الرئيسية | المرأة و الأسرة | “هل نعرف منزلة الجار حقا”؟/ آمال السائحي

“هل نعرف منزلة الجار حقا”؟/ آمال السائحي

روت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها – وابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” (متفق عليه).

فيتبين لنا من مضمون هذا الحديث المكانة التي جعلها الإسلام للجار وحق الجوار، حتى ينعم هذا الأخير بتعايش ترفرف عليه الطمأنينة والسكينة، وفقا لما نصت عليه شريعة الإسلام السمحاء.

ومن الأمثال الشعبية السائرة، التي صاغها العرب وأخذوا بها، وذلك ديدنهم وطبيعتهم، فهم لم يتركوا موقفا يعرض لهم، إلا أخذوا عظة منه، وصاغوها في مثل سائر، بما أوتوا من براعة القول، وجعلوه قاعدة يرجعون إليها في ضبط العلاقات الإنسانية بينهم، وبقيت إلى يومنا هذا يتوارثها جيلا بعد جيل، وكان لها الأثر الطيب في ذلك، ومنها المثل الشائع “الجار قبل الدار”.

ويروى أن هذا المثل الشعبي له قصة مفادها أنه: كان في الشام أميرا عظيما، وكان له جارٌ ضاقَتْ به الدنيا، واضْطرّ إلى بيْعِ بيْتِهِ فعَرَضَهُ للبيْع فَدُفِعَ له ثمنٌ بخْس، فانْفَعَل وقال: والله لا أبيعُ جِوارَ الأمير بهذا المَبْلغ، هناك مَنْ أوْصَلَ هذا الخبَر إلى هذا الأمير، فاسْتَدْعى جارهُ وأعطاهُ المبلغ كلّه، وقال: ابْقَ جارًا لي…! إنَّك لا تبيعُ جيرتي بهذا المبلغ، وأنا لا أبيعُك أبدًا.

فالجار في نظر شريعتنا السمحاء، هو الذي يعينك، هو الذي يتفقدك إذا غبت، وهو الذي يهرع إليك عند مرضك، ولعله من يسعفك بسيارته عند احتياجك لها في وقت عسير، وهو الذي لا يقدح في شخصك عند الغرباء، وهو أول من يسأله الغريب الذي يريد التقرب إليك عن شخصيتك وأخلاقك وطباعك وتصرفاتك ككل.

أما إذا أتينا لواقعنا المعـيش اليوم بين الجيران ومشاكلهم التي لا تنتهي، فنكتشف أن الكثير منّا غيروا منازلهم للإيذاء المستمر الذي لحقهم من الجار، أو عدم استيعاب عقليات بعض الجيران وتفكيرها السلبي والأناني، والتي تعتبر من المشاكل التافهة التي لا يمكن الأخذ بها، كالاختلاف من أجل السلالم، أومن أجل الأطفال، أومن أجل عدم نظافة المكان، أو من أجل عدم احترام أوقات الهدوء.

فهل باستطاعتنا اليوم أن نقول أن تلك الأحاديث الشريفة التي قدمها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنا عن حق الجار، قد ذابت في الماء مثل ما يذوب السكر، أم أنها التكنولوجيا الحديثة هي من علمتنا هذه السيناريوهات التي لا تنتهي إلا بالسب والشتم والقدح، والغيبة والنميمة، فبات كل يشتكي من جاره، وكل يحذو حذوه، حتى بتنا اليوم لا يعرف أحد عن جاره أي شيء يذكر، اللهم إلا بصيصا من ذلك النور الذي ينبعث من شقته، فيعلن لنا أنه موجود، وحي يرزق.

فلعلنا بعد الآن لن نتساءل عما أصاب أمتنا من تعثر خطير في جميع المجالات، الثقافي منها، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، بعدما تبين لنا تقصيرنا الخطير في ضبط وتنظيم علاقاتنا فيما بيننا، على الرغم من أننا، نصلي ونصوم ونحج، ولكننا لم نحتكم لتك العبادات التي نؤديها في كل وقت وحين في معاملاتنا، وكأننا قد ألغيناها من حياتنا، ويا لها من أخلاق كريمة فرطنا فيها، تجمع للواحد منا بين حسن المظهر والمخبر، فتجعل منه الإنسان السوي بحق.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وَعـــد قِــــمَـــم …Smart/ أمال السائحي

وَعدُ قِمَم هي كلمة لها دلالتها في مصطلح التنمية البشرية، تعتبر مجموعة من ثقافة الأهداف …