الرئيسية | غير مصنف | العلمانية واقعا، ومفهوما، وتاريخا (الجزء الثاني)/ د/ محمد مباركي

العلمانية واقعا، ومفهوما، وتاريخا (الجزء الثاني)/ د/ محمد مباركي

 

ليس للإسلام سلطة دينية بابوية:

على أن العلمانية، إذا فصلت دين المسيحي عن دولته، أو دولته عن دینه، لا يضيع دينه، ولا يزول سلطانه؛ لأن لدينه سلطة بالفعل قائمة، لها قوتها وخطرها ومالها ورجالها.

فهناك سلطتان بالفعل في المسيحية: السلطة الدينية، ويمثلها البابا، ورجال “الإكليروس”.  والسلطة الدنيوية، ويمثلها الملك أو رئيس الجمهورية، ورجال حكومته، وأعوان سلطته.

فإذا انفصلت الدولة عن الدين هناك، بقي الدين قائما، في ظل سلطته القوية الغنية الممكنة، وبقيت جيوشها “من الرهبان والراهبات والمبشرين والمبشرات”، تعمل في مجالاتها المختلفة، دون أن يكون للدولة عليهم سلطان. بخلاف ما لو فعلت ذلك دولة إسلامية، فإن النتيجة أن يفي الدين بغير سلطان يؤيده، ولا قوة نسنده، حيث لا بأبوية له، ولا كهنوت، ولا “إكليروس”.

وهذا ما حدث في تركية المسلمة، حين أعلن “كمال أتاتورك”، علمانية  الدولة، وفصلها عن الدين، وفصل الدين عنها. كما فعل ذلك الكاتب المغربي المسلم الأستاذ إدريس الكتاني في كتابه “المغرب المسلم ضد اللادينية”. يقول الأستاذ: إن التجربة الترکیة خلال 30 عاما، ” أکثر من 60 عاما الآن” ، أقامت الدليل على أن تطبيق هذا النظام في دولة إسلامية، معناه القضاء على الإسلام، كعقيدة حية مزدهرة، ورسالة إنسانية خالدة؛ ذلك أن تجريد الحكومة من السلطة الدينية، ومن صبغة الدين– مع العلم بأنه لا يوجد في المجتمع الإسلامي من يمثل هذه السلطة، كما هو الشأن في المسيحية– لا يعنى إلا انقراض سلطة الدين الإسلامي بالمرة. وهذا عين ما حدث في تركيا، فإن الكماليين عندما فصلوا دولتهم عن كل سلطة (دينية)، لم يكونوا راغبين فعلا في وجودها، وللملك عمدوا إلى إنشاء إدارة صغيرة للشئون الدينية، تشرف على المساجد، وهی الظهر الوحید، الذي بقي للإسلام فی ترکیا.

ومن البدیهی أن هذه الإدارة لم تكن، لها أية سلطة دينية، لأنها في الواقع مصلحة حكومية صرفة، ولا يمكن –بحال من الأحوال– مقارنة نفوذ هذه الإدارة بسلطة (البابا)، الروحية العظيمة في العالم المسيحي، وسلطاته المستقلة – تماما- في إدارة الكنائس والمؤسسات والمصالح المسيحية كلها.

ومن هذا يتضح لنا أن نظام “لا دينية الدولة”، إذا كان ينسجم مع المسيحية، ولا يقضي على سلطتها، وإنما يحدد اختصاصاتها بالنسبة للسلطة الدنيوية، فإن هذا النظام يتعارض – تماما– مع طبيعة الإسلام، ويكون خطرا مباشرا عليه، كشريعة كاملة للحياة، ويعطل أجهزته المتحركة، عن القيام بوظيفتها، ويحيله بالتالي إلى عاطفة وجدانية نائمة في قلوب الناس.

ولذلك فإن المغرب العربي المسلم، لن يسمح بإعادة “التجربة التركية” فوق أراضيه الطاهرة، ولن يصبح “لائكيا”، إلا عندما ترغب شعوبه في التخلي عن عقيدتها وإيمانها، والتنكر لتاريخها ورسالتها، وهذا ما لم تسمح به للاستعمار في الماضي، ولن تسمح به للذين وقعوا تحت سيطرته الفكرية في المستقبل، بإذن الله. (الأستاذ إدريس الكتاني: المغرب المسلم ضد اللادينية، ص93، 94).

والواقع أن هذا ليس موقف المغرب العربي المسلم وحده، بل هو موقف المشرق العربي المسلم أيضا، وموقف العالم الإسلامي كله، لأن منطلق الجميع؛ واحد، والوجهة واحدة، والخطر عليهم واحد.

