الرئيسية | المرأة و الأسرة | لا تفضلوهم فيتفرعنوا..

لا تفضلوهم فيتفرعنوا..

 

أشرقت شمس الربيع تشع الدفء في الأرجاء وتبدد غيوم شتاء نزل غيثه وكثر خيره واستبشر الناس في أيامهم فرجا، وشمس الربيع بعد المطر تخترق أشعتها نوافذ البيوت فتتسلل إلى شرايين كل أم تزودها بطاقة عجيبة، لا تهدأ بعدها حتى تقلب البيت رأسا على عقب في حملة تنظيف واسعة ..

استيقظ الابن متذمرا من ضجيج التنظيف الذي أفسد عليه حلاوة نوم الربيع في عطلة تشرف على الانتهاء..تناول فطوره على عجل وارتدى لباسه الرياضي وحمل كرته وخرج إلى الحي يلاعب أصحابه..واستيقظت البنت تفرك عينيها وتنزع عنهما بقايا الكسل لتحمل قصاصة قماش وتنهمك مباشرة في تنظيف زجاج النوافذ تارة وإزالة الغبار عن أثاث البيت تارة أخرى، ولم تتذكر فطورها إلا حين عضها الجوع وصرخت أمعاؤها وهي تنهي حملة التنظيف مع أمها التي سارعت لتحضير الغذاء. في هذه الأثناء حضر الابن متعبا يتصبب عرقا مستعجلا الطعام ودخل مسرعا للحمام ليلحق بهم على طاولة الغداء..

بدأت الأم في صبّ الطعام في الصحون حملت قطع اللحم لتوزعها..نظرت إليها وسرحت بخيالها بعيدا إلى أيام خلت..كانت على نفس طاولة الطعام مع أمها وأخيها، كانت هي عائدة من العمل منهكة تحمل في قلبها الفتي أحلام الشباب ومتاعب العمل، وكان هو منتفخ العينين من النوم منتفخ الأوداج تذمرا من كل شيء حوله، وقد غادر مقاعد الدراسة مبكرا واتخذ جدران البطالة متكأ..لا زالت تذكر بشيء من الغصة في حلقها كيف أخذت أمها قطعة اللحم الكبيرة والكسرة الجديدة والفاكهة الجيدة وناولتها في لقطة جارحة تكاد تكون مقدسة لأخيها، وكأنه هو المتعب من عمل وكأنه هو الموجود وغيره على الطاولة عدم..تلك الغصة كانت تتكرر في كل وجبة وأشياء كثيرة في حياتهم كان هو المفضل المدلل المجاب الطلبات فقط لأنه ذكر.. ثمّ كبر الذكر وكبر معنى التفضيل في نفسه حتى تملكه الغرور وكبر حتى على أمه، فعلا صوته عليها وساءت معاملته لها، وانقلب تفضيلها له نقمة عليه وعليها، فلا هي استمتعت ببره ولا هو نال رضاها.

وفي لحظة عادت البنت من ذكرياتها الأليمة إلى طاولتها كأم بين بنيها كأنما استفاقت من كابوس مرعب، وفجأة تبدى لها شريط مخيف لمستقبل قد تصنعه هي الآن بلقطة تراها تلقائية ولكن آثارها وخيمة، فنظرت مرة أخرى لقطع اللحم وابتسمت ابتسامة الحكيمة ثمّ قسمتها بين ابنها وابنتها بالعدل وناولتهما إياها داعية لهما بالهناء والشفاء، فبادلها الابن والبنت بابتسامة الرضا وشكراها وانهمكا في الأكل من شدة الجوع، دون أن يشعر أحدهما بما دار في خلد الأم وبما سرحت به ذكرياتها وتخيلاتها.

هي لقطة قد تكون رمزية لكنها تتكرر في كل بيت، إما أن يسوده العدل في كل شيء بين الأبناء ذكورا وإناثا فينبت الأولاد أسوياء في مشاعرهم لا فيها غل ولا حقد ولا تعال ولا غرور، وإما أن تزرع بذور الشرور كلها إذا ما فضل أحدهم على الآخر خاصة إن كان فقط بسبب التفريق بين الجنسين فكبر الولد الذكر على منطق التفضيل في كل شيء فقط لأنه ذكر وإن لم يكن نافعا في شيء، فيزيد غروره ويتفرعن على كل من في البيت وأولهم أمه التي غرست فيه ملامح فرعون، فتحصد كبره وغروره وتعاليه وغطرسته وعلو صوته عليها وسوء أخلاقه ومعاملته لها هي أولا ولكل من حوله ثانيا، ويكمل بنفسه فيهلكها بكل آفة سيئة تدمر حياته كلها وتأتي على آخرته فتنسفها. فاحذروا يا أمهات..لا تفضلوهم فيتفرعنوا !

بقلم: الأستاذة صباح غموشي

عن المحرر

شاهد أيضاً

حتى نجعل من أبنائنا قادة / أمال السائحي

إن البلدان والشعوب التي تزخر بكل ما هو جميل من مناخ وطبيعة خلابة، ومن مساحات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *