الرئيسية | وراء الأحداث | عبد الحميد بن باديس الإمام الذي كان يرى بنور الله

عبد الحميد بن باديس الإمام الذي كان يرى بنور الله

مرت يوم الاثنين 16 أفريل 2018م الذكرى الثامنة والسبعون لوفاة إمام النهضة الجزائرية العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (16 أفريل  1940ـ 16 أفريل 2018م)، ولا يمكن لنا أن نعبر هذه الذكرى البارزة في التاريخ الجزائري المعاصر دون أن نقف وقفة ترحم وتذكر واعتبار لحياة ومسار وفكر وكفاح ذلك الرمز المشرق، والنجم الساطع في مسيرة النهضة الإصلاحية، والحركة الوطنية الجزائرية، الرجل الذي كان قدوة للعلماء العاملين الصلحاء الأتقياء.

ومن مفارقات التاريخ العجيبة أن ميلاد الإمام عبد الحميد بن باديس تزامن مع صدور قانون التجنيس الآلي للأجانب 1889م الذي يعطي الحق في الجنسية الفرنسية لكل الصعاليك والمرتزقة والمغامرين الأوربيين من مالطيين وإسبان وإيطاليين وكورسيكيين… الذين أصبحوا من ملاك الأراضي بعدما انتزعت من أصحابها الشرعيين – أي السكان الجزائريين الأصليين- بعدما كان قانون كريميو قد أعطى حق الجنسية لليهود الموجودين في الجزائر، بينما ظل الجزائريون خاضعين لقانون الأنديجينا (قانون الأهالي) الذي سنته سلطات الاحتلال الفرنسي ضد الجزائريين المحتلين في 1871م، أي بعد 37 سنة من إلحاق الجزائر بفرنسا في 22 جويلية 1834م، واعتبارها مقاطعة فرنسية، ويعرف شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله ـ رحمه الله ـ قانون الأنديجينا بأنّه “مجموعة نصوص وإجراءات استثنائية سنّها ووظّفها المسؤولون الفرنسيون ضد الجزائريين الذين يشكون في ولائهم ولا يرتاحون لتصرفاتهم”.

ويعتبر قانون الأنديجينا من أبشع الجرائم القانونية والاعتداءات الاستعمارية على حقوق الإنسان والشعوب، وإذا كان المحتلون الفرنسيون قد أوهموا أنفسهم من جهة، وحاولوا إقناع العالم من جهة أخرى بأن الجزائر قد ذابت في الكيان الفرنسي، وأن شخصيتها الأمازيغية العربية الإسلامية قد مسخت تحت سياط القهر وجبروت الاحتلال، حتى أن أحد الخطباء الفرنسيين ـ حسب ما أورده العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ـ قال في الاحتفال الذي أقامته فرنسا بمناسبة اكتمال قرن من الزمان لاحتلالها للجزائر: “إننا أيها السادة لم نقم هذا الحفل في الواقع لأجل مرور قرن كامل لاحتلالنا للجزائر فحسب، لأن مائة سنة لا قيمة لها في عمر الأمم، فقد بقي الرومان في هذه البلاد عدّة قرون ثم ذهبوا، وبقي العرب في إسبانيا سبعة قرون ثم ذهبوا أيضًا، ولكننا أقمنا هذا الاحتفال لتشييع جنازة الإسلام في الجزائر”، ولكن الإمام عبد الحميد بن باديس والرجال العظماء الذين كونهم ورافقهم في الكفاح البطولي لاستعادة شخصية الجزائر لم يستسلموا ولم ييأسوا من نصر الله، ومن قدرة شعبهم على تحرير الجزائر واستعادة شخصيتها المستقلة، ففي شهر أفريل 1936م كتب الإمام عبد الحميد بن باديس في مجلة الشهاب ردا علي المقال الذي كتبه بالفرنسية الرئيس الراحل فرحات عباس تحت عنوان (فرنسا هي أنا)، والذي أنكر فيه وجود الشخصية الجزائرية في التاريخ الجزائري كتب بن باديس: “نحن العلماء نتكلم باسم أغلبية الشعب. نقول للذين يزعمون أنهم فرنسيون، لا تمثلوننا، إننا نحن فتشنا في التاريخ، وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية، واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة، وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح، شأن كلّ أمة في الدنيا؛ ثم إن هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا، ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وأخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معين، هو الوطن الجزائري، بحدوده المعروفة”.

