وعظـــــات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ** وتنسيـــق أسمـــاءٍ لـمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

وإن كانت الآن هي أقل مستوى من حيث المردود الاقتصادي والعلمي من الإنجليزية… ومع كل ذلك يبقى النقاش في الموضوع مفتوحا؛ لأن قضايا الإنسان في مجملها لا تحكمها قواطع فيما تطمح إليه.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا يراد بالمجتمع السعودي؟/التهامي مجوري

إن ما يحدث في المملكة العربية السعودية الشقيقة من اهتزازات – على مستوى التحول الثقافي …