تاريخ الكنيسة غير تارع الإسلام:

إن تاريخ الكنيسة نفسه مع العلم والفكر والحرية، تاريخ مخوف، فقد وقفت الكنيسة مع الجهل ضد العلم ومع الخرافة ضد الفكر، ومع الاستبداد ضد الحرية، ومع الملوك والإقطاعيين ضد الشعب، حتى ثارت الجماهير عليها، وتحرروا من الحكم المباشر لرجالها، واعتبروا عزل الدين عن الدولة، كسبا للشعوب ضد جلاديها.

تاريخ الكنيسة في ذهن الإنسان الغربي المسیحي، یعنی الاضطهاد والقتل ومحاكم التفتيش، والمذابح المستمرة بين الطوائف المتنازعة بعضها وبعض، وعودة السلطة إليها، تعنى عودة هذه المآسي، فلا غرو أن ينفر الإنسان الغربي منها ، ویقف فی سبیل حکمها وتسلطها.

لنستمع إلى شاهد من أهلها، وهو الأستاذ “امرى ريفر”، حيث يحلل أسباب فشل المسيحية في كتابه “تحليل السلام”، فيقول: “إن القتل الواسع النطاق، والتعذيب، والاضطهاد، والضغوط، التي شهدناها في منتصف القرن العشرين، لأدلة قاطعة على الإفلاس الكامل للمسيحية، كوسيلة لترويض الانفعالات الإنسانية الغريزية، ولتحويل الإنسان، من حيوان إلى مخلوق اجتماعی معقول.

ثم یتابع تحلیله قائلا: “إن ألفي سنة، لزمن كاف، للحكم على جدوى أية طريقة، بصرف النظر عن المذهب، الذي تطبقه هذه الطريقة. خلال هذه القرون العشرين، وقد خيل إلى الناس أن المسيحية نجحت في تأنيس الحيوان الراقد في صدر الإنسان، وفي ضبط وتقييد النزعات والخصائص الإنسانية المضرة. ولكن منذ حادت الكنائس عن رسالتها الإنسانية العالمية، متحولة إلى (منظمات وطنية)، مؤيدة أثر الوطنية الوثنية القبلية، كم هي ضعيفة قبضة المسيحية على العالم الغربي..! ذلك لأنها من أجل عرض الدنيا، قد تخلت عن تعاليمها الروحية مستسلمة أمام غرائز الإنسان البرکانیة، التی یحطم بعضها بعضا، ما لم یتدارکها القانون، ويلزمها حدها.

إن ما في المسيحية من قدسية، وبواعث للحضارة، هو توحدها عالميتها، أي تعاليمها القائلة: أن الناس خلقوا متساويين أمام الله، وأنهم عبيد لإله واحد، يحکمهم قانون واحد، فتلك هي التعاليم المنطوية على الفكرة حقا، في تاريخ الإنسانية.

ولكن لسوء الحظ، المسيحية كدين منظم، تحولت شيئا فشيئا، إلى منظمة، ذات سلطة رئاسية مطلقة ، وقد أدى هذا إلى SHISM ثم إلى التفرق، وبذلك انحدر القانون الواحد العالمي، إلى ديكتاتورية من ناحية، وإلى انتشار الفرق والمذاهب على أوسع نطاق من ناحية أخرى. وفي هذه اللحظة، بدأت الأوطان والقوميات الحديثة تتبلور، كما بدأ الشعور الوطنی یسود العالم الغربي، ويتفوق على الشعور المسیحي، فانقسمت الکنائس المسيحية فيما بينها إلى عدد جديد من الفرق المذهبية، وجعل كل فريق منها يؤيد المثل الأعلى الجديد الناشئ ، أعني المثل الأعلى الوطنی.

وما لبثت المسيحية أن تشابهت بالوطنية، وفي كل وطن اعتبرت السياسة الوطنية کأنها سياسة مسيحية، لمناقشة الاتجاهات الاشتراكية والنزعات الحرة.

هذا أنموذج للمطاعن، التي وجهت للمسيحية، وهو غنى عن كل تعليق. فهل الإسلام كان كذلك؟ وهل يمكن أن يؤاخذ بمثل ذلك؟ إن وقائع التاريخ وحقائق الإسلام تجيب بالنفي، ولكن الإسلام مع ذلك تأثر من هذه الحملة، كما تأثر من طغيان الأفكار الوطنية والقومية عليه، ليس فقط، لأن الغربيين أصبحوا ينظرون إليه ويكتبون عنه، باعتبار أنه نسخة من المسيحية كما يتهمونها؛ بل لأن المسلمين الذين تعلموا في مدارسهم “اللائكية”، أصبحوا يعتقدون ذلك بدورهم، وينظرون إليه بنفس المنظار.

(المغرب المسلم ضد اللادينية، ص:71-73)

عن المحرر

شاهد أيضاً

لك يا أمي في عيدك… ولكل نساء الدنيا

 أ .. لخضر لقدي يا أمي.. يا زينة الحياة ويا زهرة الوجود، ويا ريحانة الدنيا …