وإذا كانت فرنسا قد بقيت بعد وفاة الإمام عبد الحميد بن باديس سنة 1940م، بل حتى بعد اندلاع شرارة الثورة التحريرية المباركة في نوفمبر 1954م متمسكة بوهم “الجزائر فرنسية” إلى الحد الذي جعل وزير الداخلية الفرنسي ـ آنذاك ـ فرانسوا متيران، الذي أصبح في سنة 1981م أول رئيس اشتراكي للجمهورية الفرنسية، يصرّح أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الفرنسي في نوفمبر 1954م بعد أيام قلائل من اندلاع الثورة، قائلا: “إنّه إذا كنا نقبل الحوار مع الوطنيين في البلدين المحميين (تونس والمغرب) اللذين هما دولتين بالمعنى القانوني للكلمة، فإنّ ذلك غير ممكن مع الجزائر التي هي مقاطعة فرنسية، وجزء لا يتجزأ من فرنسا”.

وفي سنة 1955م قال أيضا هيرفي آلفان ممثل فرنسا في الأمم المتحدة: “إن الجزائر مقاطعة فرنسية منذ 1830م، شأن لابروتان منذ 1491م، والألزاس منذ 1648م، وكورسيكا منذ، 1769م ولاسافوا منذ 1860م”.

إلا أن الله سبحانه وتعالى لم يبطل تضحيات الشعب الجزائري، ولم يخيب رجاء العالم الرباني عبد الحميد بن باديس الذي كان يرى بحدسه الإيماني معالم المستقبل الصادق خلف ظلمات الطغيان والبغي الاستعماري، ففي 30 سبتمبر 1955م كتب روبير بارا – الباحث والمؤرخ والصحفي الفرنسي في جريدة (تيموانياج كريتيان)- يقول: “إنها الحقيقة الواضحة هي أن الجزائر لم تكن أبدا فرنسية ولا تستطيع أن تكون فرنسا..”، وهي تقريبا العبارة نفسها التي كتبها الإمام عبد الحميد بن باديس في شهر أفريل 1936م بمجلة الشهاب.

والأمر كذلك في سنة 1937م فقد كتب الشيخ ابن باديس مقالا في مجلة الشهاب تحت عنوان: (حول كلمتنا الصريحة) قال فيها: “إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة – من أمم الدنيا– وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله، ويقولون أن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد، وتتغير فيه السياسة الاستعمارية، وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر” .

ويشاء الله تبارك وتعالى أن يتوج كفاح الشعب الجزائري السائر على نهج ابن باديس ورفاقه الميامين بالنصر والتمكين، ففي الفاتح جويلية 1962م نظم استفتاء تقرير المصير لتحقيق استقلال الجزائر، وتضمن سؤال الاستفتاء تقريبا نفس العبارة التي ختم بها الشيخ ابن باديس ـ رحمه الله ـ “كلمته الصريحة” حيث نص الاستفتاء على: “هل تريد أن تصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة في تصريحات 19 مارس 1962؟”.

رحم الله الإمام عبد الحميد بن باديس الذي عاش لدينه ولأمته، فطيب الله ذكراه، وجعله فخرا لأمته بأجيالها المتعاقبة.

بقلم: عبد الحميد عبدوس

عن المحرر

شاهد أيضاً

إلى أين سيصل قطار التطبيع؟/ عبد الحميد عبدوس

بعد 38 سنة على انطلاق قطار التطبيع مع الكيان الصهيوني من القاهرة بعد توقيع اتفاقية سلام بين الرئيس المصري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *