الرئيسية | قضايا و آراء | ما وراء الكلمات!

ما وراء الكلمات!

وَلاَ يغرَّنكَ منْ يُبدي بشاشَتَهُ            إليكَ خِدعاً فإنَّ السُّمَ في العَسَلِ
ذكرت هذا البيت للصفدي وأنا أنظر إلى المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر نويرث وهي تعلن تأييد بلادها لإجراء الانتخابات العراقية في موعدها لبناء عراق ديمقراطي!
ولا يخفى على المتتبع للشأن العراقي أن ذلك البلد العظيم لم يعد موجودا إلا في مظهره الرسمي، وأن الانقسام السني الشيعي الكردي قد غدا أمرا واقعاً قائما بعد أن مهد له الاحتلال الأمريكي منذ دستور 2005م الذي وضعه السفّاح بول بريمر الحاكم الأمريكي الأول للعراق وأعطى للأقاليم الحق في إنشاء حرس للحدود يقوم مقام الجيش المركزي، والحق في عقد الاتفاقيات وفتح الممثليات في السفارات والحق في سن قوانين خاصة بالإقليم تعلو على القوانين المركزية!
وأخطر من هذا فإن الانقسام الطائفي قد غدا واقعاً معاشا مكرسا ولم يعد أحد يرغب في العيش مع أحد بعد المجازر المهولة التي ارتكبتها ميليشيا الموت الشيعية في حق العرب السنة في العراق تحت مسمى محاربة البعث جنب القوات الأمريكية في بداية الاحتلال ثم باسم محاربة داعش منذ الانسحاب الأمريكي الشكلي في 2011!
ثم إن هناك خلافا جوهريا حول هذه الانتخابات نفسها. ففي حين يرى العرب السنة أنها انتخابات صورية شكلية مكرّسة للاحتلال لأن إستراتيجيتهم تقوم على أساس محاربة الاحتلال وإخراجه بقوة السلاح قبل التفكير في إعادة بناء العراق السياسي، لذا فإن من العبث والخيانة العمل على بناء الدولة في ظل المحتل الغاصب، يرى من الجانب الآخر الشيعة والأكراد أنه لا غضاضة في الانطلاق فيها تحت رعاية الأمريكيين الذين جاؤوا حسبهم محررين لا فاتحين!
لم يحظ العراق بسبب مجاورته للفرس الشيعة أبداً بالاستقرار إلا في فترة احتلال الأفغان لبلاد فارس. فمنذ دخول التتار بغداد وسقوط الخلافة العباسية عمل الشيعة على قلب موازين القوى تجاه المكون السني عن طريق القتل والإبادة بلغ ذروته في المجازر الفظيعة التي ارتكبتها دولة الصفويين الشيعية في بغداد والحلة والموصل وسائر أنحاء العراق والتي بلغ مجموع شهدائها مليون عراقي.
ولم تكن سياسة الولاة العثمانيين حكيمة في العراق أبداً، فقد كانوا يعظمون المراقد الشيعية ويعفون طلبتها من الخدمة العسكرية ويغدقون عليهم الأموال ويرفعون الضرائب على أهل السنة ويقهرونهم مما دفع القبائل إلى التظاهر بالتشيع، أو التشيع الفعلي، للتخلص من الضرائب والعسكرية وزاد بروز “الحركة الوهابية” التي كانت تناهض العثمانيين الطين بلة وأصبح السيف مسلطا على العرب السنة بسبب ميولهم إليها مما زاد أوضاع السنة العرب سوء وعزز مكانة الشيعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولم تكن الدول الأوروبية بمنأى عن الصراع السني الشيعي في العراق وكان الشيعة يحظون دوما بدعمهم المادي والتقني والدبلوماسي من البرتغال وهنغاريا والإنجليز خاصة وبمباركة من الكنيسة كما حصل في عهد البابا بيوس الخامس والبابا كريكوري الثالث!!
ولم ينس الغرب أن العرب السنة هم الذين قادوا الجهاد عبر ثورة العشرين ضد الاحتلال الانجليزي وأن الشيعة خانوا الدولة العثمانية رغم كل الخدمات والأموال التي أغدقتها على المراجع لاستصدار فتاوى بإعلان الجهاد ولذلك عمل النظام الملكي تحت رعاية الانجليز على إضعاف المكون السني ونفي علمائه والتقليل من تأثيره السياسي والاقتصادي والثقافي. ولم يكن السنة أحسن حالا في عهد البعث على عكس ما يروج له الشيعة وهو الذي بدأ حكمه بمجزرة طالت علماء السنة وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز البدري بسبب عدم اعترافهم بحزب البعث في حين أصدر المرجع الشيعي الأعلى السيد الخوئي فتواه بجواز الانضمام إلى البعث.
أظهر مجلس الحكم الذي شكله بول بريمر  بعد حل الجيش العراقي (13 شيعيا، 5 أكراد، 5 عرب سنة، آشوري وتركمانية) النوايا التقسيمية الطائفية للأمريكيين، وكان لا بد من إسكات السنة المعارضين للسياسة الأمريكية عن طريق التهديد (قطع بطاقات التموين عن الذين لا يشاركون في الانتخابات مثلا)، وعن طريق القتل والتشريد والترويع خاصة إذا علمنا أن كل ضحايا الغزو الأمريكي للعراق هم من العرب السنة (نحن نقول العرب السنة لنميزهم عن الأكراد الذين هم سنة كذلك): مليونان و350 ألف قتيل حتى شهر مارس 2009م و2،7 مليون مهجر داخل البلد و3 ملايين إلى خارجه مما جعل من العراقيين والسوريين الجنسيتان اللتان تحتلان قريبا من نصف كل طلبات اللجوء في العالم.
وإذا كان توحيد البلدان التي قسمت بقرار سياسي (الألمانيتان والكوريتان والفيتنام) سهلا وميسورا لأنه لم تكن له تداعيات كبيرة، فإن التقسيم العرقي/ الطائفي الواسع الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إيران (مع عمالات وتواطئات غير قليلة في الجانب السني) سيورث لنا دويلات صغيرة لا بد كي تعيش أن تتصالح مع دولة إسرائيل القوية وأن تطلب الحماية من الولايات المتحدة.
ويعلم العرب السنة أنهم ليسوا على موعد مع نهاية مآسيهم لأن ترتيبات الانسحاب الأمريكي ستجعلهم يواجهون وهم العزل من كل قوة أو سلاح أو دعم من الدول السنية (أعادت العربية السعودية علاقاتها الدبلوماسية بعد سبع وعشرين سنة من القطيعة مع العراق دون مقابل من فائدة للسنة كما كان غيابهم دون مقابل أيضا)، يواجهون المكون الشيعي المسيطر كليا على مفاصل الدولة العراقية: الجيش والاقتصاد وقرارها السياسي. ويعلمون كذلك أنهم لن ينالوا دولتهم المستقلة حتى يعيشوا سنوات طويلة تحت الإبادة والإذلال الشيعيين وحتى يضمن الغرب أنها لن تكون سوى دولة ضعيفة ترأسها قيادة عميلة. ويعلمون كذلك أنهم سيكونون في حسابات التوازنات الأمريكية في مواجهتها القادمة مع تركيا حيث إنهم سيقفون جنب جارهم المسلم الصاعد كما فعلوا في الماضي وسيعاملهم الأمريكان، كما فعل الإنجليز من قبل كعدو.
التاريخ في العراق يعيد نفسه…!

د. علي حليتيم

عن المحرر

شاهد أيضاً

من يتحمل وزر هذه المجازر؟؟؟/ د.عبد الحليم قابة

مجازرالكفرة الوحشية، وآخرها المجزرة التي نفذوها على الأطفال الحفظة في أفغانستان يوم فرحتهم، دليل واضح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *